spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 38
كلمة العدد: الشموخ الدرزي والعنفوان المعروفي والعزة التوحيدية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
التجسير الأسري طباعة ارسال لصديق
بقلم المحامي كميل ملا
مدير المحاكم الدّينيّة الدّرزيّة
قال سبحانه تعالى في كتابه العزيز: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا " صدق الله العظيم. فمن خلال الآية الكريمة نجد ان الله عز وجل يحث على الصلح قبل التفريق والطلاق. وقيل ايضًا "ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فَإِنَ فَصْلَ القضاء يورث بينهم الضغائن" و "ردوا الخصوم إذا كان بينهم قرابة فإنَ فصل القضاء يورث بينهم الشنان"، أي ان الفَصْل بالتجسير خَيْرٌ من الفَصْلِ المُرِّ بالقَضَاءِ المُوَرِّثِ للضَّغَائِن والكراهية. وقال تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}، النساء آية 128، وقال تعالى: {لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْــرُوفٍ أَوْ إِصْلاح بين الناسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}، النساء آية 114، وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّه وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُم وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، الأنفال آية 1، يعتبر الصلح كوسيلة بديلة منهج نبوي قويم، عَمِلَ به، عليه الصلاة والسلام وأخذه عنه الصحابة الكرام حيث اجمعوا على مشروعيته وأهميته. التجسير وسيلة اختيارية، وودية وسرية لحل النزاعات، وتتم عبر تدخل طرف ثالث محايد لحل النزاع، يسمى الوسيط، ويتوفر فيه الحياد وعدم التحيز. ويهدف التجسير إلى مساعدة جميع أطراف النزاع على الوصول إلى حل متفاوض بشأنه وبقبول وموافقة جميع الأطراف المتخاصمة في القضية المطروحة. والتجسير يتيح للأزواج تقييم الأمور والبحث عن مصلحة الأولاد وإيجاد طريق أفضل للمستقبل بالحوار والاحترام المتبادل. ويتوصل الأهل عادة إلى تحديد نقاط الاختلاف والاتفاق وإجراء حوار، فيما بينهم بفضل تدخل الوسيط، حين تحال الدعوى الى مسار التجسير. فيعتبر التجسير سلوكًا متجذرًا في موروثنا الروحي والاجتماعي من حيث الجوهر وإن اختلف الشكل والمظهر، ولا زال سلوكًا محبّبًا للنفس البشرية التي ترفض الآراء والأحكام عليها، لذلك رأى قضاة المحاكم الدّينيّة الدّرزيّة أن المحكمة الدّينيّة تقتضي تنظيم العمل بهذه الوسيلة وتأثيرها من أجل خدمة الفرد ومن أجل الصالح العام. وهي أسلوب من أساليب الحلول البديلة لفض النزاعات، وتقوم على توفير ملتقى للأطراف المتنازعة للاجتماع والحوار وتقريب وجهات النظر بمساعدة أشخاص محايدين وذلك لمحاولة التوصل إلى حل ودّي يقبله أطراف النزاع . يساهم التجسير في إيجاد تواصل بين الاطراف وتفادي النزاعات والمحافظة على الروابط الاجتماعية، وحل الإشكالات بالتراضي والمحافظة على العلاقات السلمية وتُبنّى مهمة التجسير او الوسيط على تسهيل الأمور بين الفرقاء وتتم خارج الدعوى القضائية لخلق روابط جيدة بين افراد العائلة الواحدة . الوسيط: يُفَضَّلْ ان يكون الوسيط صاحب تخصص وتجربة في مجال الوساطة وهو الشخص المحايد الذي يساعد الأطراف على القيام بمفاوضات بنَّاءة، وذلك لتسهيل عملية التواصل ومناقشة حيثيات النزاع وتسهيل الحوار المباشر، لإيجاد حل يناسب الاطراف ويعمل على خلق جو من الاحترام المتبادل لمنح الأطراف الثقة اللازمة لإجراء حوار بنَّاء ومثمر. ويجب أن يكون الوسيط مقبولا على كلا الطرفين في النزاع القائم. يلتزم الوسيط بوجوب كتمان السر المهني ولا يجوز أن تثار