spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 94
عائـة نصـر الـدين
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129


 
المرحوم الأستاذ سلمان فلاح طباعة ارسال لصديق

انتقل إلى رحمته تعالى في قرية كفر سميع الدكتور أبو أمين سلمان حمود فلاح، مؤسس ومدير المعارف الدرزية، ومن أقطاب المعارف العربية، وخبير عالمي في التاريخ الدرزي، ومن كبار رجال الصحافة والتربية والتعليم في البلاد، ومحاضر  مطلوب، ومندوب للدولة، ألقيت عليه مهمات كثيرة قام بها بنجاح، ورجل إدارة وتنظيم، وسكرتير لجنة المدراء العامين، وزعيم للطائفة الدرزية، ومن كبار الموظفين من الوسط العربي، وذلك عن عمر يناهز الواحدة وثمانين سنة، قضاها في العمل الدؤوب، وخدمة الطائفة والدولة والمجتمع، في عدة نواح ومجالات. وجرت له جنازة حاشدة في مسقط راسه، شاركت فيها مئات الشخصيات من كافة الأوساط، وفي مقدمتها فضيلة الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية الذي ألقى الكلمة التالية:
 
" بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
كل نفس ذائقة الموت. فسبحان الدائم الباقي الحي الذي لا يموت, سبحانه الواحد الأحد, الفرد ألصمد الذي قدر لكل إنسان أجلا, وأحصى لكل امرئ عملا, وهب لعباده الحياة, ثم حكم عليهم بالفناء والممات, الخالق الجبار, القادر القهار, المُتسرمد بالمجد والبقاء, وتعالى سلطانه بالعظمة والعز والكبرياء, وهو على كل شيء قدير وإليه المرجع والمصير.                                                                                       
شيوخنا الأجلاء والمشيعون الأكارم:   
نقف اليوم, وبحكمٍ من القضاء والقدر خاشعين خاضعين طائعين لعظمة جلال الخالق سبحانه, صاغرين أمام عبرة الموت, لنودع جثمان الفقيد الغالي, الرجل ألمعطاء, المربي الفاضل الدكتور أبو امين سلمان فلاح, الذي كان علما من أعلام الطائفة والمجتمع، بعد أن وافته المنية صبيحة هذا اليوم، وإيمانا منّا بالعقيدة الثابتة، والقدر المرسوم، واليوم المكتوم والمصير المحتوم، فإنه لا يسعنا إلا أن نقف هذا الموقف، خاضعين خاشعين للإرادة الربّانية، متقبلين حكم الله وقضاه بالرضا والتسليم.
 لقد انحدر فقيدنا من بيت توحيدي عريق وأصيل لأبوين كريمين، حيث ولِد وترعرع في هذا البلد الطيب، في هذه القرية العامرة باهلها وسكانها وطوائفها، والتي نشأت بها وعاشت عائلة فقيدنا الغالي، التي أنجبت المتعلمين والمثقفين والقضاة والاطباء والمحامين ورجال المجتمع، والتي ساهمت في رفع مستوى القرية والطائفة والمجتمع العربي في هذه الديار وخارجها، وكان لفقيدنا علاقة خاصة ومميزيه مع سيدنا الشيخ امين طريف حيث كان المرحوم يقدره ويعزه ويعتمد عليه ويستشيره في عدة امور تخص الطائفة.
 
ما مِن شك في أن فقيدنا الغالي، قد نَهَلَ من ينابيع هذه الأجواء العطرة الزاخرة، وتأثر بالقيم والفضائل المُنتشرة حوله، وشق طريقه في مجال العلم والرقي، فكان من أوائل الشباب المتعلمين في الوسط العربي ككل، حيث كان أول طالب عربي في مدرسة الريئالي بحيفا، وكان من أوائل الطلاب العرب في الجامعة العبرية في القدس، وبرز كأحد المثقفين المتعلمين, في وقتٍ كان فيه مجتمعنا ما زال في بداية طريقه.
