spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 126
وداعاً شيخ الكرامة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
قداسة النبوة وطهارة الايمان وصفاء الخشوع طباعة ارسال لصديق
بقلم فضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف
الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل

يتزامن في هذا الشهر، حدوث ثلاث مناسبات دينية عزيزة علينا، نحتفل بها، وتعيدنا إلى جذورنا وأصولنا التوحيدية، وتنعش فينا العقيدة والإيمان، وتهدينا إلى التعاون والمحبة وحفظ الإخوان. وهذه المناسبات الثلاثة، هي الزيارة السنوية التقليدية لمقام سيدنا سبلان عليه السلام في حرفيش، وحلول أيام العشر المباركة وعيد الأضحى السعيد، ومرور اثنتان وعشرون سنة، على رحيل فضيلة شيخ الجزيرة، المرحوم سيدنا الشيخ أمين طريف. ويكفي في كل مناسبة من هذه المناسبات، أن نتوقف لبرهة عن أعمالنا وأشغالنا، وأن نرنو بأبصارنا إلى الله سبحانه وتعالى، وإلى أنبيائنا وأوليائنا وأتقيائنا، وأن نجري مع أنفسنا حساب النفس، ونتطلع إلى مستقبل جديد، وعهد جديد، ننذر فيه على أنفسنا، أن نقوم بكل واجباتنا هذه أمام الخالق والناس. وهذا يجري معنا، عند حدوث مناسبة واحدة من هذه المناسبات، فكم بالحري عند تقارب ثلاث مناسبات في وقت قصير. إذ يتطلب منا هذا أن ننظر بجدية إلى أحوالنا وإلى أوضاعنا، وأن نعيد النظر في كل ما نفعله، وما يجري حولنا، وأن نقوم بتقييم وإجراء المقاييس والفحوصات، لكل ما نعمله وحتى ما نفكر به. وليس غريبا عن البال، أننا نعيش في هذه الآونة، في فترة صعبة حرجة من تاريخ طائفتنا المجيد، حيث يتطلب الأمر منا، أن نكثف من مساعينا، لنخفف عن إخواننا وأهالينا، وأن نقوم بواجباتنا، اتجاه أبناء جلدتنا وعشيرتنا، وأن نعمل كل ما بوسعنا، أن تكون ضمائرنا نقية، وأن تكون نفوسنا طيبة، وأن تكون نوايانا صادقة، وأن تكون أعمالنا من أجل المصلحة العامة والخير والسعادة للجميع. ولا يسعني هنا، إلا أن اتقدم من جميع ابناء الطائفة الدرزية، بالتهاني والمباركات بهذه المناسبات، راجيا من الله، أن  تنجلي من سماء الطائفة، كافة الغيوم الملبدة، وأن تنقشع وتزول الهموم التي تهدد إخواننا في سوريا ولبنان، وأن تحل البركة والخير  والنعيم في كل بقعة توحيدية، وأن ينعم جميع أبناء الطائفة وجميع السكان، بالطمأنينة والهدوء والسلام وراحة البال.  
وعندما نجتمع في رحاب مقام سيدنا سبلان عليه السلام، هذا المقام الشامخ المنيف، نسرح بأنظارنا حولنا، لنرى أننا موجودون في قلب الكيان الدرزي، وفي وسط الربوع التوحيدية، حيث كانت وما زالت قرية حرفيش، حلقة الوصل بين التجمعات الدرزية في سوريا ولبنان وإسرائيل. وكانت غالبية التنقلات بين هذه المناطق تجري عن طريقها، فكان سكان قرية حرفيش، محطة خيّرة طيبة، يرتاح فيها المتنقلون وينعمون بالتواجد مع أهاليها الكرام الطيبين، ثم يستمرون في طريقهم إلى حيث يقصدون. وهذا المقام، وهذه الزيارة التي انتهجت قبل عشرات السنوات، تجعلنا نتمسك بمعاقلنا إلى جوار الصقور، في أعالي الجبال، لنحافظ على كياننا، وعلى عقائدنا، وعلى رسالتنا أن تظل نقية طاهرة دون أي شائبة. وهذه الزيارة التي تقرر ميعادها في بداية فصل الخريف، هي زيارة هامة، تجمع الشمل، وتوفق بين الإخوان، وتغرس في النفوس البهجة والحبور باللقاء، في موقع توحيدي هام، على طريق الأنبياء. وزيارة سيدنا سبلان عليه السلام، هي حلقة من حلقات الزيارات الموسمية السنوية، التي تقرب بين إخوان الدين وبقية أبناء الطائفة، وتجمعهم في الرحاب القدسية، وفي الربوع النبوية، في جو من التعالي والتآخي والتقوى والإرشاد.
