spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 63
المدن الدرزية الكبيرة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133


 
الدنيا والدين في مفهوم التوحيد طباعة ارسال لصديق
بقلم الدكتور سامي سويد - جامعة كاليفورنيا
 
لقد قيل إنّ أيّة مقالة في التوحيد وجب أن تبدأ أوّلاً بالعبارة التوحيديّة "لا إله إلاّ الله"، وثانيًا بتعريف التوحيد لغويًّا ودينيًّا. ولكن مهما كثُرت التعريفات فسوف نبقى بعيدين عن الفهم الكامل للتوحيد، فالإنسان مقصّر في فهم وَحدة الخالق وتوحيده من جهة، واللغة بطبيعتها قاصرة في تعابيرها من جهة أخرى.
 إنّ التوحيد في اللغة هو "الحكم بأنّ الشيء واحد والعلم بأنّه واحد"، وهذا صعب المنال وخاصّةً في هذا الزمن المعروف بالتعدّديّة والماحق للتفكير العميق وللتوبة الأصيلة. أمّا في العلوم الدينيّة، فالتوحيد هو معرفة الله تعالى بالوحدانيّة والأحديّة والربوبيّة؛ وهو، كما قال العلّامة الجرجاني، "تجريد الذات الإلهيّة عن كلّ ما يُتصوّر في الأفهام، ويُتخيّل في الأوهام والأذهان"؛ وهو أيضًا، كما قال الشيخ سامي مكارم، "التحقّق في الواحد الأحد الذي لا غير له، تصل منه إليه". وهذا كلّه يعني أنّ الله عزّ وجلّ منزّه عن محدوديّة الإنسان ونسبيّة الغير وكلّ شيءٍ آخر.
 وإذا تعمّقنا في فهم التوحيد عبر العصور نرى أنّ الكثير من العلماء والمتصوّفين وغيرهم كانوا وما زالوا يتّفقون في أنّ التوحيد على ثلاثة أوجه (مهما اختلفوا في ترتيب هذه الأوجه) وهي:
1) توحيد العامّة: أي التوحيد الظاهر من خلال الدعائم المعروفة والفرائض المتبوعة عند كلّ المجتمعات التوحيديّة؛ وهذا يصحّ بالسمع ويتمّ بالتقليد وينمو على مشاهدة الشواهد، ويسمّيه البعض "توحيد العوامّ" ليميّزوا بين فهم التوحيد قديمًا وحاضرًا وبين المجتمعات التوحيديّة ببعضها؛
2) توحيد الخاصّة: أي التوحيد الباطن من خلال الوعي لمتطلّبات الله من العبد والسعي في العبادة الرقيقة والدقيقة؛ وهذا يُسقِط الظاهر ويترفّع عن الشواهد ويُثبَت بالحقائق؛ ولذلك سمّاه الشيخ أبو القاسم الجنيد "توحيد أهل الحقائق بعلم الظاهر"، ووَصَفه أنّه "الإقرار بالوحدانيّة بذهاب رؤية الأرباب والأنداد والأشكال والأشباه". والسالك في هذا التوحيد موجود في كلّ المجتمعات التوحيديّة ولكن لا ينتبه إلى أصالة توحيده إلّا القلائل ممّن في توحيد العامّة؛
3) توحيد خاصّة الخاصّة: أي توحيد الأنبياء والأصفياء والأولياء، وبشكلٍ أو آخر، "الواصلون" و "المقرّبون" عند الصوفيّة الأصيلة وغيرهم من الروحانيّين. ومن يُرفع لتوحيد خاصّة الخاصّة يترك كلّ ما لديه وما لغيره ويقف مع ما لله وفقط؛ ثمّ يعمل على إعادة آخره إلى أوّله، "ويكون كما كان، إذ كان قبل أن يكون"، أي أنّه على طريق إرجاع نفسه إلى الأرواح الطاهرة التي كانت قد شهدت فقالت "بَلى" عندما سأل الله عزّ وجلّ الأرواح: "ألستُ بربّكم؟" كما جاء في سورة الأعراف في القرآن الكريم.