كان للدكتور أبو أمين سلمان الباع الطويل، في مجالات الأدب، والثقافة، والصحافة، والتعليم، وكافة أنواع الحياة. فقد سخّر إنجازاته العلمية، ووظائفه، من أجل خدمة المجتمع في البلاد، وخاصة الطائفة الدرزية. وفي سنوات الستينات والسبعينات، قام بدور إعلامي هام من أجل الطائفة الدرزية، حيث قام بإلقاء محاضرات عن الطائفة الدرزية، في مئات البلدات والمدن والقرى، حيث كان المجتمع الإسرائيلي، متعطشا أن يعرف عن الطائفة الدرزية.
وبعد حرب الأيام الستة، اعتمدت عليه الدولة، في إدارة شؤون التربية والتعليم في الضفة الغربية، بالإضافة إلى وظيفته مديرا للتعليم الثانوي في الوسط العربي. وفي السبعينات أسس دائرة المعارف الدرزية في وزارة المعارف، فقام مدعومًا بالرئاسة الروحية، وبأعضاء الكنيست، بإقامة جهاز التربية والتعليم في الوسط الدرزي، ففتح المدارس الابتدائية، والمدراس الثانوية والمراكز الجماهرية، في القرى الدرزية، حتى الصغيرة منها، وبذلك قطع شوطا كبيرا ونهض بالتربية والتعليم عاليا.
 وقد تولى لسنوات عدة وظيفة سكرتير لجنة المدراء العامين للشؤون الدرزية، التي نهضت بالقرى الدرزية عمرانيا وثقافيا وإداريا إلى الأمام. وشدّد الدكتور سلمان فلاح على دراسة وتعليم التراث الدرزي، والآداب التوحيدية، بالتنسيق مع الرئاسة الروحية، وانتهج أسبوع التراث الدرزي، الذي كان شعلة ثقافية منيرة في سماء الطائفة. كما أصدر العشرات من الكتب والمؤلفات والبحوث عن الطائفة الدرزية، وكان مرجعا معتمدا في كل ما يتعلق بالتاريخ التوحيدي.
إنّ مساهمة فقيدنا الغالي لم تقتصر على المجتمع العربيّ والدرزيّ، بل على صعيد الدولة عامّةً، حيث مثّلها في مؤتمرات وبعثات في شتّى أنحاء العالم وكان الوجه الطّيّب والسّفير الأمين لأبناء الأقلية العربية في أيّ دولة أو جامعة زارها.
وفي هذا الموقف المهيب، أتوجه إلى العائلة الكريمة الثاكلة الحزينة لأقول لكم إنكم لستم وحدكم الذين فقدتم هذا الابن البار، لأن فَقدهِ خسارة للجميع وبفقدهِ فقدنا عَلَماً  كنا نفخر بهِ ونعتز، لقد فقدنا أحد الرواد الذين رحلوا وبقيت بصماتهم وآثارهم لتُخلد أسمائهم وتنير دروب الآخرين.
وفي الختام, أتقدم مِن شقيق فقيدنا الغالي سعادة القاضي أبو زايد فارس فلاح ومن نجله الكريم أمين ومن جميع أفراد الأسرة الكريمة، بأحر التعازي القلبية، وابتهل لله سبحانه وتعالى أن يتغمد فقيدنا الراحل برعايته وأن يشمله بعطفه وحنانه، وأساله تعالى العوض بسلامة حضراتكم جميعاً، وأن يلهمنا وإياكم جميل الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون. ".   
بسم الله الرحمن الرحيم
وألقى الأستاذ الشيخ أبو مازن فوزي فلاح الكلمة التالية باسم العائلة:
"حضرات المشايخ الأجلاء، أصحاب العمائم البيضاء، حضرة الشيخ أبو حسن موفق طريف الرئيس الروحي للطائفة التوحيدية وصحبه الكرام.
