spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 98
الرياضة الفكرية: من هو ؟؟
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
كلمة فضيلة الشيخ موفق طريف: كل الديانات تنهي عن قتل الابرياء طباعة ارسال لصديق
بقلم فضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف
الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل

بسم الله الرحمن الرحيم
شاركت مؤخرا في مؤتمر عالمي لرجال الدين، بحث في موضوع الكارثة التي أصابت اليهود والآخرين في الحرب العالمية الثانية، وذلك في ندوة عقدت في دولة بولندا، وبالتحديد في معسكر الإبادة أوشفيتس. ولمست أن كل إنسان يصل لهذا المكان، يفاجأ من هول وفظاعة الحقد الإنساني، ويستغرب كيف يمكن للإنسان أن يصل إلى هذه الدرجة من الشراسة والفتك وإزهاق الأرواح، وكيف يمكن أن يفقد البعض الصبغة الإنسانية في وجوده، وأن يخمد العاطفة في قلبه، وأن يأمر بقتل وإبادة الملايين.
 وفي هذا المكان، يستهجن المرء كيف تم نسيان كل القيم والمبادئ والتعاليم والوصايا والمواعظ التي سمعها وتربى عليها كل إنسان في حياته، وكيف ترك الإنسان كل هذه المقومات وراء ظهره، وتحوّل إلى آلة إبادة للبشر. ومهما كانت الأسباب، ومهما كانت الظروف، لا يمكن أن يوجد مبرر يكون بمقدوره أن يفسّر ما حدث، أو أن يفهم كيف وصلوا إلى ذلك.
 وحسنا تفعل الحكومات المعنية، التي تدعو الناس من كل مكان، لزيارة المعسكرات، كي يتعلموا منها درسا لن ينسوه طوال حياتهم، وكي يشاهدوا إلى أي انحطاط، يمكن أن يصل الجنس البشري. وقد كانت الكارثة في الحرب العالمية الأولى، حدثا أبيد فيه عشرات الملايين من بني البشر، وهم عزّل من السلاح، ولأسباب عرقية، وبسبب حقد وأيدولوجيات متطرفة. لكن قُتل في نفس الحرب العالمية الثانية عشرات الملايين من الجنود والسكان في الأعمال العسكرية، التي استغرقت ست سنوات، والتي سبّبت الدمار في المدن والمنشآت والمرافق والمؤسسات، بالإضافة إلى قتل الأبرياء. ويمكن القول، إن هذه الكارثة، كانت أكبر كارثة في التاريخ، وقد سبقتها قبل ذلك، مجازر الحرب العالمية الأولى، والحروب الأخرى التي جرت في العالم، منذ فجر التاريخ حتى اليوم. وعندما ننظر إلى ما بعد هذه الكوارث والحروب، نجد أنه حتى المنتصر والفائز، خسر الكثير نتيجة هذا العراك، وفقد أكثر ما كسب، وأرهق نفسه وغيره، ولم يحقق كل ما ابتغاه.
 وعادة يفكر المرء، أنه يمكن حل كافة القضايا والنزاعات بالوسائل السلمية وبالمفاوضات، لكننا نجد أحيانا، أن الإنسان مع كل حضارته وتقدمه، إلا أنه يستسلم   إلى النزعة الحيوانية المكبوتة فيه. فعندما يوصل نفسه إلى موقع لا رجعة فيه، يقنع شعبه وكل من حوله، أن الطريق الوحيد لحفظ الكرامة والخروج من المآزق التي وصلوا إليها، هي الحرب. وعندها تضطر الشعوب أن تتقبل بمضض الدخول في الحرب وأن تتحمل الإبادة والدمار.
وعندما شاهدت المحارق، ووسائل الإبادة، وصناعة الموت، التي انتهجها أكثر الشعوب تحضرا في وقته، تأسفت أن لا أحد اتعظ، أو فهم العبرة أو الخلاصة، من الحرب العالمية الثانية، شديدة الفظاعة. ولأسفي الشديد، وجدت نفسي مرتبطا بالرغم مني، بنزاع كهذا يستنزف الدماء يوما بعد يوم، ويزهق الأرواح، ويهجّر الناس، وهذا يجري ليس بعيدا عنا، وتقريبا على مرأى في البلدان المجاورة حولنا، وخاصة في سوريا. ولأسفنا الشديد، يقع إخواننا دروز سوريا، في قلب المعركة، ويتحمّلون أعباءها ونتائجها، صابرين، مؤمنين، يتمتعون بالشجاعة والقوة، وهم مستعدون أن يضحوا، وأن يعملوا كل شيء للحفاظ على كيانهم، وعلى كرامتهم.
وهذه الحرب التي فُرضت عليهم، من قِبل عناصر متطرفة، ومن قِبل أوساط لا تهتم بالقيم الإنسانية، ولا بالوصايا الدينية، ولا بالتعاليم والقوانين التي أنزلت من السماء، والتي تدعو إلى المحبة والخير والتفاهم.
 وعندما أفكّر بإخواني، دروز سوريا، الذين ضحّوا في السابق عدة مرّات من أجل استقلال بلادهم، ومن أجل الحفاظ على كيانهم وكرامتهم، عندما أفكر، ماذا يمكن أن يفعلوا في هذا الوضع الذي فُرض عليهم، أشعر بالضيق، لأنني لمست خيبة أمل من الإنسان كإنسان، ومن ادعائه أحيانا، أنه متدين، وأنه مسالم، وأنه بنّاء، فهو يتحوّل في لحظات معينة، إلى وحش غاشم، وإلى أداة هلاك فتّاكة، بحيث لا يمكن إلا التعامل معه بالقوة. وتظل أمامي طريق واحدة فقط ،هي طريق الإيمان والاعتماد على الله سبحانه وتعالى، والدعاء والصلاة والابتهال إلى العلي القدير، أن يحمي إخواننا، وأن يلهم أصحاب القرار، أن يتعالوا على أنفسهم، وأن يضعوا حدا لكل ما يجري، وأن يلجأوا إلى التفاهم والتعاون، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جمهورية سوريا العريقة، التي كانت رائدة في الوحدة وفي الاستقلال  وفي حفظ كرامة الإنسان..  
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.