وهنا وجب ان نضيف أنّ الربّ يُحاسِب الإنسان من حيث معرفته ووعيه لنفسه ولربّه؛ ولذلك ما زال الكثير من الناس في كلّ الديانات يُكرّر المقولة القديمة والتي تعود إلى فترة التوحيد الأولى في اليهودية وهي: "اعرف نفسك تعرف ربّك". فإذا انتبه العبد ورضي وسلّم بعقله وقلبه وروحه وجسمه، وترفّع واعتبر فدخل في توحيد الخاصّة، لا يصلح أبدًا أن يرجع ويتبع أهل توحيد العامّة ودعائمهم وفرائضهم وتقاليدهم؛ لأنّ من دخل في سلك توحيد الخاصّة خرج من منطق توحيد العامّة وأصبحت واجباته أكبر اتّجاه الخالق من جهة، واتّجاه الخليقة بأجمعها (من إنسانٍ وحيوانٍ ونبات) من جهة ثانية. أمّا إذا فشل أو تأخّر في سلك الخاصّة فعندها يكبر إثمه، ويصغر عقله، وتتعثّر حياته علمًا وعملاً، نهارًا وليلاً.
 ونعود ونؤكّد أن الله يُحاسِب الإنسان من حيث الإنسان نفسه؛ فالعبد السالك في توحيد العامّة يُحاسَب على حساب العامّة ومكانته فيها، والذي في توحيد الخاصّة على حساب الخاصّة ومنزلته فيها، والذي في توحيد خاصّة الخاصّة على حساب خاصّة الخاصّة ودرجته بينهم؛ وما أكثر الساقطين والمرفوعين من عهد "بلى" الأوّل وإلى اليوم.
 وإذا تعمّقنا أكثر في هذا الكلام وفي تعريفات وأوجه التوحيد المذكورة أعلاه، نجد أنفسنا في حاجةٍ ماسّة للتركيز على ثلاث مسائل أساسيّة.
أوّلاً: صِلة الدنيا بالدين
إنّ الدنيا بطبيعتها تُبعِد الإنسان عن الدين والتوحيد. والإنسان بطبيعته غير واعٍ لهذا التبعيد، أي لتأثيرات الدنيا فيه، إلّا إذا سعى وتفكّر ودقّق في الدين والتوحيد. والتوحيد ليس دينًا بل مفهومًا دينيًّا ودعوةً روحانيّة. والروحانيّات بشكلٍ عامّ أوسع وأعمق من الدين، لأنّ الدين أدوات وقوانين والروحانيّات ثمرة تطبيق هذه القوانين من جهة، ورحلة تدقيق في مصدر القوى الخمس الروحانيّة والتي تكلّم فيها جماعة "إخوان الصفاء وخلّان الوفاء" وغيرهم. وهذه القوى أو الحواسّ الروحانيّة أهمّ بكثير من الحواسّ الجسمانيّة، فهي متصلة ببعضها البعض وقائمةٌ دائمة مع الروح، بينما الجسمانيّة منفصلة عن بعضها البعض وغائبةٌ زائلة مع الجسم.
 ورجال الدين، على اختلاف مواقفهم ومسالكهم في كلّ المجتمعات، منهم من هو متعلّق بالروحانيّات ومنهم من هو متعلّق بالدين وفقط؛ والمتعلّق في الدين منه السطحي النائم، ومنه المدّعي الفاجر، ومنه الواعي البصير. وأمّا المتعلّق بالروحانيّات فهو على منازل ودرجات؛ فكلّما كثّر من وعيه ودقّة فكره كبُرت منزلته أو درجته، وكثُرت عليه نِعَم الله ومِنَحُه، وساعده الله عزّ وجلّ على التخلّص من الدنيا وغبارها السافل وصدأها القاتل. والإنسان بشكلٍ عامّ قادرٌ على تكثير وعيه إذا فرّق بين الدنيا والدين وتيّاراتهما، وتفكّر في أصول الدين وفرائضه، وتعمّق في ملاحظة اشراق الروحانيّات في نفسه، ثمّ أخذ بجدٍّ يتفهّم خصائص التوحيد الشريفة والمشرّفة.
