spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 105
موسوعة التوحيد الدرزية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129
العدد 128


 
كلمة العدد: القائد والشاعر والكاتب والبروفيسور والطبيب... أمام قضاء الله ومشيئته.. طباعة ارسال لصديق

 

وقف الإمام في خلوة دالية الكرمل الوحيدة آنذاك، في إحدى ليالي الجمعة، في مستهل القرن العشرين، وبشر للحاضرين قائلا: " نحمد الله، سبحانه وتعالى، فقد وصل عدد الرجال في قريتنا، دالية الكرمل، إلى مائة رجل، فاطمئنوا، لأننا نستطيع الآن، بعونه تعالى أن ندافع عن قريتنا ونحميها...". وكانت هذه لحظة زهو واعتزاز وفخر في أوساط سكان القرية القلائل، الذين عانوا من الملاحقة والمطاردة والتعديات، من السلطة ومن الجيران. ومع الوقت كبرت دالية الكرمل، وعاش فيها آلاف الرجال، وهي تزخر اليوم، والحمد لله، بست خلوات، وبعدد كبير من الرجال. وقد كان هذا هو الحال، مع كافة القرى الدرزية في البلاد، وكذلك في سوريا ولبنان، حيث عاش الدروز في قرى صغيرة، وكانت التعديات تنصبّ عليهم من كل حدب وصوب، ولم يكن أمام السكان آنذاك، إلا الاعتماد على الله، سبحانه وتعالى، وعلى سواعد الرجال الأشاوس القلائل، الذين أثبتوا خلال ألف سنة، تضحياتهم وبطولاتهم وحمايتهم لأهاليهم وذويهم. واليوم يبلغ تعداد أبناء الطائفة الدرزية حوالي المليونين. ووضع الطائفة الدرزية، والحمد لله، هو في أحسن ما مرّ على الطائفة حتى الآن، من ناحية أنها تزخر بالرجال الرجال، وفي أعلى المستويات، فمنهم القائد العسكري، والعالم، والسياسي، والوجيه، والطبيب، والشاعر، والمزارع، ورجل الأعمال، وصاحب المهنة، وكل ما يتطلب مجتمع قوي، رصين، راق، يعرف ما له وما عليه، يقظ لأوضاعه وللظروف التي يعيش فيها، ويستطيع دائما أن يدافع عن نفسه، ويستمر في حياته. وقبل عشرات السنين، كانت كل قرية تفتخر بوجود معلم فيها، وكان المعلم يُلقب الأستاذ، وكانت للأستاذ مكانة راقية ورفيعة في القرية، وكانت تقريبا هذه أعلى درجة كان يطمح للوصول إليها شباب القرية. أما اليوم، فقد ارتفعت طموحاتنا كثيرا، ولدينا الوزراء والجنرالات وحاملو لقب بروفيسور وشخصيات مماثلة. والحديث هو عن التجمعات الدرزية كلها، وليس تجمع واحد، وقرانا ومجمعاتنا مليئة بكل ما يتطلبه مجتمع حديث. ونحن نلاحظ أننا صعدنا إلى مركبة التعليم، وبدأنا نولي الثقافة والعلم الأهمية المناسبة، وأخذنا نضحي ونرسل أولادنا وبناتنا إلى الجامعات. ومع أننا لم نصل حتى الآن إلى التشبع، لكننا لا نشتكي، ونحمد الله سبحانه وتعالى، على وجود شخصيات راقية، تقود مجتمعنا وتخدمه، وترفع من كرامته، وتصبح قدوة ونموذجا للأجيال الصاعدة، وللنشء الجديد. ومع أنه ازداد عدد الرجال لدينا، إلا أننا ما زلنا نحسب حساب كل رجل، فنفرح ببلوغه سن الرجولة، ونأسف