spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 114
الدروز والجزار
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
قصة: أموات.. فوق الأرض طباعة ارسال لصديق
قصة بقلم الكاتب سهيل الشعار

ما حدث بعد وفاته، كان أكثر ألماً، وأشّد فظاعة! وفاتهُ كانت طبيعية..‏
مرض مرضاً شديداً، ثُم أصابه فجأة نزيف حاد.. تسنّى لنا رؤيته لعدّة ساعات قبل مغادرته لهذا العالم..‏
وهو على فراش الموت، لم يخطر في ذهن أحد منّا أن نسأله إذا كان يُخفي أي شيء عنّا ويريد إعلامنا به، ودلّنا عليه.‏
وبالمقابل.. ظلّ صامتاً، يتأمّلُ وجُوهنا وتدمع عيناه، حزناً على نفسه أم علينا!؟..‏
كان في صمته ضجيجاً رهيباً، يملأ نفوسنا بالذُّعر والكآبة، وهو على فراش الموت، بَقي محتفظاً بتلك النظرات القاسية، وبتلك الابتسامة الجامدة كالصخر، نظراته وتحديقه بنا، ودموعه المالحة المتكوّرة داخل عينيه العسليتين، كل ذلك كان يوحي بالشفقة علينا، وبفظاعة ما ينتظرنا من أيامٍ سود.‏
وصيته كانت غريبة، وبسيطة في آنٍ:‏
أن نُلبسه تلك البدلة العسكرية القديمة، التي رافقته طيلة خدمته على الجبهة.‏
ـ 2 ـ‏
كان والدي حريصاً على قطعة الأرض التي ورثها عن أبيه، وظلّ يحلم في حياته المضطربة، أن يعود ذات يوم إليها، يزرعها ويشجّرها بالزيتون والتفاح، ويبني فيها بيتاً متواضعاً من الطين.. ويعتزل هناك برفقة كتب الجاحظ والمعري وأفلاطون وسقراط.. وديوان المتنبيّ..‏
وحين أنهى خدمته وعاد، حقّق ربع حلمه..‏
حرث الأرض وزرعها ببعض الشجرات وأحاطها بسياجٍ يحميها من قدم طائشة أو حمار هائج.‏
لجأنا إلى مساعدته على مضض.. فكان في بعض الأحيان يشعر بتذّمرنا، فيطلب منّا العودة إلى المنزل، قبل أن يفقد أعصابه ويزعجنا بكلامه..‏
هذا الوضع لم يُعجب أخوتي، ولم يُعجبني، فالأرض غالية، وبيعها سيضمن لنا مستقبلاً مقبولاً هناك في المدينة، حيث النساء، والتسكع في الليل.. واللعب بكل شيء، وعلى كلِّ شيء..‏
ـ 3 ـ‏
لم يَدُم انتظارُنا طويلاً..‏
ففي بداية الشهر السابع لوفاة العسكري القديم، والفلاح الذي لم يحقّق سوى رُبع حُلِمه.. عرضنا الأرض للبيع..‏
والدتي كان موقفها واضحاً:‏
رفضت بلطفٍ في البداية، ثم أصرّت على الرفض بقسوة. تركنَاها شهراً آخر.. وعُدنا إليها هذه المرة بأفكارٍ كبيرةٍ، أوحت لنا أنَّها اقتنعت، ووافقت على ما كُنّا نَنوِي القيام به.‏
اتفقنا سرّاً مع أحدِ تجار المدينة، والذي يملك في ضيعتنا نصف أراضيها..‏
وقبل اليوم الموعود للبيع: بحثنا عن أوراق الأرض، سند التمليك، ورخصة البيع، فلم نجدها.‏
أمي رفضت إعلا منا بمكان وجودها، لكنها، وتحت إصرارنا وتهديدها بأننا سوف نترُكها وحيدة ونذهب.. اعترفت لنا.‏
كان حديثها يشبه من يتحدّث عن حلمٍ رآهُ.. وهاهو يستيقظ منه في هذه اللحظات..‏
لم نصدّق..؟!‏
هل يُعقل ذلك!!؟‏
أحنت أمي رأسَها وبكت..‏
كأنّها لم تكن لتصدّق أنها ستصل حياتها معنا بعد وفاة والدي، إلى ما وصلت إليه.‏
رفعت رأسها وراحت تتأملّنا، فلمعت في أعيننا بياض فوطتها الطويلة وهي تموج كشرشفٍ من الثلج تحت ضوء قنديلنا القديم المعلّق فوق الجدار منذ ولادتنا.‏
ـ 4 ـ‏
إنها الواحدة والنصف من ليل تموز..‏
وقد عزمنا أمرَنا على متابعة تنفيذ نوايانا..‏
كانت والدتي نائمة، أطفأ أحدُنا ضوءَ القنديل، ثم أغلق الباب، ولحق بنا..‏
