spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 155
مشايخ آل تراب في القرن العشرين في بلاد صفد
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 155
العدد 154
العدد 153
العدد 152
العدد 151


 
كلمة فضيلة الشيخ موفق طريف: الخُضرة النبوية وخُضرة نيسان طباعة ارسال لصديق
بقلم فضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف
 الرئيس الروحي للطائفة الدرزية 



Image

بسم الله الرحمن الرحيم
في كل سنة، مع قدوم فصل الربيع، ينتشر في الجو، عبق الأزهار والنباتات الخضراء، وتلبس الطبيعة أحلى حلة لها، فيطيب التنقل في أرجائها، ويحلو المكوث في أحضانها، والاستمتاع بمباهجها، ونضرتها، وأطايبها،فتتفتح أذهاننا، وتنفرج أساريرنا، ويشعر المرء بنشوة الأرض، وحلاوة الطقس، وبشائر الربيع الدافئ، وجمال الخضرة المنتشرة، وما أطيب، أن تمتزج خضرة الطبيعة، ورونقها، ومحاسنها، بخضرة النبوة، وسحرها، وتقواها، ويتم كل ذلك، عندما يلتئم الشمل، في الزيارة السنوية التقليدية، لمقام سيدنا شعيب (ع) في حطين، حيث يجتمع شيوخ الدين، وشباب الطائفة، والكبير والصغير، في باحة المقام الشريف، وفي أرجائه المختلفة، يحدوهم شغف المؤمن، أن يقف خاشعا أمام الضريح المقدس، معلنا عن تعلقه بالمبدأ القويم، وبالعقيدة الثابتة، وطالبا العفو والغفران، وداعيا للنجاح والتوفيق. ويجري هذا كله،  في جو من الصفاء، والتقارب، والتسامح، والتسامي، والتعلق بالأصول والمبادئ والأركان.
والأغلبية الساحقة من أبناء الطائفة الدرزية، تقوم بزيارة المقام الشريف، عدة مرات في السنة، إما لحضور السهرات الدينية، او لإيفاء النذور،أو للصلوات والتبارك، أو للجلوس في الباحة الخارجية، بعد زيارة الضريح، وكل هذه الزيارات تحتوي على سعادة، ومتعة، وانبساط،  وتترك في النفوس، الشعور بالانتماء، وتثبيت العقيدة، وتعزيز الإيمان، ومع كل هذا، تظل الزيارة الرسمية السنوية، تحمل طابعا خاصا، ففيها تتجلى الوحدة الطائفية، والقوة التوحيدية، والتكتل الجماعي، والشعور بأن الطائفة، لها سيادة، وكيان، ووجود وموقع ديني مقدس. وتقوم شيوخ الطائفة، والجموع الحاشدة من  المواطنين الدروز، من هذه البلاد وخارجها،سنويا بهذه الزيارة بانتظام، منذ حوالي 130 سنة، ما عدا السنين التي وقعت فيها حروب، وتعذر فيها الوصول إلى المقام الشريف. وهذه المواظبة، وهذا التمسك بالزيارة، هو من العوامل الرئيسية، للمحافظة على البقاء، والاستمرارية، في مسالك التوحيد.
 وقد كان للمقام، تاريخ حافل، في الأحداث الطائفية الرئيسية، التي وقعت في تاريخ الطائفة. فقد دعي مشايخ الدين، والوجهاء، لاجتماعات طارئة في المقام، في الثلث الأول من القرن العشرين، في مناسبات، مثل الإعلان عن الحرب العالمية الأولى، ابتداء الانتداب البريطاني، نشوب الثورة السورية الكبرى، انتقال الثوار إلى خارج سوريا، عقد اجتماع كبير لاستقبال الوفد الدرزي الكبير برئاسة وزير الدفاع السوري، عبد الغفار باشا الأطرش عام 1940، عقد اجتماع لاستقبال الأمير شكيب أرسلان، عام 1946، كما عقد اجتماع تأبيني كبير، عند وفاة المرحوم الشيخ أبو حسين محمود فرج عام  1953، وعند وفاة المرحوم كمال جنبلاط عام 1977، وعند وفاة عطوفة المرحوم سلطان باشا الأطرش عام 1982، وعند وفاة المرحوم الشيخ أبو حسن عارف حلاوة  عام 2003، وعند وفاة المرحوم الشيخ أبو محمد جواد عام 2012، وفي مناسبات مماثلة، وتميزت هذه الاجتماعات، بالحشود المكثفة، التي بلغت الآلاف من أبناء الطائفة الدرزية وخارجها، مما يشير إلى مركزية المقام في حياة الطائفة الدرزية، واعتباره بالنسبة لهم، رمزا، ومرجعا، ومأوى، ومحجا، في كافة الأحداث والمناسبات..