عند رحيله. وقد كنا نفجع بين الفينة والأخرى، برحيل شخصية مرموقة، فنحزن ونهتز ونبكي ونتحسر ونأسف على فقدان هذه الشخصية، وعلى رحيلها أحيانا ليس في الأوان المناسب حسب رأينا. وما حدث لدينا مؤخرا هنا، هو أننا فقدنا خلال فترة قصيرة، عددا من الشخصيات البارزة، التي كان لها أثر في حياتنا، فارتعدت فرائصنا رهبة من الموت، ووقفنا موقف الذعر واليأس والحيرة، وتعالت فينا تساؤلات غريبة، لماذا وكيف رحلت هذه الشخصيات في غير أوانها، وقبل أن تكمل مشوارها. لقد شاهدنا خمس جنازات محزنة مؤلمة في وقت قصير. فقد صُدمنا بمصرع المرحوم الجنرال منير عمار، وبكينا مع رحيل المرحوم الشاعر سميح القاسم، واستولى علينا الألم لفراق الكاتب سلمان ناطور، وذهلنا مع وصول خبر وفاة البروفيسور نعيم عرايدة، وكدنا لا نصدق عندما بُلّغنا أن الطبيب الدكتور، الشاب أمير عزمي، انتقل فجأة إلى جوار ربه ... ونحن عادة طائفة مؤمنة، ومع كل هذا كثرت لدينا التساؤلات، ورأينا الحيرة في عيون الناس، واستبدّ القلق في بعض الأوساط، وبدأنا نبحث عن جواب عن سرّ الموت، ولماذا يختار الله، سبحانه وتعالى، أناسا ناجحين في ذروة عطائهم، لينقلهم للعالم الآخر. وهنا، نعتصر كل افكارنا، ونراجع كل معلوماتنا، ونفكر بكل ما سمعناه من مشايخنا ومعلمينا وأتقيائنا، ونحاول أن نفسر ما حدث، فنصل إلى نتيجة فيها بعض العزاء والمواساة والرحمة لنا، في تقبل مشيئة الله وقضائه وإرادته، فنقول: إن الله، سبحانه وتعالى، منصف وعادل ورحيم وشفوق على جميع البشر، وقد منح للإنسان، حق الولادة، ومنحه حق الموت. فالموت فريضة على كل إنسان، ولا يمكن أن يهرب منه أحد. لكننا نلاحظ، أن الموت عادة يكون وقعه صعب على المقربين من المتوفى، ومنهم من يستطيع أن يتحمله، ومنهم من لا يستطيع. ومنهم من يحتاج إلى مدة طويلة، كي يستوعب ويستسيغ ما حدث. وتفسيرنا يقول، إن الله سبحانه وتعالى، يصطفي أحيانا شخصيات مميزة معروفة، لها كيان وتأثير في المجتمع كله، فيفجعها بالموت، إما لها، أو لأحد أفراد اسرتها. وهذه الشخصيات المعروفة، يلاقي الموت فيها صدى عند أوساط معروفة ومشهورة، حيث تجري لها الجنازة الكبيرة، ويلاقي الأهل المواساة من أعداد ضخمة من الناس، وتظل هذه الشخصيات في اهتمام المحيط حولها لمدة طويلة، حتى تستطيع أن تتغلب على فاجعة الموت. وهذه الشخصيات البارزة، هي عادة قليلة العدد، أما غالبية الناس، فإنهم من البسطاء، وإذا وقعت فيهم فاجعة الموت، يكون هذا الأمر عليهم أصعب، لأن معارفهم اقل، والحلقات حولهم ضيقة، ولا يلاقون الاهتمام الكافي، مثلما يلاقيه المشهورون في المجتمع. والله سبحانه وتعالى، ولكونه عادلا، فإنه يهتم بالعائلات البسيطة المتواضعة، بحيث يجعل هذه العائلات، تنظر إلى الشخصيات النافذة الكبيرة، التي أصابها الموت، وتتعزى وتقول، بأنه