ولا نكاد نعود من زيارة اعماق المغارة القدسية، في مقام سيدنا سبلان عليه السلام، بعد أن تلونا آيات الذكر والترحيب، حتى ننتقل إلى خلواتنا الطاهرة، نجتمع فيها يوميا، في ليالي العشر المباركة، التي تجمعنا كل سنة، قبل حلول عيد الأضحى المبارك، لنقف وقفة تأمل ورجوع واستعادة لما فعلناه، لربما كان في عملنا هذا، اي شيء أساء إلى غيرنا، وأحيانا دون أن ندري، أو أي مس بأحد من حولنا، فنطلب السماح والغفران، ونبتهل إلى الله، سبحانه وتعالى، أن يساعدنا، أن تصفو نفوسنا، وأن تنقى أفكارنا، خاصة ونحن مغمورون في قدسية وطهارة ليالي العشر المباركة، التي تجعل الإنسان يوما بعد يوم، يتألق حولها إلى ذروة الإيمان والعقيدة والخشوع والخضوع إلى الله سبحانه وتعالى. فتهافت رجال الدين إلى زيارات الخلوات المباركة في ليالي العشر، تضفي على القرى كلها، أجواء جديدة، وتجعل من هذا الحدث أمرا يبعث على الحبور والخشوع في نفوس جميع أبناء الطائفة، حتى من غير المتدينين، لأن الأجواء الجميلة، التي تخيم على البيوت والشوارع والأماكن الأخرى في القرية، خلال ايام العشر المباركة، تكون مشبعة بالنقاء والطهر وعبق الإيمان في كل مكان. وفي هذا الجو، تتصافى القلوب، وتحل المشاكل والعقد، ويحاول كل إنسان، أن يمر هذه الفترة، وهو يشعر بالطهارة والنقاء، وأنه قام بواجبه، وأنه فعل ما هو متوقع منه، كإنسان توحيدي، سواء أكان متدينا أو غير متدين.
 وعندما تحل أيام العيد المباركة، يخيم في كافة القرى الدرزية، جو من التفاهم والتآخي والتزاور والتقابل، يكسب السكان والمشاركين مخزونا من التقوى والإيمان لكل أيام السنة القادمة. وإن ما يثلج صدورنا ويزيدنا عزة وفخارا، هو أننا نسمع ونقرأ عن إخواننا الموحدين الدروز في بلاد الاغتراب، أنهم يقومون بكافة الشعائر الدينية، وأنهم يحاولون أن يتجمعوا، وأن يحتفلوا سويا بعيد الأضحى المبارك، في أجواء تعيد إليهم، ارتباطهم بالقرية والمبدأ والمنشأ والأسرة والعقيدة، والأجواء التي خرجوا منها، حينما تركوا بلادهم. ويسعدنا أن نحيي جميع أبناء الطائفة الدرزية في البلاد، وفي كل بقعة من بقاع العالم، وأن نهنئهم بالعيد السعيد، راجين منهم أن يحافظوا على جذوة التوحيد، وأن يرفعوا رؤوسهم، وأن يشمخوا بأنهم ينتمون إلى طائفة لها كيانها، ولها شموخها، ولها حضورها وقدراتها وصلابتها وأهميتها، حيث أثبتت الأحداث الأخيرة، كيف إذا هبت الطائفة الدرزية، يسمع رنين هباتها في كل مكان.