أيها المشيّعون الكرام:   بقلب يعصره الحزن والأسى أمثل اليوم بين أياديكم وفي أصعب لحظات العمر مؤبّنا ابن عم لي يعزّ عليّ تأبينه وأقول بحق من أوجد الكاف والنون وجعل النون قلما وعلما وأدخل نور الحكمة والتقوى إلى قلب فقيدنا الراحل الذي سمع بأذنيه وقلبه شدو طير التوحيد على أفنان أشجار العرفان وقد زكى نفسه وقلبه وضميره من القرب للحكمة الشريفة التي أشعلت في قلبه النور والمعرفة/ هذه الكلمات التي مدّته بشحنات من الإيمان والعزم والتصميم مكّنته من مقاومة قوى الشيطان وتهذيب شهوات البشر وسط سلطان العقل والإيمان على ما يقوله المؤمن حيث حوى في داخله جميع الصفات الحميدة وقد عُرف فقيدنا بصفاء القلب ولين الطباع وإيثار الآخر على الذات وبمواساة الأهل بالمعروف.
 
نشأ الدكتور سلمان فلاح أبو الأمين في بيت والده الشيخ أبو فارس حمود فلاح، بيت عريق واشتهر سواد أهله بالعلم والفضل والتقوى والاستقامة والمروءة وكان له من محامد بيته الكريم ما دعم مواهبه الفطرية الشريفة من ذكاء النفس وصحة الخلق ولطف الشمائل ولهب العبقرية فإذا هو فوق الكرسيين: كرسي الأدب وكرسي العلم. وكان مفخرة من مفاخر الطائفة والعروبة حيث كنت إذا خبرته ألفيته يعالج بكتاباته علل الأمة بفكر ثاقب ورأي سديد ومدارك واسعة ويصيب منها مكان الداء ويعين مواقع الدواء، وإذا خبرته قاضيا ألفيته القاضي العادل المصلح الذي يحتكم إلى عقله وضميره قبل أن يحتكم إلى المدوّن في كتب الشرع فيجعل من أحكامه قدوة في تقويم الاعوجاج، وإذا خبرته إنسانا ألفيته الإنسان الفاضل الداعي إلى إخوة الناس وإزالة ما بينهم من فوارق مصطنعة التي أوجدها دعاة التفرقة وشأنه في ذلك شأن العباقرة المصلحين الذين يربأون بالإنسان أن يشذ عمّا عرفه الحديث الشريف: "الإنسان أخو الإنسان أحبَّ أم كره"، وإذا خبرته صديقا ألفيته نِعم الصديق، بما يفيض عليك من محبة ولطف وأنس وعذوبة، ورقّة ووداعة، وبما تلقاه فيه من وفاء هو رأس محاضر الإنسان على الإطلاق  حيث قال الشاعر:
 
قد كان للقصاد في أيامه         وكنا وللورادِ أعذب مورد
ولقد ثوى يوما برحمة ربه   في فيه راجت لنا كالمشهد
صلى مؤرخها وبارك قائلا    حيّاك يا من زار قبّة أحمد
وقال أيضا:
يا لابسين حلى التقوى وشارتها الدين بالصدق ليس الدين بالكم
صلوا بباطنكم قبل ظاهركم فالفائزون ذوو التقوى بسرّهم
كونوا أجاويد في قول وفي عمل إن الديانة بالأخلاق والشيّم
وأخيرا بالإصالة عن نفسي وبالنيابة عن عائلتي وأهل قريتي أتقدم بجزيل الشكر والامتنان بأهل قريتنا جميعا على موقفهم معنا في هذا اليوم كما وأشكر من وافانا وحضر وعزّانا بفقيدنا وعقيدنا الراحل الدكتور سلمان فلاح.
جازاكم الله خيرا عنا وأسكن الله الجنة فقيدنا الراحل. ولا أراكم الله مكورها بعزيز إلى أمد بعيد.
وألقى صهر المرحوم المحامي ناهي حمود الكلمة التالية:
" بِسْمِ اللهِ الرَّحمانِ الرَّحيم
قالَ تَعالى في مُحْكَمِ كِتابِهِ في سورَةِ آلِ عِمرانَ: "كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "، وقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ في سورةِ الرَّحمن: "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ"، وقالَ عَزَّ وَجَلَّ في سورَةِ الزُّمَر: "إنكَ مَيِّتٌ وإنَّهُم مَيِّتون .ثُمَّ إِنّكُم يومَ القيامةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمون " صدقَ اللهُ العظيم
أَيُّها المُشَيِّعونَ الكِرامُ. نَشْكُرُ لَكُمْ حُسْنَ عَزائِكُم، وَنُثَمِّنُ غالِيًا مُشارَكَتَكُمْ في الوَداعِ الأَخيرِ لِفَقيدِنا. عَمّي سَلْمان. وَأَسْتَبيحُكُمْ عُذْرًا أَنْ أَغْزُوَ سَمْعَكُمْ بِبَعْضِ ما يُخالِجُني في هذِهِ اللَّحْظَةِ العَصيبَةِ. وَأَنْ أُوَجِّهَ كَلامي لِلْفَقيدِ مُتَحَدِّثًا إِلَيْهِ لِأَتَحَدَّثَ عَنْهُ إِلَيْكُمْ.
