spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 137
الشجاعة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 151
العدد 150
العدد 149
العدد 148
العدد 147


 
كلمة العدد: قد يكون العيب فينا، ونحن لا نعلم بذلك! طباعة ارسال لصديق

قال رجل لصاحبه وهو يتأمل في القصور: أين نحن حين قُسِّمت هذه الأرزاق" !!!،   فأخذه صاحبه للمستشفى، وقال له: وأين نحن حين قُسِّمَتْ هذه الأمراض"؟،
أجل، كل شيء في الحياة هو أمر نسبي، والأمور كلها تقاس، ويتم تقييمها من وجهة نظر الرائي، فهناك أمور يعتبرها إنسان ما قمة النجاح والأبهة، وهي في نظر إنسان آخر أمور تافهة، وهناك من يرتعد أمام ظاهرة معينة،  وفي نفس الوقت تجد غيره، يتقبل نفس الظاهرة برحابة صدر وتلهف وترحاب. والحقيقة ليست أمرا ثابتا، واضحا، مجردا ومحددا. الحقيقة، أو بالأصح تقييم الحقيقة، هو موضوع يتميز بالمرونة، ويخضع لتفسيرات ولوجهات نظر من يتعامل معها، ويحاول أن يفك أسرارها. فهناك أحداث تعتبر بطولة في نظر البعض، وتعتبر تهورا وجنونا في نظر البعض الآخر، وهناك ظواهر يفتخر بها قسم من الناس، وهناك قسم آخر يعتبرها رذيلة وأمورا مشينة، ترافقها وصمة عار. والحقيقة المثالية هي عادة في الوسط، وهي مرنة لدرجة، أن فريقا يمكنه أن يجذبها إلى جهة، وفريقا آخر يجذبها للجهة المعاكسة، والحكيم، هو من يرى الأمور بمنظار المحايد، الذي لا يحكم على الأشياء، من منطلق مستفيد أو متضرر من الظاهرة، وإنما يحكم عليها، بعد أن تأخذ مكانها الطبيعي في الواقع، وحينما يصبح البحث عن الحقيقة هو الهدف، وليس من أجل تحقيق غاية أو مقصد.
وإذا جئنا على ضوء ما قلنا، لنقيّم أوضاعنا كطائفة مميّزة في الشرق الأوسط، يمكن للبعض منا أن يقول، إن الطائفة الدرزية اليوم، تعيش في أزمة شديدة، وفي انهيار كبير، وأنها تعاني في سوريا من حرب أهلية، وفي لبنان من قلق شديد، وفي إسرائيل من إهمال وإجحاف، وهي تفقد مميّزاتها ومثالياتها، وتسير بسرعة كبيرة إلى الهاوية. وهذا الفريق يسترجع العهود السابقة للطائفة الدرزية، عندما كانت في أوجها، وينظر إلى الوضع الحالي، ويرى به تراجعا كبيرا بالنسبة للآخرين، ويعتقد أن الطائفة الدرزية في خطر، وأنها مسكينة ضعيفة،وهي على وشك الانقراض. وهذه طبعا وجهة نظر، يحملها عدد من الدروز، لكننا لا نقبلها، ونود أن نبرهن، أن العكس هو الصحيح، بالرغم من أننا نقرّ ونعترف، أن الأوضاع التي تسود الطائفة الدرزية، غير مريحة، وهي تدعو للقلق، وتكن في داخلها، بذور الخطر وبذور الضعف، إلا أننا نؤمن، أن الطائفة الدرزية، هي مجموعة قوية، ذات جذور دينية، وتاريخية، ومذهبية، وعقائدية، ثابتة وراسخة ومتينة، وأنها ليست طائفة ضعيفة، وبمقدورها، بعونه تعالى، أن تتغلب على كافة الصعوبات، وأن تصل إلى برّ الأمان.
 وإذا بدأنا بتسليط الأضواء على وضع إخواننا في سوريا، فنحن نشاهد أن الوضع بشكل عام في سوريا، يتميّز بالفوضى والانهيار والشراسة والقسوة والدمار، وكل أهوال وفظاعة الحروب، خاصة الأهلية منها، وفيها كل مصائب القتال والتعديات التي تحدث عندما تنعدم القوة المركزية، وينهار النظام، وتسود الفوضى وعدم السيطرة. هذا هو الوضع العام  في سوريا، والدروز هناك، هم جزء لا يتجزأ من سوريا، ومن القوى العاملة فيها، وهم من أقوى أركانها، ومع كل أسفنا لما يحصل لديهم من عذاب ومعاناة، إلا أننا نرى، أن وضعهم هناك هو سيء بالنسبة لوضعنا هنا، أو لوضع الدروز في الولايات المتحدة والبرازيل، لكن وضعهم، هو أحسن بكثير، من وضع باقي الطوائف والمجموعات السكانية في سوريا ذاتها، فهم ما زالوا صامدين في معقلهم الشامخ، الجبل الأشم كوحدة مميزة، ومع أنهم يعانون من تدهور النظام في الدولة، إلا أنهم  ظلوا، والحمد لله، في بيوتهم وقراهم، في حين تهجر الملايين غيرهم، وهم ما زالوا ماسكين زمام أمورهم،  لأنهم أقوياء ولهم مكانتهم، وليس لدينا أي شك، أنه بمقدورهم، بعونه تعالى، أن يصبروا على هذه المحنة، حتى وإن طالت، وأن يخرجوا في النهاية من الأزمة، بعد أن حافظوا على كيانهم ووجودهم ومميزاتهم، حتى لو اضطر قسم منهم، أن يرضخ للأوضاع، وأن ينسجم في الظروف القاسية المفروضة عليهم، إلى أن يأتي الانفراج. ومن استطاع أن يصمد أربع سنوات، في المحنة القائمة،  كفيل بأن يصمد أكثر، ففي البنية التوحيدية، قدرات، وطاقات، وخامات بطولية، ما زالت كامنة.
