spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 64
خلوات البياضة الزاهرة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
الشيخ إبراهيم الهجري طباعة ارسال لصديق
عن كتاب البياضة

كان مولده في أول القرن الثالث عشر للهجرة على الأرجح ومنشأه في قرية الأشرافية من قرى غوطة دمشق وترعرع بها، وكان والده فقيرا، وكان يظهر عليه من صغره بوادر النبوغ والذكاء، فلما بلغ أخذ بالحفظ والدرس واشتهر في الدين والورع.
ثم ارتحل إلى جبل حوران المعروف بجبل الدروز ونزل في قرية قنوات هو ورجل معه من آل جزان، وربما يكون معهم قوم آخرون. وكانت قنوات خربة في وسط احراش ومعاصي ليس لها طرق سهلة والشجر متشابك بها اشتباكا عظيما. فلما دخل الشيخ ومن معه وجدوا فيها بيتين صالحين قائمين للسكن فسكن الشيخ في بيت وابن جزان في البيت الآخر.
وكانت قنوات ذات خصب وافر وكان مع ابن جزان طروش ومواش فوُفق بها وكثرت مواشيه والشيخ أبو حسين إبراهيم يشتغل في الحياكة. وبعد ذلك كثر السكان في قنوات وكثر القاصدون إليها لما بها من الخيرات. وقيل إنه كان في مشاريقها أحراش مشتبكة من الأجاص القليل المثيل في اللذة والزكاوة. يقال إن الشجرة الواحدة يقطفون منها حمل جمل. وكانت مهنة من قطنوا بها ثمر الأجاص واحتطاب اشجاره وقطع أشجار السنديان وتفحيمه ليحصل لهم قوتهم حتى تكمنوا من اقتناء المواشي للحرث والزرع وصارت تأتيهم بالغلال الوافرة.
وأصبحت قنوات بلدة مقصودة من جميع أنحاء البلاد وكان كل من دخلها يرجع إلى اهله مبتهجا مسرورا متعجبا بما يرى من الشيخ ابي حسين إبراهيم ويسمعه من آدابه وعلمه حتى أصبحت قنوات زهرة البلاد وعاصمتها الدينية وصارت تقصدها الزوار من البلاد وخارجها.
ذكر سيادته وحسد آل حمدان وعداوتهم له
فلم يمض على الشيخ أبو حسين إبراهيم الهجري مدة حتى أصبح هو الآمر الناهي في البلاد. وأقرّت الناس له بالسيادة لما شاهدوا من علمه وعمله وآدابه وسياسته ونفوذ أمره بينهم وأول ما أمرهم ببناء المجالس، وأقام السواس بها وقسّم لهم تلاوة الرسائل على ليالي الأسبوع، كما هي الآن على الطريقة الجارية، وذلك اتباعا لخاطره الشريف. وصار أمره نافذا من جميع الوجوه، وشعر الدروز كلهم بأن لهم بأن لهم أب شفوق يهتمّ بمصالحهم، ويرعاهم في دينهم وآخرتهم، فالتفّوا حوله وانقادوا إليه انقياد الطاعة العلمية، فهدى نفوسهم ووعظهم بالصالحات، فأقرت الناس بفضله والتفّت القلوب حوله وعلى قبول خاطره، وكل من وقع عليه مظلمة يشتكي إلى الشيخ فينصفه ممن ظلمه ويقيم عليه الحد بالبعد أو الحرم حتى يفي إلى الحق ويعطي المظلوم حقه.