عَمي الغالي! عَرَفْتُكَ بِاٌسْمِكَ المَطْبوعِ فَوْقَ غِلافِ كِتابِ التاريخِ مُنْذُ المَرْحَلَةِ الابْتِدائِيّةِ، طالِبًا أَدْرُسُ مَوضوعَ التاريخِ في كِتابٍ أَلَّفْتَهُ أَنْتَ لِيَكونَ عَوْنًا على العِلْمِ وَالهَدْيِ والمَعْرِفَةِ لِكُلِّ طالِبٍ. وَتَنامَتْ مَعْرِفَتي باسْمِكَ في كُلِّ عامٍ قَبْلَ أَنْ أَلْتَقيَكَ فَتَتَكامَلُ مَعْرِفَتي بِهذا الطَّوْدِ الشامِخِ الراسِخِ الذي يُطاوِلُ السحابَ عُلُوًّا وَيَضْرِبُ في الأرضِ أَصالَةً وَتَجَذُّرًا. حَتّى تَعَرَّفْتُ إِلى إِحْدى ثَمَراتِكَ الَّتي عُنِيتَ بِها في بُستانِ مَنْزِلِكَ الكَريمِ، مُتَقَرِّبًا مِنْكَ عَبْرَ مُنى، لِأَكونَ إِلى جانِبِكَ مَسافَةً مِنَ العُمْرِ شاءَ اللهُ أَنْ يُكْرِمَني بِها بِالقُرْبِ مِنْكَ جَسَدًا وَرُوحًا. لِيَزْدادَ في كُلِّ يَوْمِ تَعَلُّقي بِهذا الرَّجُلِ الرَّجُل، عِنْدَ كُلِّ مَوْقِفٍ وَفي كُلِّ لِقاءٍ وَمَعَ كلِّ تَبادُلٍ لِلحَديثِ وَفي كُلِّ لَحْظَةٍ أَسْمَعُ فيها مُصْغِيًا لِما تَكْرُمُ بِهِ ذاتُكَ الرائِعَةُ السّامِيَةُ.
 
عمي الغالي! أَتَحَدَّثُ إِلَيْكَ وَأَتَحَدَّثُ عًنْكَ. أُخاطِبُكَ لِأُخاطِبَ مِنْ خِلالِكَ كُلَّ مَنْ عَرَفَكَ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْكَ. وَأَقولُ لَكَ رَغْمَ المَوْتِ: لَمْ تَمُتْ، وَلَنْ تَموتَ. وسَتَبْقى حَيًّا في قُلوبِنا وَعُقولِنا، نابِضًا بِزَخَمِ هذا الخِضَمِّ الزاخِرِ بالعَطاءِ لِكُلِّ مَنْ تَواصَلَ بِكَ واتَّصَلَ مَعَكَ. لَنْ يَموتَ مَنْ كَرَّسَ حَياتَهُ نَهْجًا لِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ :" اقرأْ * باسمِ رَبِّكَ الذي خَلَقَ " مُطَبِّقًا فَريضَةَ القِراءَةِ والتَّقَصّي والعِلْمِ بِالمُطالَعَةِ والبَحْثِ والتَّنْقيبِ، عَنْ جَوْهَرِ الحَياةِ وَعَنْ كُنْهِ العَقْلِ وَمَضْمونِ المَعارِفِ وَمَكْنُونِ الكَوْنِ. مُمَيِّزًا بَيْنَ زِيفِ المَظْهَرِ وَحَقِيقَةِ الجَوْهَرِ. عاقِلاً لِفَرِيضَةِ القِراءَة " اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الذي عَلَّمَ بالقَلَمِ * علَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَم " سابِقًا إِلى كُلِّ مُتاحٍ مِنَ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ والبَحْثِ عَنِ اليَقينِ. في هذهِ الدُّنيا الزّائِفَةِ وفي هذِهِ الحَياةِ الفانِيَةِ. قاصِدًا ما بَعْدَ الفَناءِ مُتَقَرِّبًا إِلى الخالِقِ غَيْرَ آبِهٍ بالمَخْلوقِ.
