spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 10
هكذا قُضي على الشيشكلي
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129
العدد 128


 
كلمة العدد: الذين لديهم القدرة، أن يروا القوة الكامنة وراء الشمس.. طباعة ارسال لصديق
تألم أحد الأولاد وتعكر مزاجه فترة، لأن والده وعده أن يشتري له ساعة، لكن، وبسبب قصور في الحالة الاقتصادية للعائلة، قام الوالد بكل متطلبات أولاده، وبينهم هذا الابن، وغمرهم بالحب والحنان، ومع هذا تعذر عليه أن يوفر ثمن الساعة التي وعد ابنه بشرائها. وقد قاطع الابن الوالد وتجنبه مدة، إلى أن مر في أحد الأيام بجانب مدرسة،  فرأى أمامها أولادا يلعبون بفرح ومرح وحبور، وبرز من بينهم ولد، يعج نشاطا، وتبدو عليه علامات السعادة والغبطة، يركل الطابة باعتزاز، ويسجل الهدف، فيعانقه أصحابه، ويكتشف صديقنا عن بعيد، أن هذا اللاعب الماهر السعيد، مقطوع اليدين. عندها اتعظ هذا الابن، وحمد ربه، أن يديه سالمتان، وعاد إلى احترام والده وتقديره.
ونحن كطائفة درزية تعيش في هذه البلاد، ننعم، والحمد لله، بالحرية والديموقراطية والمساواة، والمجالات المفتوحة، والانتعاش الاقتصادي، ولا أحد يفرض علينا من نعبد، ومن نؤمن به، ولا أحد يقيّد حرياتنا الفكرية، وتصرفاتنا وأعمالنا. وكل ما هو مطلوب منا، هو احترام القانون، والعمل حسب الأسس الإدارية الصحيحة، والحصول على الموارد والميزانيات، بموجب الأصول المتبعة في دولة منظمة مرتبة، واستغلال كافة الإمكانيات التي توفرها الدولة لجميع مواطنيها، فالجامعات مفتوحة أمام الجميع، والفرص الاقتصادية معروضة بشكل وافر على جانبي الطريق، وهي قابلة لأن يقطفها أي عابر سبيل، إذا اتبع الطرق المخصصة لذلك. ومثلما حدث مع ذلك الصبي في القصة، فهو تنقصه ساعة، وهذا لربما شيء محزن، لكن والده وفر له المأكل والمشرب والمبيت والحماية والانتماء والشعور بالطمأنينة وكل الأشياء الصغيرة التي يحتاج إليها. ولا شك أنه بالإضافة إلى الساعة، تنقصه سيارة فيراري، ولا يضير به أن يحلم بامتلاك قصر في إحدى الضواحي الراقية، أو القيام بجولة حول العالم، ولا نهاية للأحلام والطلبات. وكل هذه الأشياء لا يستطيع والده طبعا أن يوفرها له. وهذا هو حالنا نحن، أبناء الطائفة الدرزية الكرام:
 ان الأغلبية من أبناء الطائفة الدرزية، قانعة راضية بما يتوفر لها، وما استطاعت الحصول عليه، وهي بالطبع تحلم بتحسين أوضاعها، وبالحصول على المزيد، وبتوفير موارد ومصادر أكثر من أجل رفاهيتها. لكنها لا تشعر أنها موجودة في جو خانق، أو انها مهملة، أو مطاردة، أو مسلوبة الحقوق، أو معدومة الكيان، وإنما تحمد الرب وتشكره على ما تنعم به. وهذه الأغلبية، ككل أغلبية، هي عادة صامتة، مشغولة بالعمل والانجاز والتحقيق، ولا تضيع وقتها في البكاء والعويل والصراخ والاستنجاد والتشبث بقش واه مكسور ينحدر نحو الهاوية. هذه الأغلبية الهادئة الوادعة، مهددة دائما من قبل أقلية صاخبة مهووسة، لا تكف عن الصراخ والعويل، لا يقف وراءها أحد، ولا تمثل إلا أفرادا قلائل هامشيين مثلها في المجتمع، لكنها تستغل الديموقراطية، وحرية التعبير، والقوانين المتنورة، لبث السموم، ولترويج الاشاعات، ولتضليل الناس من أجل مصالح ومطامع ومقاصد بعيدة كل البعد، عن مصلحة الطائفة الدرزية، ومصلحة أي فرد من أفرادها. وقد عشنا فترة الستينات والسبعينات وغيرها من القرن الماضي، ونحن، كأغلبية درزية صامتة، مهددون من قبل أقلية شرسة، سليطة اللسان، تدعي الوطنية والمساواة والشرعية والكرامة والشرف، لكن كل هذه الصفات بعيدة عنها بعد الأرض عن السماء. ومع هذا، فقد وضع هؤلاء انفسهم قيمين على شئون الطائفة الدرزية وقضاياها ومسألة تقرير مصيرها. ولو أصغى السكان الدروز في البلاد إلى مطالب ومهاترات هؤلاء لوجدنا أنفسنا، نحن أبناء الطائفة الدرزية، أصحاب العزة والعنفوان، لوجدنا أنفسنا اليوم، نقبع في مخيمات اللاجئين في الدول العربية، وننتظر رحمة وكالة الغوث وغيرها من المؤسسات الدولية. لكن لا يسعنا هنا، إلا أن نشكر قيادتنا الدينية والأهلية عام 1948 الذين فهموا الأوضاع، وكانوا يقظين لما يجري، وعرفوا بالضبط في حينه، ما بدأت تكشف عنه الوثائق السرية التي تحتفظ بها الدول وتنشرها بعد مرور عشرات السنين، والتي يمكن أن تفسر ما جرى عام 1948، وما هو دور كل واحد في الموضوع. وقد وقف قادتنا في حينه بقلوب ثابتة صامدة، وأعلنوا عن موقفهم علنا وأمام الملأ، وبدون وجل أو خوف، متحملين كل المسؤوليات، ولم يتستروا أو يتقوقعوا أو يداهنوا، كما فعل غيرهم، الذين صرحوا أشياء وفعلوا أشياء أخرى.
 نعم، وقف قادتنا ودعموا إقامة دولة إسرائيل، وأعلنوا أمام الجميع، أنهم مواطنون صالحون، يقومون بكل واجباتهم اتجاه الحكم، مثلما فعلوا في كل مكان احترمهم وحافظ على مقدساتهم وحرياتهم. وما فعله زعماء الطائفة الدرزية بحكمة ودراية وبعد نظر عام 1948، قام وفعله الرئيس أنور السادات، والملك حسين، والرئيس ياسر عرفات، بمجيئهم إلى إسرائيل والاعتراف بها. والفرق هو أن الحكام العرب، فعلوا ذلك بعد قتال وحروب وتشريد ودمار، كان كله بالغنى عنه. وقامت دول عربية من بعيد، بتأييد هذه الخطوات ودعمها، لأنها هي الطريقة الأفضل والأصح في التعامل بين الدول، فبالشعارات والأهازيج والقصائد الرنانة، لا تحل المشاكل، وإنما بالعقل والتفكير والواقعية والحفاظ على الأرواح.
ونحن في هذه البلاد، نعتز ونفتخر، أننا أقلية صغيرة من ناحية العدد، لكن تأثيرنا كبير في الدولة، وفي المنطقة. والعالم كله يشهد بذلك، ما عدا بعض صغار النفوس بيننا، الذين لا وزن لهم، ولا أهمية، ولا من يكترث بما يقولون. وقد أثلج صدورنا وجعلنا نشعر بالقوة والمناعة والحصانة،  سماع صوت الأمير طلال أرسلان، أمد الله في عمره، الذي اخترق كل حواجز الصوت، وتخطى كل العقبات، وآمن بقوته وعراقته وبعظمة آبائه وأجداده، واتصل بفضيلة الشيخ موفق طريف، في عيد النبي شعيب  (ع) مباركا ومشجعا وداعما، وهذا يدل على شجاعة وثبات ورؤيا صحيحة لدى الأمير طلال أرسلان، مستمدة من بيت والده المرحوم، الأمير مجيد أرسلان، الذي كان حصنا للدروز في كل المنطقة خلال خمسين سنة.
 