 فما هي هذه الخصائص التي سوف تساعدنا على توضيح الفرق والفصل بين الدنيا والدين؟ من هذه الخصائص العديدة نكتفي هنا بثلاث أولويّة مهمّة وهي: الحقّ والصدق والتدقيق.
 "الحقّ" هو الأمر الثابت حقيقةً والذي لا يجوز إنكاره أو تجاهله، فهو المطابق للواقع الصحيح والذي يفرض ويثبت الصواب. ولعلّ هذا هو أحد الأسباب أنّ "الحقّ" من أسماء الله الحسنى، فكما قال الشيخ أبو سعيد الخرّاز (وهو من صحابة ذي النون المصري) "عين الحقّ لا تتقلّب"، فهي صامدةٌ ثابتةٌ لا تتغيّر.
 والحقّ طبعًا عكس الباطل. فقد جاء عن لسان الشيخ أبي عثمان النيسابوري أنّه قال: "كلّ حقّ يشاركه باطل يخرج من قسمة الحقّ إلى قسمة الباطل، فإنّ الحقّ غيور، وأعزّ من أن يرضى بشريك". وفي الحقّ والباطل قال أيضًا الشاعر الشيخ الجليل في قصيدة طويلة منها:
فالحقُّ بابٌ سبيلٌ قاصدٌ أبدًا وطاهرٌ واضحٌ أهلٌ وأنصارُ
والباطلُ خشنٌ وعرٌ أبالسةٌ أعوانُ سوءٍ شياطينُ وكفّارُ
أمّا "الصدق" فهو الصحيح من الكلام والفكر والاحساس، بلا نقصٍ أو زيادة. وهو عند الصوفيّة وغيرهم من الروحانيّين شدّة ودقّة في السلوك الديني، أو كما قال أحدهم هو "اسمٌ لحقيقة الشيء بعينه حصولاً ووجودًا"؛ فهو صلة القلوب بالله تعالى ولذلك لا تحقّ صلاة ولا يصلح ذكر إلّا بالصدق؛ ورجل الدين لا يمكن أن ينجح أبدًا إلّا إذا صَدَق في التوجّه والمعرفة والنيّة والعمل والإخلاص، وهذه الخمسة (التوجّه والمعرفة والنيّة والعمل والإخلاص) هي حقًّا أساس النجاح ورضى الله في الدنيا والآخرة. وقال الشيخ محمود الفركاوي أنّ الصدق "حالة في العبد حاملة على إيقاع الفعل"، والصدق عنده وعند الكثير من الصوفيّين على ثلاث درجات:
 1) صدق القصد: وهو عادةً الهدف الصافي من الشوائب، ولذلك سمّاه الشيخ الحارث المحاسبي "صدق النيّة في الأعمال"، وقال النبيّ الكريم (ص) في حديثه الشهير "وما الأعمال إلّا بالنيّات". وفي الواقع صدق النيّة وصفاها لا يقلّ أهمّية عن صدق اللفظ في الكلام؛
 2) صدق العبادة: أي صدق القلب بالإيمان تحقيقًا وتدقيقًا؛ وهو أن يرى العابد نفسه دائمًا بعين النقصان في سائر الأعمال والتصرّفات، إذا كان أمام نفسه أو مع الآخرين. والاعتراف بالنقصان والتقصير بلا نيّة صافية ليس صِدقًا بل كذبًا مذمومًا.
