spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 83
عائلة متنورة: السيد سلمان أبو ركن وعائلته، عسفيا
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
الاستعمال الخاطئ لشبكات التواصل الاجتماعي يؤدي إلى عواقب غير محمودة طباعة ارسال لصديق
 بقلم المحامي كميل ملا
مدير المحاكم الدّينيّة الدّرزيّة

تتعرض الأسرة اليوم إلى تحديات واسعة، وخاصة في المجتمعات التي يطالها التغيير بسرعة، والأسرة تعتبر أساس المجتمع، وللزواج أهداف سامية، عديدة، منها المشاركة البنّاءة في حياةٍ زوجية تنشد السكن، الاستقرار والمودة، ولكن أهمها إنجاب وتربية الذُّريَّة، تربية حسنة وصالحة. فالتربية السليمة أمانة تحتاج إلى الرعاية والصيانة، فإذا أراد الإنسان أن يحظى بها، كان واجباً عليه أن يكون صالحاً لها في إشرافه ورعايته، حتى يكون أهلاً لها، جديراً ببقائها بين يديه. ان احد التحديات التي تتعرض لها الأسرة في السنوات الاخيرة، هي الاستعمال الخاطئ لشبكات التواصل الاجتماعي وغيرها من المستجدات، التي قد تؤدي إلى عواقب غير محمودة، وقد يأتي بنا الى فقدان النعمة، فهذا الاستعمال المتزايد والخاطئ لهذه الشبكات، محفوف بالخطر وبالشبهات، فكثيراً ما ينتهي بنهاية غير سليمة ولا مستقيمة، علاوة على أنواع من المفاسد الأخلاقية والاجتماعية، لأنه يتم بعيداً عن دائرة الضوء، مع طيش الشباب وتحكم وغلبة العواطف، وسيطرة الغرائز، واتباع الأهواء، ليقع البعض في الخطأ، فلسنا ملائكة مطهرين لا نخطئ. ومن الجدير بالذكر، أن نسبة الطلاق في السنوات الأخيرة، هي في ارتفاع ملحوظ، ولكن ليس بكثير، ففي السنوات 2012-2014 كانت حالات الطلاق 12%-14% (ليشمل فسخ عقد زواج قبل اشهار عرس الذي يشكل 20% من عدد حالات الطلاق). الارتفاع بنسبة الطلاق ليس بشكل حاد، ولكن شبكات التواصل الاجتماعي، الشبكة العنكبوتية اي الانترنت، والوسائل الأخرى كالتويتر (Twitter)، انستقرام /انستغرام (Instigram) ، فيس بوك (Facebook)، واتس اب ((Whatsapp وغيرها جعلت عالمنا صغيرا، زد على ذلك صِغر طائفتنا المعروفية، فكان لهذه الوسائل تأثير كبير في نشر الاخبار، وللأسف السيئة منها، وجعلتنا نشعر بأن الوضع في مجتمعنا بالنسبة للخلافات العائلية،  في حالة تدهور مستمر والحقيقة غير ذلك.
