spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 10
المقداد بن الأسود الكندي
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
آثار الطلاق وأخطاره طباعة ارسال لصديق
بقلم  المحامي كميل ملّا
المدير العامّ للمحاكم الدّينيّة الدّرزيّة

لا يحرم مذهب التوحيد الطلاق، لكنه لا يفرط في قدسية الزواج، الذي وصفه القرآن بالميثاق الغليظ.  وقد وضع مذهب التوحيد في طريق الطلاق، ما يمكن تسميته بالقيود والعراقيل، والتي لا يستطيع أن يتجاوزها إلا المصرّ على ذلك. وهدف مذهب التوحيد هو الحد من وقوع الطلاق، والحيلولة دون تمزق العائلة وتفككها، مما  يؤدي الى تدهور مؤسسة الأسرة، وما ينتج عن هذا التدهور، من مشاكل اجتماعية ونفسية وأخلاقية خطيرة.  يتم الطلاق، لدى الطوائف الأخرى أحيانا، لأسباب تافهة جدا، ومبررات الطلاق في هذه الايام كثيرة، وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على عدم وجود احترام لمؤسسة العائلة.
نستطيع تفادي الطلاق قبل الزواج، من خلال حسن الاختيار، وبعد الزواج من خلال الاحترام المتبادل والتفاهم والقناعة بشريك الحياة وغير ذلك. ولكن عندما نستنتج ان الأمور التي من أجلها شرع الزواج لا تتحقق، ويتعذر أو يتعسر الاستمرار، حيث يكتشف الزوجان، أو أحدهما أنه أخطأ في اختيار الآخر، وأن هذا الزواج انقلب إلى مصدر للشقاء والتعاسة، بدلاً من أن يكون منهلاً للهناء والراحة، وأن بقاء الزوجيّة غدا مضرّاً وأنه لا يمكن لأحدهما الاستمرار مع الآخر، لما فيه من طباع وسلوك لا تتغير، أو للعجز عن القيام بالحقوق الزوجية، فيصبح الزواج لا معنى له، لعدم توفر أسباب السعادة والاستقرار، وفي حالة فشلت جميع المحاولات، وأخفقت كل المساعي التي بذلها الزوجان وغيرهما، وأصبحت حياتهما  جحيماً لا محالة، تجر من ورائها انواعاً من الجرائم والمفاسد على البيت والاسرة،  في مثل هذه الحالة،  لا مناص من "الطلاق"، وهو أبغض انواع الحلال: " فإِمساك بمعروف او تسريح بإِحسان"، "وإِنْ يتفرقا يُغنِ الله كلا من سعته وكان الله واسعاً حكيماً ".
وفي هذه الحالة الصعبة من حياة الزوجين، فقد شرَّع دين التوحيد الطلاق، حيث لا علاج غيره، لوضع  حد  لأخطار قد تؤدي إلى هدم الاسرة بكاملها، لو بقي الزوجان في بيت انحرف صاحباه عن انسانيتهما السامية المحددة بالآية: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (الروم/21).
  وقد أجريت دراسات كثيرة وبحوث  عميقة  تتحدث عن مساوئ الطلاق وآثاره السلبية على الأسرة والمجتمع، وبرزت النتائج حول تأثيره وآثاره، التي تعود على كل من الرجل، المرأة، الاولاد والمجــــــتمع بشكل عام. فالمعاناة يشعر بها جميع افراد العائلة، ومجمل الاضطرابات النَّاتجة عن الطلاق يترك أثرًا  سلبياً،  ولا سيما من الناحية  النفسية على جميع الأطراف. وأول السلبيات هو  تغيير الوضع الاجتماعي من متزوج او متزوجة إلى وضع مطلق او مطلقة. اي أن الطلاق، ربما يسبب في بعض الاحيان الى تغير نظرة الناس إلى المطلقين، فيخسران الكثير من الاقارب والمعارف، ويعانيان ويقاسيان من الوحدة، ويتحملان تعليقات اللوم ،الفشل والخيْبة في الحياة الزوجية.  وفي العديد من الحالات، يمثل التفريق تحطيمًا لحياة الزوجين واولادهما أيضا، والتأثير الأكبر يكون على الأبناء و نفسيتهم، لما يشعرون به من ارتباك، تردُّد واضطراب حول ما حدث بين الوالدين. ولهذا الوضع  اثر وانفعال نفسي وسلوكي، من الممكن أن يؤدي إلى تأثيرات نفسية، سلبية نتيجة لافتراق الاب عن الام ،ووقوع الأولاد في وضع عائلي جديد  له تأثير على التحصيل العلمي والروابط الاجتماعية والعلاقات مع المعارف والاقرباء والجيران.  فتكثر التصرفات العصبية لديهم  وتزداد المنازعات والخلافات داخل الاسرة  بكل أفرادها.، ولذلك، من الاصح والأنسب، التركيز وجمع الفكر وحصره على العناية والاهتمام بالأولاد، ومساعدتهم على التعامل بشكل صحيح ومعقول في حال حدوث التفريق. ان للتفريق حصيلة ونتائج اجتماعيه ونفسية خطيره على العائلة والمجتمع بشكل عام، ومنها امكانية  خروجُ فرد او أكثر من افراد العائلة عن الوضع الطَبيعي لِلحياة الاجتماعية، وربما تشرد الأولاد، بسبب فقدانهم الأسس والركائز التي كانوا يعتمدون عليها، والتي كانت تبنى بمساعدتها حياة الصغير المتزنة.  وان لم يفقدوا الركيزتين معا، يبقى الصغار يعانون من نقص لا يمكن تعويضه في حياتهم، وهو فقدان العيش في كنف الوالدين، وفي بيت تغمره المودة والسعادة والسرور. ولا ننسى حصيلته النفسية السلبية على كل من الزوجين المطلقين، وعلى المقربين منهم.