 3) صدق الصدق: وهو الصدق في معرفة الصدق والسعي فيه، أي أنّ أعمال العبد مرضيّة عند الله، وأحواله واحدة مع نفسه، ومقاصده صادقة وخالية من التحزّبات مع أيٍّ من إخوانه وأخواته في التوحيد، ومعاملاته مخلصة مع كلّ الناس، بلا تفرقةٍ وبلا تكبّرٍ وبلا تعصّبٍ وبلا تهجّمٍ وبلا قتال. فبلا الصدق لا يمكن للعبد أن يرقى في مكانته أو منزلته أو درجته؛ ومن لم يصدق في بدايته فلا يتمكّن من ذلك في نهايته، أي إذا عاش حياته بالكذب والنفاق ولم ينتبه ولم يعتبر. فالعبد صادق فقط عند وجود هذه الدرجات الثلاث.
 وفي ذكر الحقّ والصدق معًا جاء في كتابات السيّد جمال الدين التنوخي (وبتصرّف) "قول الصدق يُظهر الحقّ". فالحقّ والصدق إذًا لا يفترقان.
 بالإضافة إلى الحقّ والصدق وجب "التدقيق". والتدقيق يعني إثبات المسألة بدليلٍ دقّ طريقه وشقّ بريقه للناظرين أو السامعين أو القارئين؛ أي أنّ التدقيق يحمل كلّ إنسان أينما كان إلى عمقٍ جديد في التوحيد والروحانيّات، عمقٍ لم يكن الإنسان واعٍ له من قبل ولا يصلح تجاهله بعد ذلك اليوم. والتدقيق يختلف عن التحقيق في أغلب الأحيان. فالتحقيق إثبات المسألة بالدليل وفقط وبدون تعمّق روحاني. ويُقال إنّ المُدقّق أعلى رتبةً من المُحقّق؛ فالمدقّق محقّقٌ وأكثر، فهو أيضًا متنوّرٌ متبصّرٌ متطوّر وكأنّه يعمل بإلهامٍ لطيف من الله عزّ وجلّ. ولذلك أُمِرَ أهل التوحيد من قديم الزمان بالتدقيق في كلّ شيء؛ فبلا تدقيق سقط الموّحد من توحيد الخاصّة إلى توحيد العامّة، ثمّ من التوحيد إلى الوعيد، ومن الوعيد إلى التلحيد. وما أسهل الغباء والسقوط والبلاء، وما أصعب التسمّع والترفّع والبقاء.
ثانياً: صِلة الدين بالإنسان
إنّ سلك الدين ليس بالسهل بل من أصعب الأمور وخاصّةً إن أحبّ الإنسان الحقّ والصدق والتدقيق. ويكفي هنا أن نتذكّر ما قاله السيّد المسيح عليه السلام: "ما أضيق الباب وأدقّ السبيل على الداخلين والسالكين في الدين"؛ وأيضًا "لا تدخلوا من الأبواب الواسعة فإنّ فيها التلف". والدين بأصوله وفصوله يقرّب الإنسان من الخالق وتنزيهه، ومن السابق الكامل وتمييزه، ومن الأنبياء وتعزيزهم أجمعين. وهذه الثلاثة، التنزيه والتمييز والتعزيز، هي عكس الدنيا وتيّاراتها وسياساتها. فقد أُمِرَ الإنسان بالعلم والعمل (وفقط). والواجب من المفهوم التوحيدي الروحاني أن ننتبه أنّ العلم هو في هذه الثلاثة، أي في التنزيه والتمييز والتعزيز، وأن نفهم أنّ العمل هو في الخصائص الثلاثة المذكورة سابقًا، أي في الحقّ والصدق والتدقيق. فكلّما أتقن العبد العلم والعمل تعمّق وترفّع في التوحيد، بينما كلّما أهملهم تراجع عن التوحيد وسقط في الوعيد ومنه إلى التلحيد.
 ولعلّ هذا القول الشهير ("وما خُلقتم إلّا للعلم والعمل")، والذي يرجع إلى لقمان الحكيم عليه السلام، صُمّم حقًّا لرجل الدين المهتمّ جدًّا بالدين الحنيف والتوحيد اللطيف. أمّا رجل الدين التابع للدنيا فهو غارقٌ في الأكل والشرب واللهو والمرح والجاه والمصالح، وأحيانًا في التهجّم على كلّ من ليس مثله. وقد حدث هذا في الماضي وما زال يحدث في هذه الأيّام في كلّ الديانات والمجتمعات التوحيديّة؛ ومن المفهوم التوحيدي الروحاني لا خلاص منه إلى يوم الحساب. ولذلك ما قول لقمان الحكيم إلّا لغز الزمان وراية الدين والتوحيد والروحانيّات في كلّ مكان.