ونحن نشارك بالزيارة هذه السنة وقلوبنا ما زالت تعتصر ألما على معاناة إخواننا الدروز الموحدين في سوريا، الذين يعانون من حرب أهلية شرسة ضارية منذ أربع سنوات، وهم يقاسون أنواع الألم والبؤس من فقدان أعزاء لهم نتيجة للقتال، ومن ركود اقتصادي، ومن تهديد مستمر من قبل عناصر معادية، ومن عمليات اختطاف وقرصنة من قبل عصابات وهيئات، تدعي أنها تطالب بمصلحة سوريا ومواطنيها، لكنها تسبب لهم الدمار والخراب، بما في ذلك إخواننا أبناء الطائفة الدرزية، الذين ضحوا الآلاف من أبنائهم في السابق، من أجل حصول سوريا على استقلالها، ومن أجل حماية الديمقراطية فيها، وحماية حدودها ومنشآتها ومدنها وقراها. ونحن هنا لا نتخذ موقفا، إلا أننا ندعو الله، أن يوجه تفكير وتصرفات إخواننا الدروز في سوريا، إلى ما يحفظ كيانهم وبقاءهم مرفوعي الرؤوس.
 وهنا في قرانا وربوعنا، نتوجه إلى الأهل والعشيرة والإخوان الموحدين، ندعوهم، في ظل زيارتنا للمقام الشريف، إلى الوحدة، والمحبة والتآخي والتعاون، ونبذ الأحقاد، والتسامح، والتعالي عن صغائر الأمور، والمشاركة الحقة في بناء المجتمع، وفي تربية جيل طلائعي صالح، يحافظ على جذوره، وتقاليده، وتاريخه، ودينه، وفضائله، وعاداته، ويعمل كل ما بوسعه، أن يتمسك بالأهداف التوحيدية العريقة، التي كانت كافية لحماية آبائنا، وأجدادنا، وأسلافنا، وكافة الأجيال التي سبقتها، ففي بطون كتبنا، وفي خزائننا، وفي تاريخنا المجيد، وفي مقامات أنبيائنا، وضرائح أوليائنا ومشايخنا، يكمن تاريخ عظيم، وتراث أنبياء، وتعاليم، وإرشادات، وتوجيهات، تدعو للفضيلة، والتقوى، والعيش الكريم، وحسن الجوار، وإغاثة الملهوف، وقرى الضيف، وحماية الطريد، وأهم من كل ذلك، تدعو إلى التعفف، والترفع عن الملذات، وكبت الشهوات، والانصياع للعقل، والحكمة، والتعاليم النبوية الشريفة، التي جعلت من الطائفة الدرزية، خلال ألف سنة، نموذجا للمجتمع الفاضل، وللشهامة، والفروسية، والقيادة، وللنقاء الجسدي والفكري، وللعبادة الحقة، والإيمان الصحيح، ولتنفيذ كافة الوصايا الربانية، والتعاليم النبوية، وإرشادات الأولياء والصالحين، في كل المجتمعات.
ويسعدني أن أتوجه إلى الأجيال الصاعدة في طائفتنا العريقة، طالبا منهم التقدم، والتطور، والتعلم، والترقي، والوصول إلى قمة الانجازات الإنسانية، فنحن دين العقل، والعلم، والتفكير، والتحليل، والمنطق السليم، ومبادئنا تحثنا إلى المساواة بين القريب والغريب، وبين الغني والفقير، وبين كافة أبناء البشر، أدعوهم إلى الطموح للوصول إلى كافة المراتب، والانجازات، والدرجات، في كل المجالات المتعارف عليها دوليا، أنها تخدم الانسانية، وأدعوهم في نفس الوقت، أن يحافظوا على أنفسهم، وعلى أهاليهم، وعلى قراهم، وعلى طائفتهم ومجتمعهم،وعاداتهم وتقاليدهم  وعليهم أن يعلموا، أنهم ينتمون إلى طائفة عريقة، لها كيانها، ووجودها، واحترامها، وإنجازاتها في كل موقع وكل مكان. كما أدعوهم للقدوم لمقام النبي شعيب (ع) في الزيارة وبعدها، ففي رحاب المقام، تشتد العزائم، وتزيد البركات، وتشحذ النفوس، ويتزود الزائر بطاقة كبيرة من العزم، والإيمان، والقوة، والقدرة على تحمل المشقات، وعلى الصمود أمام كافة المعجزات، وعلى الشعور بقوة المجموعة، والإحساس  بعظمتها وعنفوانها. وكل عام وأنتم بخير   
 


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2021 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.