spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 111
مشروع "عتيديم" עתידים
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
كلمة العدد: يكفي أننا نحن نعرف... طباعة ارسال لصديق
شهدت الطائفة الدرزية في الآونة الأخيرة  الأحداث الصاخبة، مثل التعديات على قرية حضر، والمأساة التي وقعت في قرية جولس، ومضايقات في الجبل،  وفي نفس الوقت احتفلت الطائفة بعيد الأضحى المبارك، وقام المشايخ بعدة زيارات سنوية تقليدية لعدد من المقامات. وما زال موسم الأعراس في أوجه، والمواطن الدرزي يقوم  بكل واجباته، والتزاماته، الاجتماعية والعسكرية والمدنية، كما تعود خلال مئات السنين، دون أن يجري حسابات الربح والخسارة.  فتطلعات الطائفة الدرزية  مبنية دائما على قيمها ومبادئها وتعاليمها،  وهي تعطي وتمنح وتضحي، لأن ذلك من طبيعتها، وليس لمصلحة، أو ربح، أو غاية.    
ونحن نعيش اليوم  في فترة من أصعب الفترات في حياتنا، حيث تنتهش المغريات والمحفّزات بجميع أفراد المجتمع، وتدفعهم إلى الانجراف وراء الملذات، ووراء المتعة، ووراء الحياة السهلة. لكن مجتمعنا التوحيدي، الذي نشأ وتربى على قيم، وعلى عادات، وعلى أصول، وعلى قوانين، وعلى فروض، لا يسمح لنفسه، إلا أن يكون ذلك المجتمع التقي الرفيع الراقي الطاهر، ويحاول أن لا توجد به أي شائبة، فهو، في كل الحالات،  مجتمع يزاول حياته العادية، ساعيا بقدر الإمكان أن يقوم بكل ما يتطلب منه، اتجاه كل مصدر، أو كيان. وعندما ننظر إلى مجتمعنا اليوم في البلاد، نرى أننا بشكل عام، متقيّدون بالقوانين والأصول، وأن مجتمعنا يسير في خطى التقدم والتطور، وأننا نبني ونعمر ونشتغل ونثمر بجهودنا وبعرق جبيننا، وليس باغتصاب أحد أو بانتزاع ملكية أحد، وإنما بما نستحقه، بحق الله، وبما كتبته لنا الأديان والرسل. ونحن، والحمد لله ننعم بالطمأنينة والسلامة والراحة والهدوء والاستقرار، ولا يزعجنا أحد، ولا يطاردنا أحد، ليس لأن هناك من يعطف علينا، وإنما لأننا اشترينا هذا الهدوء بدمائنا، وإخلاصنا، ومواقفنا الصحيحة المشرفة، بفضل شخصيات خالدة، مثل فضيلة سيدنا المرحوم الشيخ أمين طريف، والمرحومين المشايخ جبر معدي، صالح خنيفس، لبيب أبو ركن، حسين عليان وغيرهم كثيرون، رحمهم الله جميعا، الذين كانت لهم رؤيا بعيدة وتفكير صائب، كما لا يسعنا إلا أن نحيي زعماءنا الموجودين على قيد الحياة، وكانوا شركاء في حينه لهذا القرار، وفي مقدمتهم العم أبو لطفي أمل نصر الدين، الذي ساهم بأعماله ومواقفه في توثيق علاقتنا بالدولة، وكان من الذين جعلونا شركاء في بنائها وفي حمايتها.
وفي الحياة الصاخبة التي نعيشها، لا بد أن يقع هنا أو هناك حدث صغير، فيه بعض المس أو الخلل، لكن لا أهمية له، لأن الأغلبية الساحقة من الدروز متقيّدة بالأصول والدين والقوانين. ومما يزيد من شكرنا وتقديرنا لمجتمعنا، أن الأغلبية الساحقة من أبنائنا وبناتنا، يعيشون في ظل المتدينين بينهم، ويسكنون قريبا منهم، وتصلهم فقط بعض الشذرات الدينية، لكنهم يحافظون على دينهم، وعلى عقيدتهم، وعلى إيمانهم، ويستميتون من أجل ذلك، وهم مستعدون أن يضحوا بالغالي والثمين من أجل بقاء واستمرار التوحيد إلى الأبد. وكل إنسان يسير على وجه الأرض من أبناء الموحدين، هو موحد بالقوة، ولديه القابلية في أي لحظة، أن يتحوّل إلى متدين، وتظل طبيعته الشريفة قائمة ومستمرة حتى يأتي الأوان، وتنضج الثمرة، ويدخل إلى أبواب الخلوة من أكبر مصراعيها.
إن مئات الإخوان والأخوات، الذين يتهافتون على الخلوات في ليالي العشر المباركة، يثبت لنا أن الطائفة التوحيدية تحافظ على مكانها ومنزلتها عند الله، سبحانه وتعالى، وأنه مهما كثرت المغريات حولها، ومهما حصلت ضغوطات عليها، فإن هذا يزيدها صلابة وصمودا وتقوى وإيمان بطريقها ومسلكها، وبما خصصه لها الله العلي القدير من مكان في هذا العالم وفي العوالم الأخرى.