ملاحظاته والتصاريح التي يتلقاها أمام المحكمة صاحبة الصلاحية للموضوع المطروح وفي دعوى اخرى إلا باتفاق الأطراف. وأهم مميزات الوسيط العدل بحيث لا يرجح كفة فريق على الفريق الآخر، الحياد، كتمان السر المهني، الإنصات الجيد وله القدرة على التأثير، الاقناع والتواصل السليم والواضح. يجب التأكيد على أنه لا يمكن للمحامي أن يمارس مهامه كمحامٍ ووسيطٍ معًا في ذات الملف، ولكن يمكن اللجوء إلى محامٍ للاستشارة القانونية، لأنه يعتبر أمرًا مفيدًا. إذ يمكن تقديم تلك الاستشارة، التي من شأنها تنوير الفرقاء و بالتالي المساهمة في الوصول إلى حل ينهي النزاع القائم بين الخصوم. الكتمان والمحافظة على سرية اجراءات التسوية بطريقة التجسير: تعتبر وسيلة التجسير فعالة لأنهاء الخصومة، ووضع حد للنزاع القائم بين الاطراف واجراءات التجسير سرية ولا يجوز الاحتجاج بها او بما تم فيها من تنازلات من اطراف النزاع امام اي محكمة او اي جهة كانت كما يجب التذكير بأن القانون يضمن سرية المعلومات المتبادلة خلال عملية التجسير، حيث أن الوسيط نفسه ملزم بحفظ السر المهني، كما أن إطلاع المحكمة على محتوى الشهادات التي تم استقاءها من الأطراف خلال عملية التجسير لا يمكن أن يتم إلا بموافقة اطراف النزاع وعند انتهاء التجسير يعيد الوسيط الى كل طرف ما قدمه اليه من وثائق ومستندات ويمتنع عليه الاحتفاظ بصور عنها تحت طائلة المسؤولية القانونية. اي ان التجسير يجب ان يضمن سرية التعامل بين المتخاصمين وما يتصل بطبيعة الخلاف من معلومات سرية ومَعْرفية، يجب أن تقتصر على فئه محدودة من الاشخاص فقط. المصادقة على قانون التجسير الاجباري في النزاعات العائلية: دفع الوضع القائم العديد من اعضاء البرلمان ومن وزارة العدل ووزارة الرفاه الاجتماعي والعديد من المختصين في مجال الشؤون العائلية وغيرهم، إلى الدراسة والبحث عن آلية جديدة وعن طرق ووسائل بديلة لتسوية المنازعات الاسرية، تسوية ودية تؤدي الى اتفاق من خلال لغة الحوار، على خلاف الاجراءات القضائية التقليدية التي تنهي الفرقة بين الازواج بفائز والآخر خاسر، رغم ان جميع الخلافات الاسرية تعتبر وفي نهاية الامر، خاسرة لجميع الاطراف على حدٍ سواء، فالقاضي يسعى، يجتهد ويحاول اصلاح ذات البين، حين البت في القضية المطروحة امامة ولكن في العديد من الحالات، لا يستطيع ان يختم خلاف الطرفين، بصفة مطلقة بحل يرضي الفريقين معًا. بحيث ان القضاء وبشكل عام يتسم ويوصف بالبطء واحيانًا بالتعقيد، ولسبب ازدياد النزاعات العائلية وارتفاع نسبة الطلاق لدى كافة المجتمعات في البلاد، وليستطيع جهاز القضاء مواكبة هذه الوضعية الاجتماعية والضغوطات القائمة والناتجة من ذلك على جهاز القضاء ومن اجل تقليص فترة المقاضاة وسرعة الحسم في الخلاف والبحث عن آلية ذات كلفة مالية اقل من التقاضي ومن اجل ايجاد وسيلة قد تعود بالمنفعة القصوى ولمصلحة الصغار، فيجب ان تؤخذ هذه المسالة الاخيرة بعين الاعتبار، فالجميع يعلم ان المشاكل الاكثر تعقيدًا للأطفال تسببها الفرقة، وطريقة التجسير تحث الاطراف على الاتفاق والتفاهم وخصوصًا حول مصلحة اطفالهم. في النزاعات العائلية، الأزواج الذين يريدون الحصول على الطلاق سوف يكونون مجبرين قانونيًا، المشاركة في أربع جلسات تجسير بصورة مجانية ودون مقابل وذلك قُبَيْلَ التّوجّه إلى المحاكم الدّينيّة أو محاكم شؤون العائلة والتقاضي امامها، ومن خلال ذلك سوف يحاولون التوصل إلى اتفاقية بشروط مقبولة على الطرفين. لقد صادقت لجنة القضاء والدستور، التابعة للكنيست على تطبيق الانظمة للقانون الجديد الذي قد صادقت عليه الكنيست "قانون تنظيم / تسوية الاحتكام