إذا الموت اختطف هذه الشخصيات القديرة المعروفة المشهورة، واستطاع أهاليها أن يتحملوا هذا الإختطاف، فمن نحن كي لا نتقبل ما اصابنا. أي أن في حدوث الموت في الشخصيات الكبيرة، تعزية ومواساة وعبرة لدى البسطاء والفقراء والطبقات العادية، وهم الأغلبية من الناس. وقد سبقنا وقلنا، إن الموت هو حق، لكن الكثيرين يعتقدون، أن الموت هو عقاب، وإذا صادفوا إنسانا ظالما أو شريرا او قاسيا، يبتهلون إلى الله، سبحانه وتعالى أن يميته، لاعتقادهم الخاطئ، أن الموت هو عقاب. والله سبحانه وتعالى لا يميته بسرعة كما يطلب الناس، وإنما يعاقبه بشكل آخر، وليس بالموت. فالموت كما قلنا، ليس بعقاب، وإنما هو حق، وهو أحيانا خلاص وبشرى وأمل للكثيرين. وهنا يتبادر السؤال، لماذا يصطفي الله، سبحانه وتعالى، هذا الشخص المشهور أو ذاك، لينقله إلى جواره، وليس آخرين!! هنا ليس لدينا جواب، ويمكننا فقط أن نقول، إن هناك حكمة ربانية نحن نجهلها، ولا نعرف ماهيتها، ويمكن أن تظل سرا، قد نفسره في يوم من الأيام. وكل ما نقوله، هو إن الموت كُتب على جميع بني البشر، وأنه علينا أن نتقبل هذا الفرض، بالرضا والتسليم والصبر والسلوان، وأن لا نشكو، وأن لا نتذمر، سواء كنا متدينين أو غير متدينين. ونحن نعلم أن المتدين التوحيدي الحقيقي، يتقبل من الله كل شيء، ويرضى بقضائه، ونحن نلاحظ، أن أكبر المصائب تحل في أكثر الناس تقوى وايمانا. وأكبر عبرة تثبت ما نقول، ويمكن أن تكون برهانا لكلامنا هذا، هو ما حدث لولينا، وعالمنا، وشيخنا، وحجتنا الكبير، بعد غياب الأنبياء، الأمير السيد، قدس الله سره، الذي فُجع بولده يوم عرسه. وما أحوجنا أن نلامس أطراف عباءة الأمير السيد (ق)، لكي يكسبنا الله سبحانه وتعالى، بعض القوة والعزيمة والصبر والاحتمال الكبير، الذي منحه للأمير السيد (ق)، وجعله يقف في الناس واعظا، في أصعب يوم في حياته، ويواسيهم ويعزيهم ويهديهم إلى الطريق الصحيح. وقد تعودنا خلال ألف سنة، أن نعتمد على الله، سبحانه وتعالى، وأن نثق بأنبيائنا وأوليائنا والصالحين والمصلحين والأتقياء فينا. وإذا راجعنا تاريخنا، نرى أن المحن الكبرى اصابت شخصيات نافذة، وأن العالم استمرّ، والحياة أخذت مجراها، لأن إيمان الناس بالله قوي وساري المفعول. واليوم، ونحن نقف خاشعين أمام الضريح الأخضر، فلنشكر ونحمد ربنا العلي القدير، وأنبياءه والرسل، ولنقوي إيماننا، ونعزز عقيدتنا، ولنعلم أن الله، سبحانه وتعالى، خلقنا في الواحة الخضراء، وجعلنا ننتمي إلى دين الحق، فنحن دوما على قيد الحياة، سواء متنا أو بقينا، ولسان حالنا دائما يقول: كم هو محظوظ ذلك الانسان الذي اصطفاه ربنا العلي القدير، ونقله إلى واحة أخرى في مسيرة الخلود... وكل عام وأنتم بخير سميح ناطور دالية الكرمل نيسان 2016
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.