في باحة الدار ماءت القطة الكبيرة التي كانت ترافق والدي إلى الفرن، وإلى الأرض المزروعة، وإلى زيارة الجيران.. ماءت بصوت لم نعهده من قبل..‏
خفنا أن تستيقظ أمي، فرماها أخي الصغير بحجرٍ كاد أن يقتلها لو أصابها..‏
ـ ملعونَة الوالدين.. حتى أنت!‏
تابعنا طريقنا..‏
المهمةُ كبيرةٌ، لكنها مُخزيةٌ ومحرجةٌ إذا حدثَ ورآنا أحدٌ ما..‏
كان للمقبرة عدّةُ طُرقٍ مختصرةٍ للوصول إليها، فاخترنا أطولها ليكون الوقت متأخراً، ومناسباً أكثر.‏
شكّكَ أحدٌ أخوتي بكلام الوالدة، وقال الآخر: إنها فعلت ذلك لعلّنا نرتعد ونُبعد الفكرة عن رؤوسنا.. لكن عزمنا على تنفيذ مآربنا جعلنا نُسرع في خطواتنا أكثر..‏
كان باب المقبرة شبه مفتوح، وحين دفعناه أصدر صوتاً يشبه أنين رجل يموت، مشينا بين القبور.. ثم عرف أحدنا قبر والدي وأشار إليه، فاقتربنا جميعاً منه، لكن فجأة ذُعرنا حين قفزت قطتنا الكبيرة من خلف القبر وماءت بصوت مرعب مريع.‏
جلس أحد أخوتي فوق حجرٍ وبدأ يبكي.. بينما راح أخي الصغير يُطارد القطة اللئيمة بين القبور..‏
وتناهى إلى أسماعنا صوتها بعد قليل وهي تُخنق وتموء مستنجدةً..‏
عاد أخي، رفعها من ذيلها ولوّح بها فوق رأسه ثم رماها بعيداً.‏
لم يسأله أحدٌ لماذا فعل ذلك، بل اقتربنا من أخي الجالس فوق الحجر وساعدناه على الوقوف.‏
اقترب الأخ الكبيرُ ليفتح باب القبر فخطونا لنساعده..‏
مددنا أيدينا ورحنا نعبث محاولين خلع باب القبر..وفجأة اشتعلت الدنيا من حولنا، ارتجف الدمُ في عروقنا والتهب وبدأ يحرقنا..‏
دوّى طلقٌ آخرٌ في الفضاء..‏
التفتنا مرعُوبينَ..‏
كانت تقفُ خلفنا، بفوطتيها التي اشتدّ بياضُها في تلك اللحظات والتمع بعنادٍ في أعيننا.. صُوّبت بندقية والدي نحونا، وكانت إرادتُها في هذه المرة جبارة، وثائرة، ومستعدةٌ أن تقتلنا، واحداً تلو الآخر، إذا نحنُ مضينا في فعلتنا....!!.‏   



الكاتب سهيل الشعار
كاتب قصة سوري ولد في لبنان عام 1972.
امضى طفولته وشبابه حيث تلقى تعليمه في مدينة صلخد التابعة لمحافظة السويداء السورية، حيث وصفها ووصف دور والدته في تكوينه الأدبي قائلاً: (اشكر الشجرة التي ألهمتني الإبداع والتي لولاها لما كنت بينكم ألا وهي أمي التي منحتني الحنان والعطف، وأشكر بلدتي الحبيبة "صلخد" التي عشت فيها، وأنا ممتن كثيراً لها لما لي فيها من ذكريات أكتب عنها وآخذ منها قصصاً، فهي اللقاء الذي حدث بعد الانتظار، والعطر الذي استخلص من الورود بعد الذبول.
صدقوني كل قصة أكتبها أشعر أنني أكتب وصيتي، كأنني أكتب للمرة الأخيرة في حياتي، إنه وجع الكتابة، وجع تحويل اليأسإلى أمل، والحبر إلى نور، والمخاض إلى ولادة، والموت إلى حياة.)
يذكر أن القاص سهيل الشعار عضو في اتحاد كتاب العرب، حائز جائزة BBC، وجائزة المزرعة لأكثر من مرة، وجائزة د. نبيل طعمة للقصة القصيرة عن مجموعته القصصية (العناكب).وهو معد لبرنامج (حوار الأدباء)، في الإذاعة السورية.
له ست مجموعات قصصية هي:  
1-    أعود بعد الموت- قصص 1996.
2-    اعترافات متسكّع دمشقي – قصص، دار كنعان بيروت 1999.
3-    حب وعصافير - قصص اتحاد الكتاب العرب 2001
4-    ليل المدينة وقصص أخرى - قصص اتحاد الكتاب العرب 2006
5-    الذئب الراكض في المدينة
6-    غابة البلوط
7-    العناكب - اتحاد الكتاب العرب  2009
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.