وأود أن أقول للشباب المتدينين، وغير المتدينين، إن أجواء ليالي العشر المباركة، والوجوه الكريمة التي نجلس في ظلها، تكسبنا الشعور بالسمو الروحاني، وبالتحليق في سماوات التقوى، والمشاهدة، وصفاء الإيمان، نصلي للأنبياء ونذكر الأولياء والصالحين، أقول للإخوان والأخوات، تخيلوا أنكم موجودون في الجنة، تنعمون بالمشاهدة، وبرؤية الجهابذة والأساطين الذين نذكرهم ونصلي لهم، تتحدثون معهم وتقابلونهم، فأي سعادة أكبر من ذلك وأي نعمة أكثر منها؟
ولكي يتم لكم تحقيق ذلك عليكم فقط، أن تسلكوا طريق الخير، بإخلاص، وأمانة، ونية صافية، وأن تواظبوا، وأن تقوموا بالفرائض، وأن لا تفعلوا المنكر. فتحية لكل من هداه الله، وسلك طريق الدين، وأقول لكل الذين وراء الجدار، إن الخير والإيمان في نفوسكم، وأنتم قد وقّعتم على العهود، وأن الأبواب مفتوحة أمامكم، وعليكم فقط السعي والمبادرة، فأهلا وسهلا بكم.
ونحن محظوظون، أننا ننتمي للطائفة الدرزية، ونؤمن بدين التوحيد، وأنا أرفض كل أولائك الذين يقولون، إن الطائفة الدرزية في وضع سيء، وإنها في تراجع وانهيار. هؤلاء هم قليلو الإيمان، ولا يعرفون شيئا عن جوهر الطائفة وعظمتها. نعم، لدينا مشاكل، ونحن نواجه صعوبات، ولكن امتحان الطائفة، ليس في منع وجود هذه المشاكل، فلا أحد يستطيع أن يضمن أن لا تكون هنا وهناك، أحداث مؤسفة من قبل أفراد، فقدوا اعصابهم في لحظة مأساوية. امتحان الطائفة هو في كيفية احتواء هذا الحدث، ومعالجته، ومنع تفاقم الوضع. والحدث الأخير الذي وقع، لأسفنا الشديد، في قرية  جولس، يثبت لنا، أن للطائفة قيادة حكيمة، استطاعت أن تستوعب ما حصل، وأن تحصره في الدائرة الضيقة اللائقة به،  وأن تسعى للصلح والتفاهم واستمرار الحياة العادية. هنا تكمن قوة الطائفة وعظمتها، ونحن نفتخر اننا ننتمي لهذه النخبة، التي اصطفاها الله، سبحانه وتعالى، ومنحها الحكمة، لأن تمر في سرداب الحياة، بأمان وسلام، حتى تصل إلى الهدف المنشود، الذي يمثله عيد الأضحى المبارك. وعندما نذكر الأضحى والتضحية، يسعدنا أن نقول، إن التضحيات التي قدمتها وتقدمها الطائفة الدرزية، لا مثيل لها في التاريخ، فكل تجمع درزي في سوريا، أو لبنان، أو إسرائيل، قدم وضحى للدولة التي يعيش فيها، أكثر بكثير، مما قدم الاخرون، ولم يحصل إلا على النزر القليل من الحقوق. لكن لا بأس، نحن نعمل، ونضحي، ونقدم، لأننا مخلصون مع انفسنا، ومع من نتعامل معهم، ونحن نقوم بما يمليه علينا ضميرنا، وديننا، وعقائدنا، وليس لمنفعة أو غاية. فمنذ أيام سيدنا شعيب (ع)، إلى أيام سيدنا سلمان الفارسي (ع)، إلى أيام سيدنا الأمير السيد (ق)، إلى أيام الأمير فخر الدين المعني، إلى أيام الشيخ بشير جنبلاط، إلى أيام عطوفة سلطان الأطرش، إلى أيام الزعيم رشيد طليع، إلى أيام الأمير مجيد أرسلان، وإلى أيام مشايخنا وزعمائنا في البلاد، نضحي ونقوم بواجباتنا بسخاء، ونية صافية، واستعداد تام، والله وحده فقط، يعلم ما هو حجم تضحياتنا.
وهنا تحضرنا قصة ذلك الزوج ابن الثمانين الذي أصاب زوجته مرض النسيان فاضطر أن يعالجها في مصح مغلق للعجزة، لكنه اصر أن يقوم بزيارتها كل يوم ليساعدها على الأكل ويهتم بها وهي طبعا لا تعرفه، وتعتقد انه احد العمال. وبعد خمس سنوات سأله أحد المتواجدين في المصح، لماذا تاتي لزيارة زوجتك كل يوم، وهي لا تعرفك. أجاب الزوج بزهو وفخر وثقة: هي لا تعرفني، لكنني أنا أعرفها، واعرف ما فعلت من أجلي..

والله ولي التوفيق.

سميح ناطور
تشرين اول
 2016

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.