إن اسباب الطلاق عديدة، منها تفاوت بين الأزواج في مستوى التحصيل العلمي، الزواج المبكر والذي يجنح بأهله عن التعليم العالي، ومنها زواج الاقارب، وعدم انجاب الاولاد، الذي يعد عاملا مساهما في استقرار الزواج. فرغم انَ نسبة الطلاق ومقارنتًها مع الطوائف الاخرى، ليست عالية، الا ان ظاهرة الطلاق تعود اسبابها في غالبيتها الى صفحات التعارف عبر الانترنت، ومختلف شبكات التواصل الاجتماعي، فانتشار وسائل الاتصال الالكتروني كالشبكة العنكبوتية وغيرها، تعد من الأسباب الرئيسية للخلافات الزوجية، لتصل الى ما يسمى  بالطلاق الصامت، أي انه يمكن القول بأن هذه الوسائل التي ذكرتها سابقاً، تسهم في انتشار ظاهرة الطلاق، والذي يأتي من وراء جلوس احد الزوجين على المواقع الالكترونية، وبالتحديد الفيس بوك (Facebook)،ليأخذ من الفرد معظم اوقاته  ولمدة طويلة بمكان منعزل وبعيد عن انظار افراد العائلة، الذي يؤدي الى ابتعاد الواحد عن الاخر ووقوع النًّفور وتعكير صفو الجو واساءة المعاملة بين الازواج وعدم الاكتراث الى اي شيء يدور من حول من يستعمل هذه الوسائل، ليؤدي الى العزلة والتقصير في الواجبات الزوجية والاسرية المنزلية ونحو الاولاد، وانعدام الالفة والتفاهم والانسجام والاحترام، التهكم والتحقير، لتخلق الاتهامات المتبادلة بين الزوجين، سواء كان لها ما يبررها أم لا، والتي تشحن النفوس وتوترها، وهذا ما يسمى ب "الخيانة الالكترونية" التي تحصل بسبب الحاجة لملء الفراغ، والرغبة في بناء علاقات جديدة وعابرة ومغامرات فاسدة ناجمة عن عدم القناعة والرضا بشريك الحياة الذي اخترناه، والذي يأتي من وراء هذا الولع في الانترنت. وفي النهاية الافتراق اي الطلاق.
ان موقع الفيس بوك يعتبر في مقدمة المواقع التي تسبب الخلافات الزوجية، فعلى سبيل المثال، في المانيا نسبة الطلاق بسبب الانترنت تعد 25% من اسباب الطلاق، ويقال ان نسبة الطلاق في مصر ارتفعت من 7% الى 40% بسبب الانترنت. وتشير الاحصاءات الى ان نسبة مستخدمي الانترنت الكبيرة جدًا، بين الذين في حالة متزوج او اعزب متساوية، ولا تختلف نسبة استعمال الانترنت بين الفئات المختلفة، فمهما كان مستوى العائلة منخفضًا ماديًا او تعليميًا، فإن الانترنت اصبحت عاملاً اساسيًا داخل البيوت في مجتمعنا. فكلمة سر في استعمال الاجهزة المختلفة، وخصوصًا الاجهزة النقالة، وبالأخص الهواتف الذكية (Smartphone)، جعل الشِك يدخل قلوب الطرف الآخر، لتجلب نشاط التجسس والتحري بين الازواج، حتى تأتي لحظة معرفة واكتشاف بعض الحقائق التي قد تؤذي الزوجين وتتلف الأعصاب، وتسبب الألم والكآبة، وتحول الحياة الزوجية إلى جحيم لا يطاق. وفي الملفات القضائية في المحاكم الدينية التي تبت بالأمور والمشاكل العائلية الشخصية، يصدر القاضي قراره بهذا الشأن، على ضوء الأدلة والبينات المطروحة في الدعوى وسماع الشّهود، ليحاول احد الاطراف بادعاءاته وتبريراته واثباتاته ومستنداته أقناع القاضي بمصداقية ادعاءاته، اي لوصول القاضي الى نتيجة ليقرر على عاتق من تقع مسؤولية تدهور العلاقة الزوجية بين الزوجيين وذلك وفقًا للبينات والمبررات التي أمامه بعد اطلاعه على فحوى لائحتي الفريقين وسماع شروحات وتوضيحات الفريقين لتلك الادعاءات، ليعطيها الحجم والوزن المناسب وليبني قراره في النهاية عليها.