وإذا انتقلنا إلى لبنان، فالدروز هناك، وهم الذين حكموا لبنان خلال مئات السنين، يشكّلون اليوم قلة، ولكن قلة لها شأن، ولها بأس، ولها وجود، ولها حضور، تُسمع كلمتها، ويُحسب حسابها، ولا يمكن أن يُنتهج نظام أو حكم في لبنان، بدون أن يأخذوا بالحسبان الطائفة  ورجالاتها.
وفي بلادنا، نشكّل أقلية داخل أقلية، لكن لنا مواقفنا، ولنا وجودنا وتطلعاتنا وأهدافنا. ومنذ إقامة الدولة، وقد كان عدد المواطنين الدروز، لا يتجاوز العشرة آلاف نسمة، ألهم الله، سبحانه وتعالى، زعماء الطائفة الدرزية، أن يتخذوا الموقف الصحيح، ومنحهم الرؤية والبصيرة، ووجّههم لأن يظلوا في بيوتهم وحقولهم، وبجانب مقاماتهم المقدسة، وحول قبور موتاهم، وأن يندمجوا في الإطار الجديد الذي وُجد، دون أن يتنازلوا عن مبادئهم ومعتقداتهم وعاداتهم وتقاليدهم. وقد توجّه إليهم كثيرون باللوم والعتاب، وأحيانا التأنيب والنقد، لكن أولئك الذين توجّهوا إليهم، فعلوا بعد أربعين سنة من الحروب والعذاب، ما فعله زعماء الدروز بإيمانهم الصادق، وطريقهم الواضح، ومسارهم العلني. والمواطنون الدروز يتبوّأون اليوم في جهاز الدولة، مناصب رفيعة، ومراكز عالية، ولهم قدرات وإمكانيات، وحضور ونفوذ، أكثر بكثير من نسبتهم العددية. ولا نتغاضى، أنه توجد مشاكل، ويوجد تقصير من قِبل الحكومة، وهناك أشياء كثيرة لم تُنفذ، إلا أن مكانتهم راسخة ومتينة وعميقة الجذور. وهذه الظاهرة هي نفسها في الأردن، وفي الولايات المتحدة، وفي البرازيل، وفي فنزويلا، وفي أماكن أخرى، حيث تجد مواطنين دروز هناك، يتمتعون بمنزلة رفيعة، وباحترام بالغ، ولا يُعتبَرون من سكان الأحياء الفقيرة، أو من أطراف المجتمع الهامشي أو ما شابه ذلك، وإنما هم في القمة، وفي الصفوف الأمامية.
هذا هو وضعنا، والحمد لله. وإني أتحدّى كل أولئك الذين ينظرون إلى أحوالنا بمنظار أسود، ويتنبّأون لنا بالشر والهزيمة والذل والانقراض. وأحيانا، هم من داخلنا، لكنهم فقدوا الثقة بالنفس والإيمان والاتّكال على الله. وهذا لا يعني أننا شعب كامل الأوصاف، ليس فيه أي عيب. نحن قوم مثل باقي البشر، فينا القوي والضعيف، والصالح وغير الصالح، لكن معدننا أصيل، وجذورنا قوية، ومرجعياتنا نبيلة خالدة. وعندما تتهافت زوارنا، لتقبيل ستائر المقام الشريف، في زيارة نبينا الكريم، نشعر بالقوة، والصمود، والشدة، والبأس، والتفاؤل، والأمل، والإيمان العميق. لكن، علينا أن نعترف بأخطائنا، وهفواتنا، ونقاط الضعف فينا، وأن لا نتصرف مثل ذلك الزوج الساذج المسكين، الذي  لاحظ  أن زوجته لا تسمعه أحيانا، فاستشار الطبيب. قال له الطبيب، ابدأ بالكلام مع زوجتك على بُعد أربعين مترا، ثم على بعد عشرين، ثم على بعد عشرة أمتار، ثم قريبا منها، لنعرف إلى أي مسافة تسمع. عاد الرجل إلى زوجته، ووجدها منهمكة بالطبخ، فسـألها عن بعد أربعين مترا، ماذا تطبخين لنا، ولم يسمع جواب، وسألها عن بعد عشرين مترا، ثم عن بعد عشرة أمتار، ولم يسمع جواب، وأخيرا اقترب منها، وسألها، فقالت له بحنان: لقد سألتني أربع مرات ماذا أطبخ، وأجبتك أطبخ الرز، ماذا بك؟؟  وتبين أن الزوج هو الذي لا يسمع... 

وكل عام وانتم بخير

سميح ناطور
دالية الكرمل
نيسان 2015

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2020 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.