spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 10
خواطر حول التقمص
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133


 
الإيمان والتعليم سلاحنا من اجل البقاء طباعة ارسال لصديق
 بقلم فضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف
الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل
يمر العالم بأسره اليوم، بفترة من القلق والخوف وعدم الراحة والاطمئنان إلى كيانه ووجوده وبقائه. ولم يعد الوضع مثلما كان قبل سنوات، حيث تواجدت  حروب وأحداث وقلاقل في أماكن معينة من العالم، لكن بقية الدول والشعوب  كانت مطمئنة، هادئة وآمنة في مواطنها. فقد برهنت الأحداث الأخيرة في العالم وفي العالم العربي أن التوتر والعنف والإرهاب قد تظهر وتستفحل فجأة في أي بقعة من بقاع العالم،  حتى في الدول الأقوى والأكثر أمنا، مثل الولايات المتحدة، روسيا، الصين، ألمانيا، إنجلترا وغيرها. وقد أصبحت الأخطار جسيمة ومتوقعة الحدوث في أي لحظة وفي كل مكان. وحتى الآن لم يستوعب بعد العالم المتحضر حجم الخطر، وضخامة التهديد الناجمين عن التحركات الأخيرة، فهو يتخذ بعض الإجراءات لتفاديها، ويطمن رأسه في الرمل، ويقنع نفسه أن الأمر ليس خطيرا إلى هذه الدرجة، لكنه يتوجس خيفة، ويخشى ويحسب الحسابات. ولن ينجو من هذا الخطر، أحد فالكل مهدد، والكل عرضة للفتك والهجوم.
وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للدول العظمى، المدججة بكل أنواع السلاح، حتى النووي منها، فما بالنا نحن الأقليات الصغيرة، والشعوب قليلة العدد، التي تجثم أمام الخطر مباشرة، وليس لديها من سلاح، إلا إيمانها واعتمادها على الله! فنحن هنا، أبناء الطائفة الدرزية، الذين لا يتعدى عددنا المليوني نفسا، نقع في دائرة الخطر، بالضبط مثل الصين والهند العملاقتين، وأمريكا وروسيا الدولتين العظميتين وغيرها. ونحن كذلك، نترقب بحذر، كافة الأحداث والتطورات، لنرى إلى أي مصير ستؤول، وإلى أية غاية ستصل الأوضاع الراهنة. وإذا استمر الوضع على حاله، وتفشى العنف والفتك والقتل في العالم، ووصلت براثن الدمار إلى كل بقعة من بقاع الأرض،  وهذا بالضبط ما هو معلَن عنه، إذا حصل ذلك، فنحن بدون شك، في أزمة كباقي العالم، لكننا لسنا في خطر....
 نحن طائفة، واجهت التهديدات والمخاطر والحروب والتعديات، منذ أكثر من ألف سنة، وصمدنا ووقفنا وحافظنا على كياننا ووجودنا في كل أماكن تواجدنا، في لبنان وسوريا وإسرائيل، وكنا دائما طائفة قليلة العدد، لكنها كبيرة الشأن، شديدة المراس، تعرف كيف تدير شؤونها، وتعرف كيف تحافظ على كيانها ووجودها، باعتمادها على إيمانها بالله، سبحانه وتعالى، وعلى حكمة شيوخها وعقالها، وعلى سواعد وبطولة شبابها، ودعامة وسند نسائها. لقد كان شعارنا دائما، أننا طائفة مسالمة، لا تعتدي على أحد، ولا تهضم حق أحد، ولا تريد أن تأخذ مكان أحد. وفي نفس الوقت لا نسمح ابدا ان يعتدي علينا أحد او يهضم حقنا. وأننا طائفة، لها شعائرها، ولها مبادئها، ولها أصولها، ولا تبغي أن تغير دين أحد، ولا أن تجذب أحد، ولا أن تشكك في معتقدات أحد. وقد آمنا طوال الوقت، أنه إذا كانت هذه رسالتنا، ولأننا نريد فقط أن نحافظ على كياننا، وعلى وجودنا، وعلى معتقداتنا، وألا نمس بأحد، فإن الله، سبحانه وتعالى، سيقف إلى جانبنا، وسيدعمنا، ويصوننا، ويحمينا، وهكذا كان. ولا يعني ذلك، أننا لم نتحمل، ولم نعاني، ولم تصيبنا الأحداث، بل بالعكس، لقد عانينا الأمرّيْن، وضحينا الكثير، وأزهِقت فينا الأرواح، وتحمّلنا العذاب، إلا ان البنية الأساسية لنا، والقاعدة الرئيسية فينا، ظلت رصينة قوية متينة، وبرزنا في تاريخ المنطقة، كقوة مذهبية مميزة، لها حضورها وكيانها ومساهمتها للمنطقة وللعالم، ولها ما تقوله، وما تؤمن به، وتعتز بوجودها، وتفتخر بانتسابها للتوحيد،  وليست بحاجة لأحد ان يوجها، أو يرعاها، أو يمد لها يد المساعدة. فقد كان كل اعتمادها هو على الله سبحانه وتعالى، وقد يسّر الله للطائفة الدرزية في كل فترة وفترة، وفي كل حقبة وحقبة، وفي كل أزمة وأزمة، القوى والعزائم والقدرات، لأن تواجه الأخطار التي فُرضت عليها، وأن تصدها وأن تزيلها من طريقها، وأن تستمر قدما، هي وأبناؤها، رافعي الرؤوس، شامخي الهامات على مسرح التاريخ. وكان سلاحنا في تلك الأوقات، قوة إيماننا، وشجاعتنا، وتمسّكنا بمبادئنا وبمعتقداتنا، وكان هذا كافيا، لأن نتغلب على كل المصاعب حتى الآن.