 وهنا وجب التطرّق إلى علم الفهم، فهو من أهمّ وأعجب العلوم، فيه يضيع الإنسان ويسيب، أو ينجو ويطيب؛ وهو حقًّا مفتاح الحقّ والصدق والصلاح. وكلّ هذا بسبب الحرص الشخصي على التدقيق العميق والفهم الصحيح. فما هي إذًا متطلّبات علم الفهم؟ ولا نقصد هنا المتطلّبات العامّة والأسئلة المعروفة بعد كلّ قول: من قاله؟ ولمن قاله؟ ومتى قاله؟ وأين قاله؟ وكيف قاله؟ ولماذا قاله؟ ونحو ذلك. فهنا نكتفي بذكر ثلاثة متطلّبات واجبة للأشخاص والمجتمعات العديدة المهتمّة اليوم بالمعرفة التوحيديّة العميقة أو العطشانة للروحانيات الدقيقة وهي:
  1) الانتباه: وجب الانتباه لكلّ شيء وخاصّةً للنفس الأمّارة ونزعاتها السلبيّة من جهة، وللحقد الذي زُرع في قلب الإنسان نفسه وفي قلوب من حوله من الناس من جهة أخرى. والنجاح في مثل هذا الانتباه بوجهيه يفتح النِعَم في الدين والتوحيد والروحانيّات ويُبعد تأثير الدنيا وتيّاراتها وسياساتها التخريبيّة في إيجابيّات الإنسان؛
 2) التفكّر: وجب التفكّر في كلّ شيء فهذا هو وسيلة للعلم عند لقمان الحكيم؛ وقد أوصى به أيضًا الكثير من الأنبياء والرُسُل والأولياء. والتفكّر يختلف من التفكير؛ فالتفكّر هنا هو في ذكر الخالق وحمده، وشكر السابق ومدحه، وتقدير الأنبياء وتعزيزهم. وهو يُقوّي الفهم ويُقرّب السالك إلى طريق الحقّ والصدق والتدقيق، ويُبعده عن حريق الباطل والكذب والتلفيق؛ وما التفكّر في كلام أحد الصوفيّة إلّا "مصباح الاعتبار ومفتاح الاختيار"؛

3) الاعتبار: بعد الانتباه والتفكّر وجب الاعتبار، لأنّ في ذلك تكملة النعمة الإلهيّة. والاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء، و"قياس ما غاب على ما ظهر"، أي تذكّر تجارب الماضي لإصلاح الحاضر والمستقبل؛ وفي المنظور الروحاني، كما قال الشيخ أنور أبي خزام وجب "أن يرى العبد الدنيا للفناء، والعاملين فيها للموت، وعمرانها للخراب"؛ وبكلامٍ مختلف، جاء في الكثير من الديانات هذا الوعظ (وبتصرّف): إذا أخطأْت مرّةً تُسامَح، ولكن إذا لم تعتبر وعُدت لخطأك ثانيةً فإثمك كبيرٌ في الدنيا وفي الآخرة.
 ولذلك وجب أن تبقى هذه الثلاثة الثالثة، أي الانتباه والتفكّر والاعتبار، في العقل والقلب دائمًا وإلى جانب الثلاثتين المذكورة سابقًا، أي الحقّ والصدق والتدقيق، والتنزيه والتمييز والتعزيز. فالكثير من الناس يسمع فيتبع بالخجل أو بالجهل أو بالغباء، والقليل منهم بالانتباه والتفكّر والاعتبار؛ فالكثير ضائعٌ في تأمّرات النفس وتطلّبات الزمن، والبعض غارقٌ في الحقدِ والحسد والنفاق. وما النميمة إلّا مرض القرون ووجب أن تُحرَقَ على بِكرة أبيها وتبقى بعيداً عن الدين وعن أتباعه أجمعين، ولا مكان لها في الدين والتوحيد والروحانيّات. وما أسهل الباطل والعاطل والرذيلة، وما أصعب الحقّ والصدق والفضيلة.