وكان أمره نافذا لأن من أطاع الله ذكره الله بالطاعة وعصمه من مكايد خلقه، فكان زعماء الجبل في ذلك الوقت مشايخ آل حمدان، وكانوا بصفة حكام إقطاعية لهم حق التصرف في البلاد كيف ما شاءوا وكان بيدهم الحل والترحال يحلوا الراضين عنهم، ويرحّلوا المغضوب عليه منهم كما شاءوا. والبلاد خاضعة لهم ولأمرهم جورا أو عدلا. وكانوا يشنقون ولا معارض لهم في حكمهم، والحاكم المطلق يفعل ما يشاء فلما اشتهر الشيخ أبو حسين ونفذ أمره ومالت قلوب الناس إليه صار أمره أقوى وأنفذ من أمر الظالمين، فحسدوه وأظهروا له العداوة ورحّلوه من قنوات إلى بلد أهله القديمة وهي خريبة الشوف، وقطن بها مدة فاحتاجت أهالي البلاد إليه وصارت تطلبه من آل حمدان، وتأكد لآل حمدان أنه لا يهدأ لهم بال ولا ينعم لهم عيش ما دام الشيخ غائبا في الشوف، فجمعوا أعيان البلاد وأوفدوهم إلى الشوف في طلب الشيخ أبو حسين إبراهيم وقالوا لهم: إذا عجزتم عن إحضاره معكم فلا ترجعوا أنتم أيضا، وهذا على سبيل الحرص ألا يرجعوا بدونه، لأن من اتكل على الله تعالى أجبر الناس على رضاه، فلما وصلوا إلى عنده وأخبروه بالأمر اللازم قبل خاطرهم وأجاب سؤالهم رضي الله عنه ورجع إلى قنوات وكانت البلاد بغاية الحاجة إليه فجاءت الوفود من أنحاء البلاد لبصره والسلام عليه، وكثر السرور عند الجمهور، فوقعت كلفة كبيرة على أهل قنوات بسبب الوافدين. فقال لهم الشيخ: لا تستثقلوا بالضيوف فهؤلاء أهلنا ومن لنا فإن الله سيعوّض عليكم أضعافا متضاعفة وهم من طبعهم الكرم فقبلوا وصية شيخهم وزادوا بإكرام الضيوف. قيل إن غلة الفدان في تلك السنة بلغت ثمانية وعشرين غرارة (والغرارة ثمانون مدّا). وقيل إنهم عملوا بيادر في مشاريق البلدة لعجزهم عن نقل الغلال والزرع المحصود. ومن بعد وفاة الشيخ يقال إنها ما زادت عن الأربعة غرايرة وتلك الزيادة كانت ببركته رضي الله عنه وأرضاهم. بذلك زادت شهرته وسطع نوره وظهر برهانه وزاد انقياد الطائفة إليه وسارعوا لتنفيذ أمره وأصبح بيته محكمة دينية وزمانية. فثار حسد آل الحمدان مرة ثانية، وقال كبيرهم يمشي إبراهيم على قدره وإلا أدعس رقبته ولا بد من ذلك. فوصل ذلك إلى الشيخ فوضع عباءته على كتفه وحضر عند ابن الحمدان في السويداء، فلما دخل وسلم قال له: يا بعدي بلغني أنك قلت لا بد ان تدعس رقبة الفقير، فقم نفذ ما قلت. فخجل ابن الحمدان وأخذه الحيا وطلب المسامحة. فقال له الشيخ لا بد أن تصدق ما قلت واضطجع أمامه، ففشخ فوق رجلي الشيخ ولاح بعباءته فوقه. فقال امرأة ابن الحمدان: يا ويلتنا لقد زال عزنا. فكانت بتقدير العزيز الحكيم فشخة من دائرة السعد إلى دائرة الشقاء والتعس. فما طال بهم بعد ذلك الزمن حتى زال ملكهم، وذلك أن إسماعيل الأطرش جرّد عليهم بأهل المقرن الجنوبي فأخذهم بيوم واحد وورث أرضهم وزعامتهم وهرق دم رجالهم فما سلم منهم إلا القليل. ومن ذلك الوقت آل حمدان فقدوا عزهم وما عادت قامت لهم قائمة لا في الدنيا ولا في الدين، وبذلك اشتهر الشيخ وزاد برهانه رحمه الله تعالى ونفّعنا ببركاته.
