spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 103
القائد حمزة بك درويش
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129
العدد 128


 
كلمة العدد: التوحيد الدرزي هو كيان روحاني غير قابل للزوال... طباعة ارسال لصديق
يقول العميد الركن اللبناني عزيز الاحدب، في كتابه "لبنان إن حكى" إن المؤرخين اختلفوا في دين الأمير فخر الدين المعني الثاني، مؤسس لبنان الحديث  واصله، وادعت كل طائفة، بانه ينتسب اليها. فقال المسلمون، ان دليلهم انه كان مسلما سنيا، بناؤه للجوامع وصيامه رمضان هو وعياله. اما اسطفان الدويهي في كتابه تاريخ الموارنة الصادر عام 1860 فيقول، ان فخر الدين أحسن مثوى المسيحيين المظلومين، فاعتزوا في ايامه، وركبوا الخيل، ولبسوا السراويل الواسعة والزنانير المزركشة، وسمح لهم بإقامة شعائرهم الدينية جهارا وبقرع النواقيس … وكان كل ذلك محرما عليهم من قبل. أما اليهود، فأطلق الحرية لحاخاميهم ان يمارسوا شعائرهم وطقوسهم الدينية، ولتجارهم ان يعملوا في الاراضي والمناطق الواقعة في امارته. وأما الدروز، فلم يجدوا عناء في اثبات درزية الامير المعني، الذي ولد من ابوين درزيين، وعاش بين قومه الدروز، وبقي درزيا حتى وفاته. المهم في الموضوع، يقول الاحدب، ان الأمير فخر الدين، احترم الديانات السماوية، وأطلق حرية اقامة الشعائر الدينية للجميع.
ونحن نقرا هذا واشياء مماثلة ولا نستغرب، فنحن نعلم أن الطائفة الدرزية، والحمد لله، يحاول الجميع ان يتقرب منها، وان يعتبرها من معسكره، وان يكسب دعمها ورضاها. واحيانا، وعندما لا يستطيعون ذلك، يتحول هذا الاهتمام إلى كراهية وحقد، ويؤدي في بعض الحالات إلى اعمال عدائية ضد الطائفة. وقد استمر هذا الأمر منذ نشوء دعوة التوحيد في مستهل القرن الحادي عشر، وما ظل سائدا حتى اليوم.
ونحن نلاحظ، أن الطائفة  الدرزية تتعرّض في السنوات الأخيرة، إلى حملة شعواء من قِبل أوساط دينية وسياسية متطرفة، تدعي تصرفها باسم الدين والأخلاق والمبادئ، وهي بعيدة كل البُعد عمّا يمثله أي دين سماوي في العالم. وأشد الخطورة هو عندما تمتزج الفكرة الدينية المتطرفة، مع قدرة عسكرية، ومع وجود كيان سياسي إقليمي، بحيث تستطيع أن تفتك وتقتل وتقضي على كل من تسوّل لها نفوسها المريضة أنه عدو لها. وعادة تتخذ قوى كهذه، أهدافا تعتقد أنها ضعيفة، وتركز كل جهدها، وتسلط جام غضبها، لتثبت للآخرين أنها قوية، ولتبرهن لهم أنه من الأفضل التهادن ومعها، والانصياع إليها، وقبول شروطها، لأن البديل هو القضاء عليها.
 وللطائفة الدرزية، نصيب كبير في هذه المواقف، ليس الآن فقط ، وإنما منذ تواجدها حتى الآن، فهي تمرّ  بهذه المآزق، وهذه المواقف، وهذه الأوضاع، منذ تأسيسها قبل حوالي ألف سنة. لكنها صمدت وتغلبت، وذلك، بعونه تعالى، وبفضل عقول شيوخها، وسواعد شبابها، وإيمانها القوي. والأهم من كل ذلك، بسبب عقيدتها الراسخة الثابتة الأصيلة الحقيقية، التي صُقلت في حينه، من كل النواحي، وأتت بالجوهر، الذي نؤمن به اليوم، ونتمسّك به، ونحفظه في قلوبنا، ونردده بين جدران خلواتنا، ونحمله معنا في كل مكان، وهو عقيدة التوحيد الدرزية الخالدة. ومع أننا نمقت اسم كلمة دروز لأنه يتبع نشتكين الدرزي الذي انحرف في حينه عن الدعوة والذي تم القضاء عليه حالا لكنه استطاع في فترة قصيرة أن يشوّه دعوة التوحيد الحقيقية وأن يلصق بها عناصر واعتقادات بعيدة كل البعد عن نصوص التوحيد الأصلية التي نادى بها مؤسسو الدعوة ودعاتها. وبما أن دعوة التوحيد انزوت في حينه في رؤوس الجبال في منطقة بلاد الشام، وانشغل الموحدون بتضميد جراحهم، وبإعادة بناء أسس مجتمعهم وديانتهم على الأصول التوحيدية التي سبكها كبار دعاة التوحيد في مصر في عهد الحاكم بأمر الله. وبما أن دعوة التوحيد كانت حركة ثورية إصلاحية، وأتت بجديد، وكونت مبدأ يعتمد على العقل والفكر والمنطق والعدل، فقد واجهت معارضة شديدة، وصراعا عنيفا مع القوى التي كانت موجودة، والتي شذّت بأغلبها