spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 123
شعر: يا أهلنا في مشارف جبل الشيخ والبلاّن
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129


 
كلمة العدد: البساطة والعظمة، ما بين السروتين، والمئذنتين، وشجيرات السنديان.. طباعة ارسال لصديق

عندما أقترب من شجرتي السرو الباسقتين، أمام مقام  سيدنا الخضر (ع)، أتذكر كل مرة، مشهدين مرا أمامي ولا يمكن أن انساهما، وهما يثبتان لي، مدى عراقة الطائفة الدرزية، والقوة الهائلة الكامنة فيها، والقدرات العظيمة المتوفرة بداخلها، بالرغم من بساطتها، وقلة عددها، وإمكانياتها المتواضعة.
المنظر الأول، هو عندما قمت في الثمانينات من القرن الماضي، كسائر آلاف أبناء الطائفة الدرزية، بزيارة لجمهورية مصر العربية، بعد توقيع معاهدة السلام. فقمنا بزيارة لجامع مولانا الحاكم بأمر الله، القائم في نهاية شارع المعز لدين الله بمئذنتيه البارزتين، وهناك، وبعد أن شاهدنا باحة الجامع الفسيحة، ضغطنا على المسئولين، واستطعنا أن نشاهد منظرا لم يحظ الكثيرون بمشاهدته، حيث أتيح لنا أن ننزل إلى غرفة الحضرة، ومكان جلوس مولانا الحاكم في حينه، فذهلنا إذ رأينا غرفة صغيرة، لا يزيد طولها وعرضها عن ثمانية أمتار، وفيها ما زال قائما كرسي العرش، وهو عبارة عن كرسي خشبي بسيط، ليس فيه أي علامة من علامات السلطان والحكم والبذخ، وأمامه خمسة كراس أخرى، تمتاز هي كذلك ببساطتها وتواضعها. وقد سُحرنا جميعا، للعفوية والتواضع الذين لمسناهما في هذه الغرفة، التي صدرت فيها، من اهم القرارات والأحكام في التاريخ. وقد ثبت ذلك فينا اعتقادنا، أن دين التوحيد، قوته في بساطته، وقربه من قلوب الناس....
وشاهدنا المنظر الثاني في خلوات البياضة في لبنان. فعندما فتحت الحدود مع لبنان كذلك في الثمانينات من القرن الماضي، وكنا قد سمعنا عن خلوات البياضة ومكانتها وقدراتها في التعليم، وعن مركزها الديني الرفيع، فتوقعنا أن نرى قصورا ومبانيا وفخامة، لكننا دهشنا أن نرى أن عملية الإبداع والخلق والحفظ والتعليم، تحصل في هذه الأجواء الهادئة، بين أكواز الصبر، وشجيرات السنديان. وأن أكبر عملية تثقيف وحفظ ودراسة وتحليل، نشأت في هذه الظروف البسيطة الوادعة، لتدل على نقاء وصفاء ومكانة دين التوحيد.
نعم، هكذا نشأ دين التوحيد، وهكذا استمر، وهو ما زال قائما شامخا بالرغم من كل التحديات والمخاطر والأهوال التي هددت كيانه، وحاولت أن تزعزع أركانه. وقد صمد الموحدون، بعونه تعالى، خلال ألف سنة، في أصعب الظروف، وفي أقسى الحالات، لكنهم وبعزمهم، وإيمانهم، واتكالهم على الله، استطاعوا التغلب والصمود والبقاء والاستمرار في المسيرة التوحيدية، وفي الرسالة التي أنيط بهم، من قبل الله سبحانه وتعالى، أن يوصلوها إلى من أرسلت إليه عبر الأزمان والأزمات. واليوم تمر الطائفة الدرزية بأزمة خطيرة، وهي مهددة في صلب كيانها، من قبل عناصر هدامة فتاكة، لا تعرف الدين، ولا تعرف الله، ولا تعرف الرحمة، وإنما تدعي زورا وبهتانا، بإيمانها بالله ورسوله، وهي بأعمالها وأساليبها ووحشيتها، بعيدة كل البعد، عن الله جل جلاله، وعن رسله وأنبيائه، وعن كل ما يمت بصلة للإنسانية. والخطر الذي يواجهه الدروز اليوم، لا يقتصر على داعش فقط، وإنما هم مهددون من قبل منظمات وعناصر وجمعيات متطرفة أخرى، لا تقل شراسة عن داعش. ونحن نشاهد، ماذا يفعلون، الواحد بالآخر، وكيف يتصرفون ويتعاملون مع الأقليات الأخرى.
ومع كل هذا، وبالرغم من خطورة الوضع، ومن قساوة الموقف، ومن بشاعة التطورات المحيقة بأبناء الطائفة في العالم العربي، إلا أننا لا نخشى، ولا نخاف، ولا نحسب حسابا لكل هؤلاء وغيرهم.  ولا يساورنا أي شك، أن الطائفة الدرزية ستظل قائمة، شامخة، معززة، مكرمة، حتى ولو لحقها بعض الحيف أو الضرر، أو الإصابة في مكان ما من وجودها. واعتمادنا هذا، وثقتنا هذه الكبيرة، ليست غرورا، ولا تباهيا، وإنما هي تعتمد على الأمور التالية:
أولا، لقد مرّت الطائفة الدرزية بمحن ومصائب وكوارث خطيرة قاسية مؤلمة وفتاكة في حياتها، ابتداء من محنة أنطاكيا، واستمرارا في مذابح الأتراك العثمانيين للمواطنين الدروز، ومنها إلى تسميم عيون الماء من قبل إبراهيم باشا في جبل الدروز، ووصولا إلى مذابح الستين في لبنان، ولآلاف الشهداء في الثورة السورية الكبرى في القرن العشرين. لقد كانت بعض هذه الأحداث ذات خطر شنيع على الطائفة الدرزية، لكن هذه الطائفة، استطاعت بقوة شبابها، وإيمان شيوخها، وشجاعة نسائها، وعزيمة أبنائها، أن تتغلب، وأن تستمر، وأن تظل في مواقعها، تقوم بدورها التاريخي الهام. لذلك لا نخشى اليوم من وقوع أي كارثة، حتى ولو وقعت على جزء من أبناء طائفتنا، فإنه بإمكاننا استيعابها واحتوائها وتكملة المسيرة إلى ما كتبه الله.
ثانيا: الطائفة الدرزية اليوم قوية بزعمائها، وقادتها، ومثقفيها، ورجالاتها، الذين يتبوأون في كل مكان يتواجدون فيه، المراكز والمناصب والمواقع القيادية. وطائفتنا اليوم، والحمد لله، زاخرة بالشخصيات المتعلمة، وبالقادة العسكريين المدربين، وبالمشايخ الأفاضل الأتقياء، ذوي الحكمة، وبكافة العناصر التي يمكن أن تقوم بحماية الطائفة في حالة تعرض أي جزء منها إلى خطر مداهمة أو تعد. وإذا عدنا للتاريخ، نجد أن التجمعات الدرزية سندت الواحدة الأخرى، وقامت بدعمها والمحافظة عليها.
ثالثا: يعيش الدروز في مواقع يسكنون فيها منذ مئات السنين، وهذه المواقع، هي بالنسبة لهم، البيت، والمأوى، والموطن، والمقر، وكذلك القبر. ومن يستعرض تاريخ الطائفة الدرزية على مر السنين، يجد أن كافة الحروب التي شارك فيها الدروز، كانت حروبا دفاعية، فهم لم يعتدوا يوما على أحد، ولم يقوموا بالغزو أو التعرض لأحد، خارج نطاق سكناهم. ومهما كانت الظروف والقوى، فقوة من يدافع عن بيته وأهله وكيانه، هي أكبر بكثير، من قوة من جاء ليقاتل، طمعا في مكسب أو نفوذ أو غاية أخرى. وهذه الحقيقة هي هي في كل مجتمع في كل مكان، فالمدافع يستميت أمام المهاجم، مهما كانت قوته، وغالبا ما يتحقق لهم النصر، وإذا اضفنا هنا أن الدروز بطبيعتهم شجعان، ذوو بسالة، مدربون وأصحاب معنويات عالية، فليس من السهل كسرهم أو التغلب عليهم.
رابعا: الدروز يعلمون مسبقا، وخاصة المتدينون بينهم، أنه من المتوقع أن يواجهوا محنة أو أزمة أو حرب أو هجوم، أو أي عمل عدائي قد يصيبهم. وهم يعلمون أن هذا الأمر مكتوب، محتوم، وعليهم أن يستعدوا له نفسانيا، وأن يتقبلوه، وأن يتغلبوا عليه، وأن يصمدوا أمامه، وأن يتجاوزوا عن أضراره، كجزء لا يتجزأ من كيانهم. ومن هويتهم، ومن ذاتهم. لذلك، فمهما وقعت المصائب، فإنها تهون في نظر المؤمنين والمعترفين بما سيقع.
وأخير وبالإضافة إلى كل ذلك، الدروز يؤمنون بالله، سبحانه وتعالى، ويعتمدون عليه، ويقرون بوجوده، ويعترفون، أن مصيرهم هو بيد الله، سبحانه وتعالى، وعليهم أن يبذلوا كل الجهود، وكل الإمكانيات، وكل المحاولات، لكي يصمدوا ويستمروا، معتمدين على عقيدتهم، وعلى تمسكهم بنصوص آياتهم، مشبعين بنغمات صلواتهم وابتهالاتهم. ومع كل هذا، إذا كُتب غير ذلك، فإنه إرادة ربانية، يتقبلونها بالرضا والتسليم.
ونعود إلى ما افتتحا به، عن جامع مولانا الحاكم بأمر الله، وعن خلوات البياضة الزاهرة، وعن البساطة، والتواضع، والعفوية، والإخلاص في حياتهم اليومية. كل هذه، هي من مكونات الإيمان، والعزيمة، والاستقامة. فهم مخلصون إلى ربهم، مطيعون لأنبيائهم، صادقون في صلواتهم وتوجهاتهم، فلا خطر يمكن أن يكون عليهم، لأن أي شيء يحدث لهم، هو جزء من حياتهم، ومن كيانهم، ومن معتقداتهم. .
وعندما تلتئم جموع المشايخ الأفاضل، في باحة أي مقام، ويظهر اليم الزاخر من العمائم البيضاء، يشعر كل من يتواجد هناك، أو كل من يشاهد هذا المنظر، أنه تابع لطائفة عملاقة، ولكيان شامخ، ولتجمع عريق، يؤمن بالله، ويقدس أنبياءه، ويحترم شيوخه، ويعتز بقدراته، ويعلم أنه بإخلاصه، وبإيمانه وعقيدته، يملك البوارج والطائرات ووسائل الدفاع الكبيرة. وعندما يقبل أي شيخ من شيوخنا، الضريح في مقام سيدنا الخضر الشريف، تتفتح عيونه في تلك اللحظة، على الأسرار  وعلى كنوز الإيمان، ومكنونات المعتقدات الخالدة، وعلى دعائم التوحيد، المنبعثة من شعائر وأنغام وابتهالات المصلين المهدهدة في أركان المقام الشريف.

وكل عام وأنتم بخير

سميح ناطور
دالية الكرمل
 كانون ثان 2016
 
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.