ذكر علمه وفراسته بإبراهيم باشا المصري وظهوره
قيل عن الشيخ، رحمه الله، وقف ليلة في باب بيته وهو يرعى النجوم، ثم اتكأ على عتبة الباب ووضع يده على رأسه، فظن من حضر عنده أنه مريض، فسألوه عن ذلك، فقال: لا ولكن يتبين أنه سيظهر في هذه الليلة خارجي عظيم من بلاد مصر اسمه إبراهيم باشا وسيغير بجنوده وجيشه على بلاد سوريا ولبنان، وسيغلب أهلها ويخرج منها عمال الأتراك ويملك البلاد ويفتح معنا حربا عظيما، ويهلك قسم كبير من جيشه، وبعون الله ما لإبراهيم إلا إبراهيم. وهذه من ثمرة تعلقه بخالقه وتقواه واتصاله به، كما قال بعض الحكماء: إن العبد إذا عرف ربه وعرف جوهره المختصّ به فإنه يجرد المحبة له ويخلص العبودية، ويلازم النظر إليه والاعتصام بحبله، بل لا يسكن إلا إليه، ولا يأنس إلا به، ولا يتقوى إلا بمعونته، ولا يؤثر غيره عليه، فيصير هو بعينه لفرط الاتصال به والتقرب إليه عقلا خالصا، وحقا محقا وروحا صافيا ونورا إلهيا، فيطلع على جميع ما في العالم إلهاما، ويغتبط بالاحتواء على ما فيه من الحكم إكراما، وذلك هو الكمال الحقيقي للجوهرة الأنسي. فالشيخ أبو حسين إبراهيم، نفعنا الله ببركاته، كان على جانب عظيم من هذا، وكان له علم بالنجوم ومدارها حيث كان يرعاها ويرقبها، كما قال في بعض أشعاره:
أرعى نجوم السما والليل يشهدها        أنظر مصادرها أرقب مواردها
وفراسته صائبة رضي الله عنه. كما قيل إن الفراسة هي مكاشفة اليقين ومشاهدة الغيب، وهي سواطع أنوار لمعت في القلب حتى شهد الأشياء من حيث أشهده الحق إياها. فيتكلم على ضمير الحق ومن غض بنظره عن المحارم وأمسك نفسه عن الشهوات وعمر باطنه بالإيمان والتسديق واليقين ودوام المراقبة فلم تخطئ فراسته. وهكذا الشيخ أبو حسين إبراهيم جاءته المسببات معينة لبعضها بعضا فلا عجب إذا عرف عن إبراهيم باشا ما عرف أو عن غيره، فهذه كرامة من الله تعالى وبيانا لفضله وديانته، وعلو منزلته، وتعلقه بالخالق سبحانه ويقينه به رضي الله عنه وأرضاه، وجعلنا من المسدقين بفضله وحقه، ثم لما زحف إبراهيم باشا على سوريا ولبنان وطوّعها وأخرج عمال الأتراك الحاكمين لها، وصل إلى جبل حوران وحاصر الدروز في اللجاة تسعة أشهر وجرى بينه وبينهم معارك عديدة كانت النصرة فيها للدروز. والشيخ قائدهم ومديرهم وكان في ساعات يأمرهم بالقتال وساعات يأمرهم بوقف القتال فلم ينكسروا ولو بمعركة واحدة وهذا من فضل الله كما قال إن ينصركم الله فلا غالب لكم. وقيل كان عدد المحاربين الدروز نحو خمسمائة مقاتل، وعدد الذين هلكوا من عساكر إبراهيم باشا سبعون ألفا، وعدد ما استشهد من الدروز نحو مائة شهيد، وذلك كرامة ظاهرة لقائدهم وإمامهم الشيخ الجليل الفضيل فسبحان من نصر أولياه، وهلك أعداه. وقيل إنه كان سبب وقف القتال مع إبراهيم باشا وتهدئة الحرب وقام الصلح معه هو لما طال المجال في الحرب حتى مضى تسعة أشهر في حصارهم تضايقوا واحتاجوا إلى مؤن وذخيرة فعلم الشيخ أن التخلص من الحرب عسرا جدا على الدروز لأنهم أفنوا من العدو أضعافا متضاعفة وبقي مئات الألوف فعند ذلك عمل الشيخ برأيه وفكره وبإلهام المولى له وعلمه، أنه أخذ ظرف ودخل إلى مكان منفرد وكتب على الظرف إبراهيم ونفخه.