في تعاملها مع أقليات صغيرة. لذلك تمسكت هذه القوى بالقشور الدرزية المنبوذة من قِبل أهل التوحيد، ونسبت للموحدين أمورا هم براء منها، وبنت على ذلك فتاوى وقرارات ومواقف، يعتمد عليها اليوم كل الذين ينظرون إلى الموحدين الدروز بمنظار الحقد والكراهية. ولا شك أن هذه المواقف أثرت على مسيرة الطائفة الدرزية خلال كل هذه الفترة، ولم تخلُ السنين التي مضت من محاولات للقضاء عليها، ومحو وجودها، ابتداء مما فعله الخليفة الظاهر حتى أيامنا، حيث مرّت الطائفة بمآس ومواقف مؤلمة، لكنها استطاعت أن تتغلب عليها، وأن تظل شامخة رافعة الرأس، في حين زال وانمحى أعداؤها وخصومها.
وهنا نود أن نقول شيئا يعرفه ويؤمن به كل موحد درزي، وربما لا يعرفه الكثيرون من خارج الطائفة، وخاصة من أولئك الذين  توجد مطامع في نفوسهم، بأن يحاربوها ويكسروا من عنفوانها.
 ربما تحدث، لا سمح الله، ظروف، يستطيع بها أعداء الطائفة أن يقضوا عليها كليا، من ناحية التخلص جسديا من الموحدين الدروز، الذين يعيشون في هذا العالم، في فترة معينة، لكنهم لن يستطيعوا بذلك، أن يقضوا على مبدأ التوحيد الدرزي المتأصل والراسخ، حيث ينشأ في فترة قصيرة، جيل جديد، أقوى واصلب وأتقى من الجيل الذي سبقه، وهكذا دواليك حتى نهاية العالم.
فمبدأ التوحيد، هو مبدأ سماوي إلهي خالد، لا يمكن لبشر أن يستطيعوا أن يؤثروا على وجوده، أو أن يحققوا مآربهم في تقليصه، أو في تقزيمه، أو القضاء عليه، فهذه أمور هي فوق طاقة البشر، وهي وراء كل قدرة إنسانية، وليس بمقدور، حتى الأسلحة الذرية الفتاكة، أن تساعدهم في تحقيق غاياتهم ومقاصدهم. وكل مواطن توحيدي درزي، يعرف ذلك، ويؤمن بذلك، ويعلم أن قوى الشر، مهما كبرت وقويت، إلا أن قوة العقيدة والإيمان والصمود أقوى منها. وقد ترسخ هذا الشعور وتأصل وثبت وانغرس وقوي في نفوس أبناء التوحيد، في عهد الدعوة الدرزية،  عندما طوردوا ولوحقوا وفُتك بهم في زمن الخليفة المعتدي الظاهر،  ورافق المقاتلين الدروز الشجعان أمام الصليبيين، وأمام المغول والتتار، وأمام العثمانيين، وأمام إبراهيم باشا الوالي العثماني، الذي دعا في القرن السابع عشر، حوالي 500 شيخ ووجيه وزعيم درزي، إلى وليمة، مدعيا الود والصداقة، لكنه غدر بهم، وقضى عليهم كليا، وأبادهم عن بكرة أبيهم.  ولو حدث ذلك اليوم، لأي دولة، تقضي فيها على حكومتها ورؤسائها وقادة جيشها وأعضاء برلمانها وكبار رجال الدين فيها والمسئولين، لحصل بها ارتباك شديد، تخرج منه بعد عشرات السنوات. أما الموحدون الدروز في تلك الفترة، فقد استطاعوا استعادة قواهم حالا، وبرزت، بعونه تعالى، قوى جديدة، حلت مكان الذين غُدر بهم، وأكملت المسيرة.
 واستمر هذا الشعور يلازم الموحدين الدروز، عندما سمم لهم إبراهيم باشا المصري، ابن محمد علي باشا، ينابيع المياه في الجبل في القرن التاسع عشر، ورافقهم في حوادث الستين، وأمام غدر العثمانيين بعد ذلك، وفي الثورة السورية الكبرى، وفي عهد قوى الصراع ضد الشيشكلي، وفي حرب الشوف ضد الكتائب في لبنان، وهو يرافقهم اليوم، أمام سفاحي داعش وغيرها من المنظمات الإسلامية المتطرفة، التي تعبث بالعالم العربي، وتمزق وتهدد الأقليات، ومن بينهم الموحدين الدروز.
 وهنا، لا يسعنا، إلا أن نذكر قصة ذلك الشيخ البطل، الذي حمّل دابته بالذخيرة والمؤن، وتوجه من لبنان إلى جبل الدروز، ليقدم المساعدة إلى إخوانه هناك. وفي الطريق اعترضه جنود إبراهيم باشا، وأوقفوه وسألوه، ماذا يحمل وإلى أين هو متوجه، فقال لهم الحقيقة بدون خوف، فحوله الجنود إلى القائد إبراهيم باشا نفسه، الذي استجوبه أيضا، فقال له نفس الكلمات، ولما قال له إبراهيم باشا، إني أستطيع أن أقتلك وأقضي عليك، أجابه الشيخ بثقة وعنفوان، إنك لا تستطيع أن تفعل معي شيئا دون إرادة الله، فذهل إبراهيم باشا وأوعز لجنوده أن يسمحوا للشيخ بالاستمرار في طريقه...


والله ولي التوفيق.

سميح ناطور
كانون اول
 2016

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.