 وبما أنّه ضَعُف (أو فُقِد) الاحترام للسالك المتعمقّ في الدين والروحانيّات في هذه الأيّام تغيرّ مفهوم الدين والروحانيّات وتغيرّ مفهوم رجال الدين. والكثير من الناس لا يحترم رأي وسلوك الإنسان في بعض المجتمعات إلّا إذا كان يُطابق رأيهم وسلوكهم. ولعلّها اقتضت حكمة الله أن تكثر الآراء والأهواء في هذا الزمن، وقد لاحَظ ذلك أحد الممثّلين الكوميديّين فقال: عندما يجتمع الاثنان في هذا الزمان يتّضح بسرعة أن عندهما ثلاثة آراء أو أكثر. وأغلب المجتمعات والسياسات والشركات اليوم تعمل ليل نهار على ألّا يستعمل الإنسان عقله، وكأنّه وجب على الإنسان أن يتبع كالجاهل الأعمى بعينٍ واحدةٍ وأذنٍ واحدةٍ ولسانٍ صامتٍ مسكين. وهذا بأصله وفصله ضدّ الدين والتوحيد والروحانيّات، لأنّ الله خلق الإنسان بعينين وأذنين ولسانٍ صارخٍ قدير، وعقلٍ ثاقبٍ مُشير؛ وكلّ هذا لكي يستطيع أن يرى الأشياء كما هي، فيقف صامدًا مع الحقّ والصدق والتدقيق، وضدّ الباطل والكذب والتلفيق. وإذا رأى الأشياء كما هي حقًّا ينتبه ويعرف نفسه فيعرف ربّه؛ ومن عرف نفسه عرف ربّه، ومن عرف ربّه عرف كلّ شيء.
ثالثًا: صلة المتديّن بالديّان
في الحديث النبوي الشريف في الفرق بين الإسلام والإيمان والإحسان جاء عن لسان جبريل عليه السلام في معنى "الإحسان" كما يلي: "أن تَعبُدَ الله سبحانه وكأنّك تراه، فإن لم تكن تراه، فهو حقًّا يراك". والكثير من رجال الدين اليوم يهتمّ ألّا يراه الآخرون ونسيَ أنّ الله يرى الإنسان في كلّ وقتٍ ومكان، فهو الذي خلق الزمان والمكان والإنسان، وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ وعلّام. والدين حقًّا وحقيقةً واحدٌ لم يتغيّر، أمّا رجل الدين فقد أصبح اثنين وأكثر. فهناك الأوّل الذي يعيش في دنيا الدين، يعني باللباس وبكثرة الاجتماعيّات والدنيويّات؛ وهناك الثاني الذي يتبع دين الدين، أي الدين الحقيقي، ويتجنّب دنيا الدين، ويُكثّر من الانتباه والتفكّر والاعتبار. والأوّل كأنه في البحر وبلا زوّادةٍ وبلا قاربٍ وبلا سفينة، ولعلّه يغرق أو ينجو. والثاني بزوّادة وبقاربٍ وبسفنٍ مكينة، ولعلّه ينجو أو يغرق. والله أعلم في الحالتين فهو الذي يُنجّي من يشاء وهو الخالق والمالك والمُعيد، وهو ليس بظلّام العبيد.
 فلنسمّي رجل الدين الأوّل "المتديّن الدنيوي"، وباختصار "المتديّن"، وهناك الكثير منه في كلّ الديانات والمجتمعات التوحيديّة. ولنسمّي رجل الدين الثاني "الديّان الحقيقي"، وباختصار "الديّان"، ومنه القليل بالمقارنة. وهناك طبعًا الكثير من رجال الدين في الوسط بين الإثنين.