فانتفخ إبراهيم باشا في تلك الساعة فأتوا إليه بالحكماء وأخيرا عجزا عن إزالة النفخة، فبعث الشيخ من يخبرهم أنه يوجد عند الدروز من يقدر على شفائه إذا شاء الشفاء من هذا المرض، فأوقف إبراهيم باشا الحرب وطلب من الدروز هدنة، واتصل مع الشيخ أبو حسين إبراهيم فقال له الشيخ: أتريد أن اشفيك وأنت عامل حربا معنا والدروز على طبقاتهم أولادي وإخواني؟ فقال له إبراهيم باشا: إذا أنت أشفيتني سأصالح الدروز ولا أبقي جنديا مصريا في أرضكم. فقال له الشيخ ستشفى بعد ثلاثة بإذن الله. ورجع الشيخ وفك الظرف ونفّسه في كل يوم شيئا وبتمام الأيام الثلاثة حله وأنحل إبراهيم باشا من نفخته، ووفا بوعده وصالح الدروز وانسحب من أرضهم وسدق ما قاله الشيخ: ما لإبراهيم إلا إبراهيم. وقد أورد الشيخ أبو علي قسام الحناوي رحمه الله حرب إبراهيم باشا في ملحمته حيث قال:
وبرج الغضب جانا إبراهيم باشا        بجيش عظيم ما له مقدار
وجاء بجيش حطّ في داير اللجا        أضاق علينا الظالم الغدّار
وستين كون قد عملنا بجهدنا        كسرنا قواه بقوة المختار
وسبعين ألف قد قضى من جيوشه        وأصلح صالحنا وفات الثأر
أسود بنو معروف ذبّاحة العدا         ويا ما لهم في المعركات غبار
فهذه قلعتنا وهذي لجاتنا             وترب أبينا من دخلها حار
وقيل إن عرب السلوط في تلك الحرب كانوا يساعدون الدروز، ولما انكفّ العسكر المصري ورجع دعيت إلى الدروز وانتصروا في الحرب قال لهم الله يبارك لكم في لجاتكم، وبعدهم إلى الآن مستبركين بدعاه، وموفقين في اللجا ببركة دعاه رحمه الله. وقيل في حرب إبراهيم باشا كان رجلا مهجورا من أهل قنوات أي مبعودا وهو يقاتل في أحد المعارك فلما رجع الدروز من المعركة، فافتقد الشيخ الرجال كما يفتقد الراعي قطيعه فلم يجد الرجل. فسأل عنه/ فقال له رجال قنوات المحاربين وجدناه مقتولا في المكان الفلاني. فقال الشيخ: هذا غير ممكن وكان الذين شاهدوه قتيلا من أهل قنوات كثيرين وكلهم شهدوا بأنه مقتول وأنهم مسكوه وقلّبوه وما وجدوا فيه روحا. فقال الشيخ: هذا رجل من أهل الدين ومحسون الظن به يموت مبعودا على عدم فلا أظن ذلك، فأما القتيل بعدما تركوه أهل قنوات صحي حالا وفاق من غيبوبته فمرّ عليه أناس فتوحى بهم حتى نقلوه إلى بيت الشيخ ابي حسين إبراهيم. فلما دخل عليه ابتدأ الشيخ بالفاتحة فبقي تلك الليلة طيبا. وفي الصباح انتقل إلى رحمه الله تعالى. فتعجّب أهل قنوات من فراسة الشيخ وتثبيت ظنه، وغلطهم بنظرهم ولمس يدهم.
