spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 87
المنتدى المسيحي - الدرزي الأول
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
المرأة الدرزية في العصر الحديث طباعة ارسال لصديق
بقلم السيدة سهام ناطور (عيسمي)
لقد أنعم الله على مجتمعنا، بأن استطاع ان يحافظ على عاداته وتقاليده ومميزاته خلال ألف سنة. وهذا المجتمع يزخر بالأمور التراثية التي سُكبت ووُضعت ورُسم لها مع بداية الدعوة الدرزية، وأوصي مجتمعنا بأن يحافظ عليها، مع الأخذ بالحسبان أمور التطور والتقدم وملاءمة العصر، لكن يظل الاهتمام بالمحافظة على الجوهر. وقد دُوّن في أعماق كتبنا ورسائلنا، ان للمرأة التوحيدية الدرزية مكانة عريقة في المجتمع، فقد طُلب من الرجل التوحيدي ان يساوي المرأة التوحيدية بنفسه، وأن يمنحها الحقوق التي يجب ان تتمتع بها، حينما تقوم بالواجبات المفروضة عليها. وأكبر مكانة مُنحت للمرأة  في العالم هي للمرأة الدرزية، فقد مُنع بتاتا تعدد الزوجات، ومُنحت، وكان ذلك قبل الف سنة وفي غياهب القرون الوسطى وفي أحلك الأوقات المظلمة في تاريخ البشرية حتى في أوروبا الإقطاعية، منحت المرأة الحق في اختيار شريك حياتها، او في الموافقة على الشريك الذي أخير لها، وكذلك مُنحت الحق في طلب الانفصال عن زوجها، اذا كانت هناك أسباب تدعو لذلك. وقد فرض المجتمع الدرزي على الرجل ان يحارب ويحمي المرأة والأملاد والأسرة، وان يشتغل ويعيل العائلة والبيت. ومنحت المرأة الحق في ان توفر لزوجها كل أسباب الراحة بعد عودته من مكان عمله، وأن تهتم برعاية وتربية وتنشئة الأولاد التنشئة الصحيحة التربوية، التوحيدية المطلوبة. وكما فرض مذهب التوحيد على الرجل ان يتعلم القراءة والكتابة، كي يستطيع ان يقرأ الكتب التوحيدية، فُرض كذلك على المرأة ان تتعلم القراءة والكتابة، كي تستطيع ان تعلم أولادها أصول وقواعد اللغة، وذلك في الأوقات الغابرة، حينما لم تكن المدارس متوفرة في مجتمعنا مثلما لم تكن متوفرة في باقي المجتمعات مثل اليوم.
وقد ظلت هذه المعادلة سائدة، سائرة سارية المفعول، خلال مئات السنين. واستطاع المجتمع التوحيدي ان يحافظ على نفسه على مر التاريخ، بفضل الله سبحانه وتعالى، وبفضل سواعد وشجاعة الرجال، وبفضل إخلاص وعناية وعواطف النساء. وبالرغم من ان المجتمع التوحيدي تعرض لمشاكل ومصاعب ومخاطر كثيرة كبيرة وشنيعة، من قِبل الجيزان ومن قبل السلطة ومن قبل الغزاة، إلا ان هذا التوافق بين واجبات المرأة والرجل كان كفيلا لهذا المجتمع بأن تستمر المسيرة التوحيدية حتى الآن.
وكان المجتمع الدرزي في غالبية الأحيان مغلقا، حيث قبع المواطنون الدروز في رؤوس الجبال وفي الأماكن الحصينة، وهم لا يعتدون على أحد، ولا يسمحون لأحد ان يعتدي عليهم. لكن التطور السريع في الاختراعات والتكنولوجيا وفي عملية ازدهار ورفاهية الإنسان بشكل عام، والتغييرات التي أحدثتها الثورة الصناعية والتقلبات التي تمر فيها المجتمعات العامة، وصلت كذلك للطائفة الدرزية، فانفتحت القرى الدرزية ولم تبق الأمور كما كانت عليه، وكان هذا يتطلب حدوث تغييرات جذرية في السلوكيات والتصرفات لدى كافة عناصر المجتمع. فقد أصابت هذه التغييرات الكبار والشباب والأولاد وكذلك النساء. وقد مر على هذه التحولات أكثر من نصف قرن تقريبا، ووضع القرية اليوم يختلف كليا عن وضع نفس القرية قبل خمسين سنة. ووضع الأسرة الدرزية يختلف كذلك، فقد تبنى المجتمع الدرزي كافة التجديدات والاختراعات واستعملها لرفاهيته، لكن المبنى التقليدي للأسرة لم يتغير كثيرا. فالمتدين الدرزي ظل متدينا، يقوم بكافة واجباته، مع انه يستعمل السيارة والتلفون النقال والانترنت وغير ذلك. والولد الدرزي تعلم كيف يعتمد على الوسائل الحديثة في دروسه وفي شق طريقه نحو المستقبل. والمرأة الدرزية استطاعت ان تحافظ على أسرتها وبيتها، بالرغم من دخول كافة الوسائل الحديثة إلى بيتها، وهي تحاول بقدر الإمكان ان تستعمل الأمور الإيجابية في هذه الثورة الحياتية، وأن تقلل من أضرارها ومساوئها. وما زالت، والحمد لله، الأسرة الدرزية متراصة متكاتفة صامدة في وجه الأخطار الخارجية، التي كانت تهددها في السابق، واليوم استفحلت أخطارها، وزاد تهديدها للمجتمع التوحيدي. لكن المرأة الدرزية التي ما زالت حتى اليوم، هي الحاضنة والداعمة لأبنائها وأسرتها، استطاعت بحكمتها وإيمانها واعتمادها على دينها وعلى تراثها وعلى تقاليدها، ان تحمي كافة أبناء الأسرة من المخاطر المحدقة بهم. والتغيير الوحيد الذي نراه في حياة المرأة الدرزية، هو تكيفها مع الحضارة، ونهلها للعلوم الحديثة، وتهافتها على الدراسة حتى الأكاديمية منها، وخروجها للعمل، لتصبح عنصرا فعّالا ديناميكيا له تأثيره في حياة الأسرة المصغرة والعائلة الكبيرة والمجتمع التوحيدي بأسره.