في الخلافات العائلية". وأُعدَّ هذا القانون لمساعدة الازواج في حل النزاع بالاتفاق ولتقليص فترة المقاضاة في المحاكم وسرعة الحسم في الخلاف وذات كلفة مالية أقل من كلفة التقاضي في المحاكم وامكانية بقاء العلاقات ودّية بين الخصوم. بموجب هذ القانون، كلٌ من يرغب في تقديم دعوى في موضوع خلاف عائلي، عليه اولاً تقديم طلب لتسوية النزاع القائم بين الطرفين والمحكمة الدينية او محكمة شؤون العائلة تقوم بإحالة هذا الطلب الى وحدة الاعانة الاجتماعية المتواجدة بجانب تلك المحاكم . وتقوم تلك الوحدة باستدعاء الاطراف للاشتراك في اربع جلسات تجسير اجبارية ويمنع مشاركة وكلاء الاطراف - اذا وجدوا - في هذه اللقاءات، ولكن خلافًا لما هو متبع في الوساطة العادية، لا يمكن وبموجب هذا القانون، لأي طرف رغب في ذلك، الاستعانة بمحام أو بأي خبير خلال التجسير إلا بموافقة وحدة الاستعانة وجميع اطراف النزاع. في اللقاء الاول يتم شرح آلية التجسير ومعرفة البنى الأساسي القضائي في حالة فشل عملية التجسير وكيفية اللجوء بعد ذلك إلى عرض النزاع على المحكمة وليشمل هذا الشرح مستقبل ومدى تأثيره على حياة اولادهم ومن ثم يعملون جاهدين من اجل اصلاح ذات البين او الوصول الى حلٍ وتسويةٍ ترضي كلا الطرفين وتشمل جميع الامور الناتجة عن التفريق – نفقة، حضانة الصغار، تجزئة الاملاك المشتركة والخ.... تحول وحدة الاعانة القضية وتستعين بوسيط محترف بصفته موظف دولة وخصوصًا محام او عامل الرفاه الاجتماعي، من ضمن قائمة الوسطاء المعتمدين لدى مكتب وحدة الدعم الاسرية وليس وسطاء من القطاع الخاص. القاعدة في هذا الصدد انه لا يجوز في هذه الفترة، أي حتى انتهاء اللقاءات الالزامية الاربع، لأي من الطرفين، تقديم دعوى لدى احد المحاكم بهذا الشأن، عدا عن أوامر احترازية او إجراءات مؤقته (סעדים זמניים)، التي تهدف الى المحافظة على الممتلكات المشتركة للزوجين. ويمكن ايضًا الاستمرار في لقاءات اخرى من اجل التوصل الى حل يرضي كلا الطرفين، شريطة دفع الرسوم المستحقة والتي تعتبر بأنها ليست بباهضه الثمن، مع الاخذ بعين الاعتبار بأنه لا يمكن اجبارهم على الاشتراك في جلسات اضافية وإذا ما انتهت مساعي التجسير بالفشل، فباستطاعة الاطراف رفع النزاع للمحكمة للبت في القضية المطروحة. خلاصة: حتى موعد كتابة هذه السطور، لم تتم اقامة وحدات اعانة اجتماعية، بجانب المحاكم الدّينيّة الدّرزيّة، مع الاشارة الى انه ومنذ فترة وجيزة، باشرت وزارة الرفاه الاجتماعي ووزارة العدل، ببناء جهاز او وحدات اعانة اجتماعية، بجانب المحاكم الدّرزيّة والمحاكم الشرعية الاسلامية، كما هو الحال لدى المحاكم الربانية او محاكم شؤون العائلة، واشير الى ان الوضع قد يختلف في العديد من الحالات التي سوف تحال لوحدة الاعانة، مثلاً عندما يكون الطلاق حاصل بين الزوجين، أي ان وقوع الطلاق قد حصل امام ثقات وخارج جدران المحكمة الدينية، ليعتبر طلاقًا معتبرًا وذلك بموجب ما نصت علية المادة 37 من فصل المفارقات في قانون الأحوال الشّخصيّة الدّرزيّة. وهنالك العديد من حالات الطلاق وبنسبة ما يقارب 40%، التي تتم بموجب المادة 42 من فصل المفارقات في قانون الاحوال الشّخصيّة الدّرزيّة، حين يتقدم الاطراف بطلب التفريق بالاتفاق والتراضي مكتوبا ليصادق عليه من هيئة قضاة المحكمة الدّينيّة الدّرزيّة البدائية والذي بموجبه، تكون الحقوق قد سويت بالتراضي بين الفريقين، وبمعنى آخر لقد نجحت محاولات التجسير، قُبيل التوجه للمحكمة الدّينيّة ولا حاجة في هذه الحالة من احالة القضية لوحدة الاعانة الاجتماعية. 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.