وفي هذا الشهر المبارك، نقوم بزيارتين مباركتين، الأولى لمقام سيدنا أبي إبراهيم (ع) في دالية الكرمل، والثانية لمقام سيدنا بهاء الدين (ع) في بيت جن.  وفي كل زيارة نقوم بها لأي نبي أو ولي، نزداد قوة وإيمانا وثقة وصمودا، وندعو للتفاهم والتعاضد وحفظ الإخوان والمحافظة على الدين والتراث والقيم الروحية التي منحنا إياها ذوو القداسة في ربوعنا، وهم الساهرون على راحتنا وامننا وبقائنا. ونحن نستطيع دائما أن نظل مقتنعين ومطمئنين على سلامتنا وكرامتنا كطائفة توحيدية مسالمة، لا تضر أحدا، ولا تعتدي على أحد، لكنها تهيج كالإعصار، حينما يُعتدى عليها، لأن هناك من يحرسوننا ويحافظون علينا، ولأن الله، سبحانه وتعالى، ييسر لنا وقت الملمات، قيادات حكيمة، منحها القدرة، أن ترى ليس فقط النور الصادر عن الشمس، وإنما أن ترى القوة الكامنة وراء هذا النور... 

وكل عام وأنتم بخير
سميح ناطور

دالية الكرمل
تموز 2016
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.