 ومما يثلج صدورنا، هو ان المجتمع التوحيدي هنا وفي التجمعات الدرزية الأخرى، ما زال يتخذ القرية الدرزية قاعدة وأساسا ومنطلقا ومركزا له. وقليلون جدا هم الذين تركوا القرية وذهبوا إلى المدينة. ومما يسعدنا أيضا، ان العائلات والأسر القليلة التي تركت القرية وسكنت في أماكن أخرى بسبب ظروف العمل، استطاعت ان تحافظ على عراقتها وأصالتها وعلى صبغتها التوحيدية الخاصة، والكثير من تلك الأسر لها بيت في القرية، تعود إليه في العطل والأعياد والمناسبات. ومما يدل على رصانة المجتمع التوحيدي، ان المرأة الدرزية أصبحت عنصرا خلاقا منتجا فعالا، مشغولا في عمله، وفي أداء واجباته، وليس ذلك العنصر المسجون في البيوت، يعاني من الملل والإهمال، والتفكير كيف يتخلص من هذا الوضع. فقد آلت المرأة الدرزية على نفسها، ان تتعلم وأن ترتاد الجامعات وأن تخرج إلى مكان عملها في المدينة أحيانا، ثم تعود لتقوم بواجباتها البيتية اتجاه أسرتها وأولادها ومجتمعها. وقد كان المجتمع التوحيدي منذ ألف سنة منقسما إلى متدينين وغير متدينين، وهو ما زال كذلك حتى اليوم. لكن الفرق ان المرأة الدرزية غير المتدينة، هي امرأة مثقفة متعلمة مؤدبة تستطيع ان تزن الأمور، وأن تواجه كل ما يواجهها بالرزانة والتعقل والتفكير. ومن الظواهر الغربية في العالم ان غبر المتدينين في الطائفة الدرزية من رجال ونساء، هم عادة شديدو التمسك بدرزيتهم وبعاداتهم وبتقاليدهم وبتراثهم، وهم ينقلون الفضائل التوحيدية التي يتعلمونها من خلال مطالعاتهم ودراساتهم إلى أبنائهم وأولادهم. وهكذا زاد المجتمع الدرزي قوة بخروج المرأة إلى ميدان التعليم والعمل. وبما أن التربية والتوعية التوحيدية السائدة في قرانا اليوم هي، والحمد لله، مكثفة ومتوفرة، والمرأة الدرزية تحترم زوجها وبيتها وأسرتها، وتحافظ على نفسها وعلى شرفها وعلى اسمها، وتحاول دائما ان تعمل كل ما فيه الخير والتقدم للمجتمع الذي تعيش فيه.
 ولكي نكون واقعيين، لا بد ان يكون في نطاق هذه الحركة الهائلة للمرأة الدرزية إلى الجامعات، وإلى ميادين العمل، لا بد ان تكون نسبة ضئيلة من الشواذ، ومن بعض التصرفات غير اللائقة هنا وهناك. لكن يمكننا القول أنه عندما نرى ان 80% من طلابنا الجامعيين، هم اليوم من الطالبات، وأن جهاز التربية والتعليم، تقوده سيدات مثقفات حاملات شهادات جامعية عالية، خرجن من بيوت عريقة متدينة محترمة، لا بد ان تكون النتائج في هذه الأوضاع مرضية ومشجعة، وبإمكاننا ان نستوعب بعض الحالات الشاذة التي تواجد مثلها حتى في أصعب الظروف التي عاشت فيها الطائفة الدرزية في السابق.
ويسعدني ان أتوجه إلى أخواتي بنات الطائفة الدرزية التوحيدية في كل مكان، وأبارك نهضتهن الرائعة في الثقافة والتعليم، وادعوهن إلى التمسك بالفضائل التوحيدية، وبالمبادئ المعروفية، وبالمسالك العرفانية، التي أنعم الله علينا بها، وخصصنا بوجودها، ودعانا ان ننتهجها، كي نكوّن مجتمعا راقيا، متطورا، شريفا، مبنيا على العرف، والتقاليد، والأصول التوحيدية النزيهة. وكل عام وأنتن وجميع أبناء الطائفة الدرزية بألف خير.  

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.