 لَنْ يَموتَ مَنْ قَضى عُمْرَهُ باحِثًا مُنَقِّبًا عنْ حَقيقَةِ الوُجودِ، لا عَنْ قِشْرِها المَوْجودِ.
 
 لا يَموتُ مَنْ طَلَبَ العِلْمَ وَلَوْ في الصِّينِ. وَمَنْ تَقَصّى كُنْهَ الحِكْمَةِ، يَنْشُدُ عِلْمًا يُنْتَفَعُ بِهِ، مُعَلِّمًا مُتواضِعًا يُدْرِكُ أَنَّ هذا العُمْرَ مَمَرٌّ يَنْتَهي بانْتِهاءِ الجَسَدِ لِتَسْمُوَ الرُّوحُ بَعْدَهُ مُحَلِّقَةً بِما حَقَّقَتْ إلى عِنْدِ بارِئِها وِخالِقِها، مُتَسامِيَةً عَنْ كُلِّ الجُسورِ الَّتي خلَقَتْها مَحْدُودِيَّةُ عَقْلِ الإِنسانِ.
 لا يَموتُ مَنْ رامَ فَكَّ رُموزِ الحِكْمَةِ عَبْرَ اٌنْتِهاجِ العِلْمِ والفِكْرِ والعَقْلِ في كُلِّ مَنْحًى مِنْ مَناحِي حَياتِهِ.
لا يَموتُ مَنْ طارَدَ مَعارِضَ الكِتابِ يَجُوبُ المَسافاتِ بَحْثًا عَنْ جَديدٍ يُضِيفُهُ إِلى مَعْرِفَتِهِ وَمَعْرِفَةِ البَشَرِ. يَنْفَعُ بِما آتاهُ اللهُ مَخْلوقاتِ اللهِ.
 لا يَموتُ مَن تَعَلَّمَ لُغاتِ الشُّعوبِ لِيَتَمَكَّنَ مِن قِراءَةِ ما وَصَلَتْ إِلَيْهِ مَعارِفُها في البَحْثِ عَنْ حَقيقَةِ الحَياةِ والحِكْمَةِ مِنَ الوُجودِ وَعِبادَةِ الواحِدِ المَعْبُودِ.
وَلا يَموتُ مَنْ تَرَكَ ثَمانينَ كِتابًا تَنْطَوِي كُلُّها عَلى المَعْرِفَةِ واٌسْتِخْلاصِ العِلْمِ إِيمانًا مِنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى " قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ".
عمي الغالي!
لا يَموتُ مَنْ كانَ خَيْرُهُ لِلنّاسِ وَفي النّاسِ.
لا يِموتُ مَنْ أَعادَ طُلابَنا إِلى مَقْعَدِ الدِّراسَةِ عَبْرَ اٌنْتِهاجِ تَدْريسِ التُّراثِ الدُّرْزِيِّ في مَدارِسِنا بَديلًا عَنِ اٌبْتِعادِهِمْ عَنْ صُفوفِ العِلْمِ في حِصَّةِ الدِّينِ. كَأَنّما لا دِينَ لَهُمْ.
وَلَنْ يَموتَ مَنْ أَسَّسَ في مَقْتَبَلِ العُمْرِ وعِنْدَما لَمْ يَكُنْ بَعْدُ قَدْ تَعَدّى عُمْرَ الفِتْيانِ الكَشّافِ الدُّرْزِيِّ.. مُؤَسِّسًا وَبانِيًا لِيَغْرِسَ القِيَمَ الإِنْسانِيَّةَ السامِيَةَ في فِتْيانِنا وَشَبابِنا.