وفي كل سنة، وفي الأيام الأولى من شهر تشرين الأول، نستعيد الموقف الرهيب، حيث رحل عنا فضيلة سيدنا المرحوم، الشيخ أبو يوسف أمين طريف، واهتزت البلاد، وجرت له أكبر جنازة وقعت في إسرائيل حتى الآن، حيث كنت تشاهد الكبير والصغير، والرجل والمرأة، والقريب والبعيد، يقدم من أماكن بعيدة، ويسير على الأقدام، ليصل إلى المتسعات التي تم إعدادها خلال ليلة واحدة، لتستوعب مئات آلاف المشيعين، بجوار قرية جولس، لوداع فضيلة المرحوم الوداع الأخير.  وليس من شك، أن هذه الجموع المحتشدة، شعرت بذلك اليوم، أنها فقدت ذلك السديق الولي ذلك الانسان الحكيم المليء بالمكارم والكرامات، الذي ساد بالفضيلة في الحياة، وعلا بالعزة والكرامة بعد الوفاة، تاج العصر وسيد الجزيرة ليس في بلادنا فحسب، وإنما في كافة أنحاء الشرق الأوسط، وعند إخواننا أبناء الطائفة الدرزية، وغير أبناء الطائفة الدرزية. وقد انتقلت زعامة الدولة، من رئيس الدولة، ورئيس الحكومة، ورئيس الكنيست، ورئيس محكمة العدل العليا، ورئيس أركان الجيش، والمفتش العام للشرطة، وكافة الشخصيات البارزة في البلاد، لتقف مع أبناء الطائفة الدرزية، في وداع فضيلة المرحوم. كما جاءت مئات الشخصيات الدرزية اللبنانية، التي استطاعت الحضور، لتشارك في هذا الموقف الرهيب. وبهذه المناسبة، أشكر جميع من تجشم مشاق السفر وحضر مراسيم الجنازة من أبناء الطائفة الدرزية والطوائف الأخرى ومن المسئولين والقادة والزعماء والوجهاء، وأشكر بصورة خاصة،  إخواني أبناء القرى المجاورة من اخواننا المسلمين والمسيحيين حول قرية جولس، الذين سهلوا القيام بالجنازة الكبرى، ورحبوا بالزائرين من كل مكان، وقدموا لهم الماء وأماكن الراحة، راجيا من الله أن يكسبهم أجرا، وأن يرفع عنهم ضيما، وأن يرفلوا دائما بأثواب السعادة والهناء.  وفي جنازة المرحوم سيدنا الشيخ أمين طريف، توحد الجميع، ووقف كافة أبناء الطوائف، وقفة واحدة في مراسيم الحداد والتشييع. وفي كل سنة نستعيد هذه الذكرى، لنثبت العهد، أننا سائرون في الطريق الذي رسمه لنا فضيلته، من حيث الارتباط بالأرض، والإخلاص للوطن، والتعايش بإخاء وسلام مع كافة أبناء القرى حولنا، والتضحية من أجل الوجود والبقاء، والمحافظة على العادات والتقاليد، والرجوع إلى الدين وإلى التوحيد، عند كل من يستطيع إلى ذلك سبيلا. ومع مرور الزمن، نجد الحكمة والتعقل والرزانة وبُعد النظر، الذي اتصف به فضيلة سيدنا المرحوم الشيخ أمين طريف، وصحبه من رجال الدين الأتقياء، ومن زعماء هذه البلاد،الذين نصحونا أن نسير طريقا، فيه المحافظة على كياننا، وعلى شخصيتنا التوحيدية، وعلى تراثنا وأمجادنا وتاريخنا. فرحمة الله على فضيلة الشيخ وعلى كافة المشايخ والزعماء الأفاضل الذين رافقوه في هذا الطريق.
وهنا، لا يسعني إلا أن أتوجه إلى جميع ابناء الطائفة الدرزية في البلاد، وأدعوهم إلى الوحدة، والتآلف، والتكاتف، والتعاضد، والتسامح، ونبذ الأحقاد، والعمل على التقدم والترقي، وانتهاج العلم، والمحافظة على البيت والأسرة، وعمل كل شيء كي تظل الراية التوحيدية عالية ترفرف في كل مكان.كما أدعو إخواني الدروز عبر الحدود إلى  التعالي والتجاوز عن صغائر الأمور وأن يحافظوا على وحدتهم وتكاتفهم خاصة بعد الأحداث الدامية الأخيرة في الجبل، راجيا من الله، سبحانه وتعالى أن يحل عيد الأضحى القادم وقد ساد الأمن والاستقرار والهدوء في كافة أنحاء البلاد.
وكل عام وأنتم بخير...    
 
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.