آثار الطلاق على الرجل:
يتأثر الرجل بالفرقة والانفصال، وهو لا يكون زوجا سعيداً او يحظى بشعور البهجة والارتياح النفسي وهو يرى عائلته تضعف وتذبل وتدخل مرحلة تتزعزع فيها وتضطرب، فإلى جانب فقدانه لزوجته ام أولاده، يشعر أنه يفقد سعادته مع أبنائه ، والتفريق قد يصيب الرجل من الناحية النفسية والعاطفية والمالية. وهناك آثار كثيرة اجتماعية ونفسية تقع على الرجل المطلق، منها الاذى والمضايقات التي يعانيها، من كثرة تبعات الطلاق المالية، كالتعويض عن العطل، والضرر والمهر المؤخر، ونفقة العدة، ونفقة حضانة الأولاد، وتجزئة الاملاك بينهما، الأمر الذي سينعكس أيضاً في المستقبل على الزوجة الثانية وأولادها، من حيث وجود الديون والأعباء المالية عليه الناتجة عن التفريق الاول، فبعد حدوث التفريق يترتب على المطلق أعباء وتكاليف ومنها  المالية وهذه المبالغ يجب أن يدفعها مما يؤدي إلى زيادة همومه وكثرة تفكيره في كيفية جمع هذه الأموال اللازمة. وقد يصاب المطلق بالاكتئاب والانعزال والشعور باليأس والعجز نتيجة للفشل في تحقيق هدفٍ كان يُرجى تحقيقه، وتسيطر على تفكيره الشكوك والأفكار السلبية، يصاحبها اتجاه نحو العزلة وهبوط في القدرات الذهنيّة، بمعنى آخر تصبح أفكاره لا تتسم بالثبات بل هو فِي تَقلبٍ وتَبدلٍ وتغيرٍ دائمٍ وتضارب، وتصبح أحكامه عديمة الرصانة، ولا يَستقرُ على رأْيٍ، ويصبح كثيرُ التَّرَدد والتأَرجحُ، وعدم الثبات على رأيٍ مُعينٍ ، وعدم التشوق إِلى رُؤية أَصدقائهِ او اقاربه. كما أنه يدخل في مرحلة الاكتئاب وفقدان التوازن الاجتماعي، وحياة ليس فيها اسْتقرار واطمِئنان وهُدوء وثُبوت وسُكون، ويبقى يشوبه قلق من فكرة فشل زواج آخر، أو الشعور بأنه رجل غير مرغوب فيه.