لا يَموتُ مَنْ طَوَّرَ وَقَدَّمَ وَحَسَّنَ وَأَوْجَدَ في كَثيرٍ مِنَ الأَحْيانِ لِأَجْلِ أَبْناءِ جِلْدَتِهِ وَأَبْناءِ طائِفَتِهِ. مُكَرِّسًا هذا الوُجودَ الكَريمَ لَها في كُلِّ مِضْمارٍ.
لا يَموتُ مَنْ حَفِظَ صورَةَ المَرْأَةِ المَعْرُوفِيَّةِ عَنِ التّداوُلِ في بِطاقاتِ الهُوِيَّةِ، حافِظًا سِتْرَها وَمُحافِظًا عَلَيْها، وَمُتَمَشِّيًا مَعَ تَعالِيمِ دِينِها الَّتي تَعْتَزُّ بِهِ وَبِاٌنْتِمائِها إِلَيْهِ.
لا يَموتُ مَنْ لَمْ يَمْدَحْ ذاتَهُ بَيْنَ النّاسِ، لِيَمْدَحَهُ كُلُّ مَنْ عَرَفَهُ مِنَ النّاسِ.
عمي الغالي! لقَدْ كُنْتُ شاهِدًا مَعَكَ في حَياتِكَ عَلى الثَّناءاتِ الَّتي كالَها لَكَ مُحِبُّوكَ عِرْفانًا لِمُؤازَرَتِكَ لَهُمْ في تَجاوُزِ عَقَباتِ الحَياةِ وَصُنوفِ الظُّلْمِ.
 كُنْتُ شاهِدًا مَعَكَ عَلى عِرْفانِهِم الذي لَمْ تَطْلُبْهُ يَوْمًا بَلْ كالُوهُ لَكَ طَواعِيَةً لِما عَرَفُوهُ مِنْ طِيبِ مُعامَلَةٍ وَمِنْ مُناصَرَةٍ لَهُمْ إِبّانَ فَتَراتِ عَمَلِكَ في مُخْتَلِفِ المَجالاتِ.
وَكُنْتَ تَكْبُرُ عِنْدِي وَعِنْدَهُمْ بِتَواضُعِكَ وَتَجاهُلِ عِباراتِ الشُّكْرِ وَتَكْريسِ مَعاني الإِنْسانِيّةِ السّامِيَةِ الرّاقِيَةِ.
أَنَّما سَخَّرَكَ اللهُ لِمِثْلِ هذِهِ الخَدَماتِ وَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ تَطْلُبُ إِلّا مَرْضاتَهُ وَإِنْصافَ مَنْ لا مُنْصِفَ لَهُ مِنْ جَوْرِ الحَياةِ وَظُلْمِ الواقِعِ.
وَسَأَبْقى شاهِدًا لَكَ أَمامَ اللهِ وَالنّاسِ، وَسَيَشْهَدُ لَكَ عَمَلُكَ لا أَقْوالي وَلا أَقْوالُ الآخَرينَ.
سَتَظَلُّ ذِكْراكَ حَيَّةً طّيِّبَةً زَكِيَّةً، لا تَحْتاجُ إِلى تَزْكِيَةٍ مِنْ مَخْلُوقٍ، فَما حاجَةُ نَفْسِكً لِلْمَخْلُوقِ ما دُمْتَ أَفْنَيْتَ عُمْرَكَ في مَرْضاةِ الخالِقِ؟
أَقولُ وَداعًا لِجَسَدِكَ الطّاهِرِ. وَداعًا لِمُرورِكَ المُؤَقَّتِ بَيْنَنا في دُنْيا الفَناءِ. عَلَّ نُفوسَنا تَلْتَقِي عِنْدَ بارِئِها. لِتَكُنْ نَفْسُكَ مُطْمَئِنَّةً راضِيَةً مَرْضِيَّةً. "يا أَيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ اٌرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيًةً مَرْضِيَّةً فَاٌدْخُلِي في عِبادِي وَاٌدْخُلِي جَنَّتِي.
رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ وَسَلامُهُ وَبَرَكاتُهُ. 
 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.