وقيل كان بوما في مجلس البياضة وكانت الناس تدخل إلى المجلس رجالا ونساء فدخلت إلى مجلس النساء المرأة وعلى يدها ولد يبكي ويصرخ، وكانت المرأة متدينة ومحسون الظن بها من المشايخ، فقال الشيخ أبو حسين هذا الولد غير صالح وسيتعب أهل جيله. وقيل إنه هو يقولون دور السجلات في محل الحوطة الموجودة في البياضة فسأله المشايخ عن تفسي قوله وأن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. فقال لهم إن أنعام الله تعالى على العبد لا تحصى ولا تحصر ولا تعدوا الرجل الساعي من مكان إلى مكان على نيّة الخير إنه كان في خطوة اثنتان وسبعون ألف حسنة "فكل نفس له أربع آلاف رحمة وأربعمائة نعمة وفيما هو كان زائرا في حاصبيا وكان بمعيته كثيرا من المشايخ في زيارته فنظر إلى الجمهور الملتفّ حوله لاستماع الشرح والوعظ فوقع على رجل جسماني فتفرّس فيه وأومأ بيده إليه، فلما تقدم إلى أمامه، قال له الشيخ الغدا باكرا عندك إن شاء الله، فسرّ الرجل وفي الغد فطر الشيخ عند ذلك الرجل ولكنه تاب من ساعته وأحسن توبته، فلما سئل الشيخ عن فطوره عند ذلك الرجل قال هذا من أهل الخير ربحناه أعني في مبادرة توبته رضي الله عنه وأرضاه.
وقيل إنه حضر إلى عنده رجل له ولد مسركل فطلب منه أن يدعو لولده حتى يحل أسره. فقال له الشيخ: سيرجع ولدك بوقت كذا فقال الشيخ عنهما إن هذا الرجل موحد ولكن ولده غير صالح وعند الاختبار تحقق ذلك وصحّ ما قاله الشيخ من رجوع المسركل وتحقيق فراسته.
وقيل إنه كان زائرا جرمانا وبينما هم متنقلين في أثناء الزيارات مع بعض إخوانه وجدوا أولادا يلعبون في الطريق فركض واحدا منهم وستر نفسه وراء شجرة جوز، فنظر الشيخ إليه وتفرّس فيه فقال لمن معه، احرصوا على هذا الولد سيكون أصلح جيله وأتقاهم فهنيئا للقوم الذين يعاصروه، فكان ذلك الولد سيدنا الشيخ صالح الجرماني رضي الله عنه، فلما كبر وبرز بعلمه وظهر فضله تذكّروا كلام الشيخ رحمه الله تعالى.  
وقيل إنه كان زائرا إلى عرنة، وهم في الطريق قال أحد المشايخ الذين معه وهم مقبلين على جبال نلك المنطقة لو كان عندي مثل هذا الجبل طحين لفرّقته على الفقراء والمساكين. فقال له الشيخ: إذا كان ذلك على نية خالصة وإذا قدرت فعلت فقد كُتب لك أجر هذا الجبل لأن العبد محمول على نيته ونيّة المؤمن خير من عمله وإنما الأعمال بالنيّات.
حديث القفل
قيل إنه كان مسافرا إلى دمشق الشام مع قافلة من الدر وز، فلما وصلوا ما بين برّاق والغوطة خرج عليهم عرب غزاة وأرادوا سلب القافلة وما معهم، فوقع القتال فيما بينهم، فأخذ الشيخ عصاه وقرأ عليها آيات كان يقول في آخرها ألف ألف وأومأ بها نحو القوم فعميت أبصارهم وفرّوا هاربين فلما رجع القفل تأخر الشيخ في دمشق فلما ساروا في الطريق خرج عليهم عرب وضايقوهم فقال أحدهم أنا سمعت الشيخ ما كان يقول، وأخذ العصا وبدا يقول ألف ألف فلم ينفع لأن النفس مختلف فظفروا بهم وسلبوا متاعهم فأي برهان أجلى من هذا على فضله رحمه الله ونفعنا ببركاته.