آثار الطلاق على المرأة:
قد تعاني المرأة من ألم الفرقة ونظرة المجتمع لها، والتفريق قد يسبب للمرأة الشقاء، الكرب والتعاسة، واحيانًا وهي في مقتبل العمر وصغيرة السن، خصوصًا اذا كان لديها اطفال صغار، فأن بقي أبناؤها مع طليقها، فستكون هي مشغولة الذهن عليهم ومرفوع عنها اللوم في ذلك. وقد تعتبر المرأة المطلقة في بعض الاحيان مدانة، خصوصًا لدى المجتمعات الاكثر تمسكًا بالعادات والتقاليد. والمطلقة قد تبقى حاملة جراحها وآلامها لفترة زمنية طويلة. وفي العديد من الحالات يحاصر المجتمع المطلقة بنظرة فيها الريبة والشك في سلوكها وتصرفاتها، مما تشعر معه بالإثم او الجرم والفشل في بناء اسرة سعيدة وخيبة الأمل والإحباط مما يزيدها تعقيداً ويؤخر تكيفها مع واقعها الحالي. فرجوعها إلى أهلها بعد أن ظنوا أنهم ستروها بزواجها وصدمتهم بعودتها، هو أمر صعب. وفي العديد من الحالات قد يحاولون التملص من مسئولية تربية اولادها الصغار، مما يرغم الأم في كثير من الأحيان، على التخلي عن حقها في رعايتهم، إذا لم تكن عاملة أو ليس لها مصدر رزق كافٍ، لأن ذلك يثقل كاهلها، ويزيد معاناتها، أما إذا كانت عاملة أو حاملة لأفكار تحررية، تتحدث عنها ألسنة السوء وتكون المراقبة أشد وأكثر. وأبرز ما يفعله هذا التغيير الاجتماعي الأسري (التفريق) على الزوجة هو تدهور الحالة الاقتصادية، وزيادة الأعباء المادية المالية على المرأة المطلقة، مما يجعلها من أكثر الفرقاء تضررا، وهذا  يؤدي إلى انخفاض في مستوى المعيشة الذي تعودته. تعاني المرأة بعد التفريق، بغض النظر عن الأسباب التي أدت إلى الفرقة، من الشعور بخيبة الأمل والظلم والشعور بالحزن واليأس والعجز نتيجة للفشل في تحقيق هدفٍ كان يُرجى تحقيقه، وقد تصل للإحساس بالضياع، وقد تصاب بحالة نفسيّة، تجعلها تفكر أن اليأس والخوف هم مصيرها في المستقبل والنّظر إلى الأمور من الوجهة السيئة، والاعتقاد أنّ كلَّ شيء يسير على غير ما يُرام .

آثار الطلاق على الأبناء:
ينعكس تفكك الأسرة  نتيجة الطلاق، أيضاً على الأولاد، ويُعد التفريق سببا مباشرًا في فقد الصغير للثقة بنفسه، حيث نجده يشعر بالنقص. وقد يدفعه هذا الشعور لبعض التصرفات غير اللائقة وغير المقبولة وربما احتراف مهن مرفوضة، ليأتي انفصال الوالدين ليأثر أولاً على الدراسة وعلى تحصيله العلمي وبعد ذلك على السلوكيات والاتجاهات المختلفة في تصرف الأولاد. يشبه المختصون النفسيون  الولد الصغير بالإسفنج الذي يمتص أي سلوك وأي تصرف يصدر من أفراد العائلة.  فالعائلة هي المنبع الأول للصغير في مجال النمو النفسي والعقلي، وفيما يصدر عن الوالدين من تصرفات سلوكية أخلاقية، تكون الأسرة منبعها، ويؤثر ذلك أكثر شيء على الاولاد صغار السن، وتتمثل الآثار الناتجة عن التفريق  في عدة أمور منها، الضرر الواقع على الأولاد في بعد الأب عن  الإشراف والاطلاع، في حالة وضع الحضانة لدى الأم. وفي البعد عن حنان الأم، إن كانت الحضانة لدى الأب، أي عدم الرعاية والاطلاع على الأولاد من قبل الوالدين وتفكك العائلة، ربما يعطي مجالاً لهم في انتهاج حياة تسكعٍ  وخروجُ عن الوضع الطَبِيعِي لِلحياةِ الاجتماعية التربوية المألوفة. لأن الصدمة بعد تفكك اسرتهم وانفصال والديهم بالتفريق  تمس بمصلحتهم بعد فقدان معاني الشعور بالأمن والحماية والاستقرار. فقد اصبحوا ضحية صراعات بين والديهم، سيما حين يتصارع كلٌ منهما، حول  محاولة جذب الصغار الى جانبه، حتى لو أدى ذلك إلى عملية  تغيير وتحريف او تشويه سمعة وصورة الطرف الآخر، وربما محاولة تشويه وجه الحقيقة، بمعنى ان أحد الطرفين أخفى الحقيقة وطمسها وغيَّر من وجه استقامة الطرف الآخر وأورده بغير أمانة أمام الابن او البنت. فيعيش الصغير بمرارة هذه الصراعات بين والديه، مما يفقده الاطمئنان والامان والثقة بهما، ويجعله يفكر في البحث عن عالم آخر جديد للعيش فيه، قد يعوضه عن عطف ورحمة والديه.

 يعتبر موضوع ايجاد الحلول للخلافات والاختلافات بين الأزواج، من اصعب التحديات. وما ينطبق على حالة معينة، لا ينطبق على أخرى، ولكن يجب علينا جميعًا، ان نبذل الجهد الوافر في محاولات اصلاح ذات البين بين الازواج المتنازعة، وليكون سعياً حثيثاً جدَّياً وبإخلاص، للتوفيق وإعادة الحياة الزوجية الى نصابها، والبحث عن طرق وسبل اخرى بناءه، من اجل ايجاد حل أفضل لمستقبل يضمن الاستقرار والمحافظة على الأسرة ويمنع تفككها. 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.