وكلمة "الديّان" مشتقّة من "دين" ويرجع أصلها إلى اللغات الساميّة القديمة، وهي بمعنيّين: المعنى الأوّل هو القاضي والحاكم والإمام والمحاسب؛ والمعنى الثاني هو رجل الدين المدقّق والمتعمّق في شروط الدين من جهة، والمبتعد عن تأثيرات الدنيا من جهة ثانية (وهذا المعنى الثاني هو القصد في هذه المقالة). فبهذه الصورة الثنائية من الطبيعي أن يخاف أو يتخوّف المتديّن من الديّان، وأن يعارضه في جميع الأمور، وأحيانًا يشنّ حربًا ضاريةً عليه كما حصل في قديم الزمان في كل الديانات وما زال يحصل في هذه الأيّام. فالديّان متفكّرٌ ومتعقّلٌ ومتبصّرٌ ومحقّقٌ ومدقّقٌ قدير؛ فهو في سعيه لا يريد إلّا التقرّب من الله عزّ وجلّ والوصول إليه ليلقى الأنبياء والأولياء يومًا وفي سلكهم يبقى بأمانٍ واخاءٍ وصفاء.
أمّا المتديّن من الجهة الثانية فهو مُدارٌ ومسيَّر، وللسياسة والجاه والاجتماعيّات أسير. فهو أسيرٌ للنفس الأمّارة وللكبار والكبيرات في العمر، وللصغار والصغيرات في العقل، وللزمان وللمكان؛ وهذا كلّه بلا حقٍّ وبلا صدقٍ وبلا تدقيق. فالرجل المتديّن المتأثّر من الدنيا أي المُدار والمُسيَّر (والمحرَّض) لا يفهم الديّان الغارق في الحقّ والصدق والتدقيق، وفي نظره (أي نظر المتديّن) وجب أن يتأقلم الديّان مع الدنيا وتيّاراتها، أي أنّه يريده أن يكون مثله، كما حصل من قبل في كلّ الديانات. بينما الرجل الديّان متحرّرٌ من كلّ هذا، فقد حرَّرَ نفسه واستمرّ يعبد الله بقليلٍ من تلك القيود والمتطلّبات. فما التوحيد والروحانيّات عند الديّان إلاّ مركز حياته أي مركز دائرته ومركز بيكاره؛ فهو لم ينس حكمة لقمان الحكيم عليه السلام في العلم والعمل وراح ينصهر في التنزيه والتمييز والتعزيز، عاملاً في الحقّ والصدق والتدقيق، وجادًّا في الانتباه والتفكّر والاعتبار.
 والواقع أنّ الديّان يفهم المتديّن، والمتديّن لا يفهم الديّان. فالمتديّن لم يفكّر ويحقّق ويدقّق ويتعمّق كالديّان الذي رأى الفرق بين الدين الدنيوي والدين الحقيقي وتيقّظ فقام يركض وراء الروحانيّين الأوائل قبل فوات الأوان. وبكليّة جهده بلا تأخير غاب في الذكر، وذاب في الذوق؛ وما أطيب الذكر العميق وما أعذب الذوق الحقيق. والذكر هو ذكر الله ومناجاته دائمًا وطرد الغفْلة؛ أمّا الذوق فنورٌ يقذفه الله في قلوب أحبّائه ليفرّقوا بين الحلال والحرام، والحقّ والباطل، والصدق والكذب، والخير والشرّ، أي بين التوحيد والتلحيد.
وبسبب النفس الأمّارة ونزعاتها والدنيا وأشغالها يضيع هذا الكلام بين السطور ولا ينتبه له كثيرون من الكبار والصغار. وعبر التاريخ وفي كلّ الديانات دخل المتديّن وكلّ من حوله في حقدٍ أو كرهٍ للديّان الحقيقي وكلّ من حوله أو مثله. (ولا حاجة هنا لقصّةٍ بعد قصّة من تاريخ الأديان).