واود أن انوه لشيء، وبرأيي الشخصي اعتبره مخالفا للمنطق، منافيا للحق، ومناقضا للعدل، وخاصة في الامور العائلية، بأنه ولكي يحصل احد الاطراف المتنازعين على مكسب مادي، ومن بعد أن يكون قد وقع في حرام واستفحل الشر، يحاول حينها الصاق التهم بقرينه، ليُبرئَ ساحته، صارفاً النظر عن الحفاظ على أسرار البيوت، وأعراض ابناء العائلة الواحدة، من أن تنالها الألسن، ويتفوه بتهمه في ساحات المحاكم. واود ان انوه الى معلومة ذات أهمية، وهي أن نسبة ادعاءات الاطراف حول استعمال شبكات التواصل الاجتماعية، لتصل الى اكثر من 80% من ملفات الطلاق (دعاوى طلاق)، وهذا لا يشمل ملفات الطلاق بالتراضي والاتفاق، واكثرها اشاعه، المحادثات الهاتفية، الرسائل النصية، الصور وصفحات الفيس بوك، والتي قد تسبب الضرر والاحراج للأولاد والاهل والاقرباء، في المستقبل القريب والبعيد. وسببه يعود الى عدم وجود المستوى الكافي علميًا واجتماعيًا وثقافياً واخلاقياً للتعامل مع هذه الوسائل المختلفة بالشكل الصحيح.
ان الانترنت يسبب الى انفصام الشخصية، أي الى تفكك الهوية وتصرف مختلف عبر شاشة الحاسوب، وتأتي من ورائه احلام زائفة وتعارف ممنوع وضار، والاستعمال الخاطئ قد يساعد على نشر الخبر السيء بأسرع ما يكون والاساءة بحق اشخاص من وراء قناع وستار، مرفوض وغير مقبول، والدوافع التي ضاعفت انتشار هذه الظاهرة، هو التحول السريع من مجتمعات محافظة تتبع المبادئ والقيم التوحيدية الاخلاقية الحميدة والصحيحة إلى التربية المتساهلة والتي انتشرت في السنوات الأخيرة، بشكل بات يهدد كيان الأسرة. فلا شك أن الزواج يلزمه الإخلاص والتعقل وكبح الرغبات. والحل يكمن في اتخاذ المحاذير الصارمة لتردع، الابتعاد والاجتناب، التوعية والارشاد، التربية الصحيحة واهمها زرع الوعي والتوعية لكيفية الابحار الآمن واستعمال الشبكة العنكبوتية بالشكل السليم، وتربية الاولاد ،الشباب والبنات، تربية حسنة وتوعيتهم وتدريبهم على الطرق السليمة للتعامل مع وسائل الاتصال وشبكات التواصل الاجتماعية المختلفة والانترنت، للاستفادة منها بطريقة ايجابية وان تكون عنصراً لتفعيل التواصل بين الأزواج والابتعاد عن الناحية السلبية في استعمال هذه الوسائل. فالشيء إذا كانت أضراره أكثر من منافعه ولو كانت ظاهرية مزعومة يصبح خطأً من الناحية المنطقية وحراماً في نظر الدين اتَّقاءً لأضراره الكثيرة، وتضحية بمنفعته القليلة.
نصيحتي التي أحب أن أبثّها لأبناء مجتمعنا التوحيدي، هي الحذر من التردّي في المنحدر الذي تردّى فيه البعض بدون معايير وضوابط، والذي بسببه قد تصبح الحياة صراعاً ملتهباً بين الرجل والمرأة، وليس من صالح الازواج ولا صالح المجتمع الذي نعيش فيه وليس فيه سعادة لأحد، لا للزوج ولا للزوجة ولا للأولاد، وأن تَزِنوا الأمور بميزان العقل والنظر للحياة من خلال الاخلاق الحميدة وتتخذوا من مسلك التوحيد منهجاً وطريقاً ومن الصالحين أسوة وقدوة فلا تلبسوا كل ما صُنع ولا تملأوا فكركم بكل ما يكتب ولا تنساقوا وراء كل نزوة ولا تنجرفوا وراء كل بريق خادع فلتكن لكم الشخصية المتميزة في الخلق والعفاف والحياء والفكر والسلوك ونمط الحياة الذي يحفظ ما يصبو إلية العاقل والواعي، ليضمن الاستقرار ولنبني لنا أجيالا  نصنع بهم التاريخ. 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.