واليوم، نجد أن الأحوال تغيّرت، وأن ظروف القتال تبدّلت، وأن وسائل الحرب والدمار أصبحت شرسة فتاكة، تعتمد على التقنيات الحديثة، وعلى الاختراعات، وعلى التكنولوجيا المتطورة، وليس على القوة الجسدية، أو الشجاعة والخصال البطولية. حقا، نحن نواجه اليوم مصاعب وأخطار، وباستطاعتنا أن نتغلب عليها، وأن نتحداها، أو أن نتجنبها، أو أن نفرض وجودنا عليها، ليس بالوسائل القديمة التي تعوّدنا عليها، وإنما علينا أن نستعمل ما وهبه الله لنا من قدرة على التكيف، وعلى التأقلم، وعلى التصرف حسب الظروف، فيمكن أن نتجاوز هذه الفترات والأخطار بسلاحين ناجعين ومثبتين، وهما سلاح الإيمان وسلاح العلم.
 أما بالنسبة لسلاح الإيمان، فقد أثبتنا للعالم أجمع، أن إيماننا راسخ، وعقيدتنا ثابتة، ومبادئنا متينة، ولا خطر يزعزعنا عن ذلك، وأن اعتمادنا على الله كبير، وهو مطلق، ولا يعني اعتمادنا على الله، أننا نتكل عليه في كل شيء فحسب، وإنما نحن نقوم بكل ما يطلبه منا، من فرائض وواجبات، وطقوس، ومسالك روحانية توحيدية، وعندها، وبعد أن نتمم فرائضنا، نتوجه إليه، سبحانه وتعالى، أن يحمينا ويسدد خطانا، فيوجهنا ويجعلنا تحت كنفه ورعايته. والسلاح الأخر هو سلاح العلم، ومهما كنا بارعين باستعمال السيف والرمح، ومهما كانت أفئدتنا صلبة، ونفوسنا عالية، وشجاعتنا خارقة، فإن ذلك لا يكفي اليوم، وعلينا أن نواجه الفكر وبالفكر، والعلم بالعلم، والتكتيك بالتكتيك، وأن نحارب من يتعدى علينا بسلاحه وبوسائله، فنتغلب عليه، أو على الأقل، نتجنب شره، ببراعتنا العلمية، إضافة إلى قوة إيماننا. وقد أصبحت الحرب اليوم، تعتمد على الكومبيوتر، وعلى الصواريخ الموجهة، وعلى المحاربة الإلكترونية، وعلى عشرات الفنون والأساليب التقنية، لذلك من المطلوب منا، أن نتجند، وأن نعلم، أننا أمام تعبئة عامة من حملات التوجه إلى العلم، على كافة أنواعه، وكافة مراحله، كي نستوعب التقنيات الجديدة، وأن نطورها، ونحسن استخدامها، وعندما نتمكن منها، ونحسن قراءة مبادئها وأصولها، يمكننا أن نستخدم عقولنا المتفتحة المتنورة، وأن نرد الصاع صاعين، وأن نتحدث باللغة التي يفهمونها، كي نستطيع أن نحافظ على كياننا، وبقائنا، ووجودنا. ومما يثلج صدورنا، ويجعلنا في غبطة وسعادة، هو أننا نرى جموعنا تتوافد على الجامعات، وعلى المؤسسات الأكاديمية، وتنهل منها، وتتلقف علومها، وتشترك في بحوثها، وتنقل اختراعاتها وثمراتها إلى القرى والبيوت، فترفع من مستوى العائلة والأسرة، وتجعل المجتمع الدرزي بأكمله، مجتمعا متحضرا، متقدما، متعلما، يقوم بواجبه، ويفعل ما يُطلب منه، وهو متكل على الله، ومؤمن بإمكانياته وقدراته.  
وفي هذه الأجواء، وفي هذه الأوضاع، تظل مكانتنا رفيعة، وقامتنا  منتصبة، ورأسنا لامعا، وشرفنا مصونا، إذا نحن توصلنا إلى أرقى مؤسسات العلوم، في حين نظل مرتبطين بمبادئنا، واصولنا، وتشريعاتنا، ومحافظين على البيت، والأسرة، والمرأة، والأخلاق. وقد أثبتنا أنه يمكن للمرء أن يكون متعلما متقدما، ويظل في نفس الوقت شريفا، نزيها، طاهرا، وهذا ما نرجوه من حشودنا في الجامعات، وفي المؤسسات العليا، أن يقطفوا ثمار العلم، وهم متمتعون بلذة الشرف والصون والعفاف.
وأوجه كلمتي إلى جميع أبناء الطائفة الدرزية، حاثا  الجميع على التقدم والتطور، في ظل تعاليم ومبادئ عقائدنا، التي حافظنا عليها، وحافظت علينا حتى الآن، وهي بعونه تعالى، سوف تحافظ علينا، مهما زادت الأخطار، ومهما ضاقت الدائرة، ومهما تحول العالم إلى مجتمع لا يطاق. فإن جوهرة التوحيد، ستظل لامعة، رصينة، أصيلة، مصونة في هذا المحيط الصاخب الكبير.
واليوم ونحن نجتمع في مقام سيدنا الخضر (ع) في كفر ياسيف، بمناسبة الزيارة السنوية، يسعدني أن أتوجه إلى جميع أبناء الطائفة بالتهاني والمباركات بالزيارة الكريمة، راجيا من الله، سبحانه وتعالى أن تعود علينا، والجميع يرفل بأثواب الصحة والسعادة والهناء والعيش الرغيد، فزيارة مباركة  وكل عام وأنتم بألف خير. 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.