 وبما أنّ أهل الدنيا تسلّطت على أهل الدين أصبح الكثير من رجال الدين مهتمّين بالدنيا بانتباهٍ أو بلا انتباه. وقد حذّر النبيّ الكريم (ص) في أحد أحاديثه الشهيرة فقال "حبُّ الدنيا رأس كلّ خطيئة"، وفي هذا المعنى قال الشيخ الحارث المحاسبي فقال: إنّ حبّ الدنيا "أصل البلايا ورأس الخطايا، ولذلك فرّط العباد في كثير من حقوق الله تعالى". أمّا الشيخ أبو حامد الغزّالي فقد تطرّق للوعظ المباشر: "من أخذ من الدنيا بقدر الضرورة ليستعين بها على الآخرة، فالدنيا مزرعته، ومن أراد الدنيا ليتنعّم بها فالدنيا مهلكته". وما الدنيا كلّها حقًّا إلّا فاضية وفضفاضة، فاسدة ومفسدة، في منظور التوحيد والروحانيّات، كما قال النبي داود عليه السلام: ما مثل الدنيا مع الآخرة إلّا كمثل قطرة طارت من سبعة أبحر فوقعت في صحاري رمل؛ وكما قال السيّد المسيح عليه السلام: الدنيا جسرٌ وجب عبوره وعدم بناء بيتٍ عليه، أي وجب عدم التمسّك بالدنيا وكأنّها باقية فهي حقًّا زائلة.
ففي كلّ الديانات وفي كلّ مكانٍ وزمان أخذ الديّان الحقيقي في سعيه وتدقيقه يستعين بالله وبالكتاب وبالتعليمات القديمة وفقط. فهو لا يريد (ولا يقدر) أن يغيّر مجرى الزمان وسلوك المجتمعات، ولا يريد أيضًا أن تغيّره تلك المجتمعات وما فيها من متديّنين دنيويّين. فالديّان الحقيقي يحقّق ويدقّق وينتبه ويفكّر ويعتبر ليعطي الدين حقّه. أمّا المتديّن الدنيوي فيريد أن يتسلّط فتدور الأمور كما يشاء هو نفسه ومن حوله من دنيويّين. فلذلك ضاع الراعي والرعيّة. وهذا بالضبط ما حدث في تجارب العصور في كلّ الأديان؛ ودعوة التوحيد الحقّة كانت وما زالت تعمل على تغيّير كلّ هذه التجارب وكلّ طبائع وعادات الإنسان العوجاء لينتبه فيتفكّر في الواحد الأحد ويسعى بالعلم والعمل وفقط.
 ونرجع فنقول هناك متديّنٌ متأثّرٌ في الدنيا، وديّانٌ مهتمٌّ في الدين، وهناك الكثير من رجال الدين بين الاثنين. وما أجمل الدين الحقيقي فهو الأصل والفصل والفلاح؛ وما أفضل الإنسانيّة واحترام الإنسان فهو طريق الحقّ والصلاح. ونعود فنؤكّد أنّ الله يحاسب الإنسان من حيث هو أي من حيث الإنسان كما ذكرنا سابقًا؛ فالأعمال بالنيّات والنيّات بالصفات، والصفات أن تصف الإنسان بعد أن تعرفه وتفهمه من حيث هو، وليس من حيث أنت. فالحكمة الالهية أن نرى الأشياء والناس كما هي: بالحقّ والصدق والتدقيق، وبالانتباه والتفكرّ والاعتبار. وهكذا نتقدّم فنرقى بالتنزيه والتمييز والتعزيز، فنفهم قصص الأنبياء والأصفياء والأولياء كما وجب فهمها، فنقترب من الله ليرضى الله علينا. والله عزّ وجلّ لا يريدنا أن نضيّع أوقاتنا على أصحاب الأذن الواحدة الذين باعوا الدين بالتديّن، وضاعوا في الدنيا والتمدّن، وغابوا في عروش القيل والقال، وسابوا في جيوش الجاه والتجوال. 



 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.