وقيل إنه سافر مع جملة بلده إلى فلسطين وأوصاهم أن يكتموا اسمه، فلما وصلوا إلى قرى الدروز أخذت الناس تسألهم عن الشيخ فيجيبوهم الحمد لله بخير، فلما وصلوا إلى ما هم قاصدين وضافوا حضروا إلى المجلس وحضر أهل البلد فسألوهم عن الشيخ ومن أي بلد هم فأجابوهم من قنوات، فقال المعازيب حيث أنكم من بلد الشيخ نريد نعرف أسماءكم جميعا، فسمى بعضهم حتى وصلوا إلى عند الشيخ سكتوا. فقالوا من هذا الذي اختصرتم عن اسمه؟ أجابوا هو الذي أمرنا بكتم اسمه. فقالوا لا بد لنا من معرفة اسمه، فقلوا لهم هذا الشيخ الذي أكثرتم السؤال عنه. قيل فبهت الجميع ثم صاحوا وقالوا الشيخ أبو حسين إبراهيم ضيفنا ولا تعلموننا به، وغاروا عليه وأخذوا بتقبيل يديه، وأجلسوه في مكان يليق به. وفي الصباح طلبوا منه أن يشرح لهم حتى ارتفع النهار وكثر الحث من المعزب وقال سيقع ضرر على الطعام. قالوا جميعا هذا نهار عيد لقد شاهدنا من الشيخ أكثر ما سمعنا عنه، وهذا أيضا دليل على سعة علمه وفيضه رحمه الله.
ذكر شيء من أخلاقه وسياسته
قيل إن الشيخ زار مجدل شمس وكان عدد من معه وقدم لبصره والسلام عليه نحو أربعمائة من مشايخ البلدان فصنع لهم المعزب وليمة ذات كلغة وقيمة فتمنع بعض المشايخ من الأكل وقال هذا كله بذمتنا نحن لا نأكل، فانصدع خاطر المعزي لعدم مجابرتهم له، فقال الشيخ لا تحزن فإن الله سيعوض عليك أضعافا متضاعفة ولك أجر نيّتك وجابره بالأكل وجبر خاطره بالكلام ودعا له. قيل إنه زاد رزق ذلك الرجل أكثر ما تكلف مرارا عديدة ببركة دعاه.
وقيل إنه كان زائرا ومحافظا في الشوف فلما وصل إلى عين قنية الشوف تعرّض له رجل من أهل الديانة وعزمه بالعشاء. فقال له الشيخ: أنا قاصد. فقال له الرجل العشاء عندي وأين ما أردت ضيف. فوعده الشيخ بالعشاء ووصل إلى عند أناس غيره وقال لهم وعدنا فلان بالعشاء فعزّ عليهم ذلك وقالوا هذا الرجل فقير والجمع كبير وكان معه نحو أربعمائة شخص من البلاد وخارجها. فقال الشيخ الله كريم قادر أن يطرح البركة في بيته ويعوض عليه. وأما الرجل لما وعده الشيخ بالعشاء فرح كثيرا جدا وذهب إلى بيته وأخبر عياله، وكانت امرأة كثيرة المعارضة فقالت له هذه أشغالك اذبح المعلوفة واتركنا كل السنة بلا دهن. فما وقف عند كلامها بل ذبح المعلوفة وجهّز الطعام وتعشى من عنده الشيخ وكل من معه ومن حضر للسلام عليه، فالقرى كفى وزاد ثم تقدم الشيخ إلى امرأة الرجل وقال لها هل بقي من المعلوفة شيء؟ فقالت نعم بقي الشحمات وقليل من اللحم. قال لها احضريهم. فلما نظرهم بارك عليهم وقال اسلوهم فيهم البركة وستجدونهم بركين إن شاء الله تعالى. فلما سلوهم عبأوا منهم الأوعية التي كانوا مجهزينهم للمعلوفة كلها وزاد فاقتنعت حرمة الرجل فقالت لا أعارضك أبدا بعد الآن وبعد هذه المرة. والرجل قوي في دينه وعند موته نودي بالسيادة رحمه الله. فكان بتقدير العزيز الحكيم وعده للرجل سببا لإصلاح حاله مع زوجته وزيادة رزقه وتجديد توبته وسببا لإظهار برهانه وإشهار فضيلته فسبحان من كانت معرفته وسيلة لهداية أوليائه وجهل معرفته عمى البصيرة أعدائهم وأعدائه.   

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.