spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 137
الاحتفال بتكريم الزعماء والأشخاص الدروز الذين مُنحوا وسام تقدير الدولة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 155
العدد 154
العدد 153
العدد 152
العدد 151


 
في الإيصاء طباعة ارسال لصديق
بقلم المحامي كميل ملا
 مديرعام  المحاكم الدينية الدرزية


قال أحدهم في الموت: "الموت ليس له ِسنٌّ معلومة ولا زمن ولا مرض معلوم، إنّه قدر محتوم، وإنّما كان ذلك ليكون المرء على أهبة مستعدًّا له".
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: "كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوصيّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ"   (البقرة/180 (.
إنَّ الموحَّدين الدّروز انطلاقًا من هذه الآية يرون أَنَّ الوصيّة واجبة على كلّ موحّد، وعند عدم وجود وصيّة، يُعتمد على قانون الإرث الإسرائيليّ.
لقد أوجب القانون أَن يكون الموصي عاقلًا ومختارًا، وهذا يستوجب القول بأنّ على الموصي  أن يحرّر وصيّته وهو في صحَّة من عقله وفي كامل حرّيّته، وأنَّ صحَّة العقل وكمال الحرّيّة قد لا يكونان تمامًا، إذا بلغ الموصي حدّ الشّيخوخة- إذ إنّه في هذا العمر يصبح الإنسان عِرضة لأمراض صحَّية أو عقليَّة، قد تؤثِّر على حرّيّته وإرادته واختياره. لذلك يكون من الأفضل أَنْ يكتب الموصي وصيّته في سِنٍّ يكون فيها سليم الصّحة حاضر العقل – وفي حديث شريف، وفي تقاليد الموحّدين "قد يستحيل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر،  وله مال يريد أن يوصي به،  أن يبيت ليلتين إلا وصيّته عند رأسه". ويكون من الأفضل أن يسجّل الموصي وصيّته في حياته لدى المحكمة الدّينيّة الدّرزيّة، منعًا للخلاف وبالتّالي التّزوير أو ضياع الوصيّة أو إتلافها.
يُشترَط في الموصي أَن يكون بالغًا، عاقلاً، مختارًا، أهلًا للتّبرّع وأنّ البلوغ المفروض هو صفة ملازمة للرّشد، والرّشد يعني عدم القصر، وقد اعتَبر القانونُ قاصرًا من لم يتمّ الثّامنة عشرة من عمره، فيكون المفروض في البلوغ عدم القصر أي إتمام الثّامنة عشرة من العمر، لذلك يمكن القول بأنّ حالة القصر تنفي أهليّة القاصر لكتابة وصيّة. كما يشترط القانون في الموصي العقل والحرّيّة، والجنون والعُته ينفيان العقل، والإكراه ينفي الحرّيّة، فتكون وصيّة المجنون والمعتوه والمُكرَه غير صحيحة أي باطلة، ويمكن للموصي أَنْ يرجع عن وصيّته  كلّها أو بعضها أو أَن يُدخِل عليها أيّ تعديل أو تبديل. ولانتقال الموصَى به إلى الموصَى له، يُشترَط إصرار الموصِي على وصيّته حتّى وفاته ووفاة الموصِي إذ بوفاته يملك الموصَى له الموصَى به .
قال الأمير السّيّد قدَّس الله سرَّه في الوصيّة: حتّى لا يقع خلاف بين الوَرَثَة،  ونزاعات مستحكمة، طُلِب إلى صاحب الثّروة أَن يكتب وصيّته وهو في صحّة من عقله وجسمه، ويشهد عليه شهودًا ثقات بجميع ما يملكه بشاهد قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةٌ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوصيّة اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ"  ( المائدة/ 106)، وأعطاه الحرّيّة التّامة للتّصرّف بأمواله وأرزاقه من غير كره ولا جبر من أحد. وقد تبنّت طائفة الموحّدين الدّروز في إسرائيل كما تبنّى المشترع اللّبنانيّ تشريع الأمير السّيّد قدّس الله سرّه في الوصيّة لوارث وغير وارث،  كما نصّت المادّة 148 من قانون الأحوال الشّخصيّة الدّرزيّة: "إِنَّ الوصيّة تصحّ بكلّ التّركة أو ببعضها لوارث وغير وارث" فالوصيّة لدى الموحّدين فرض من الفرائض وعلى كلّ موحّد بالغ سنّ الرّشد تدوين وصيّة قبل أن يغافله أجله المحتوم .
نستطيع أن نقول إنّ الوصيّة هي تصريح خطّيّ، عقد من طرف واحد، وهي التزام أدبيّ وقانونيّ من الموصِي نحو الموصَى لهم، وتشكّل وثيقة قضائيّة، تنظّم توزيع ممتلكات شخص بعد وفاته. وقد خُصّصَت للوصيّة أحكام وشرائع عديدة في العادات والتّقاليد والمبادئ التّوحيديّة وقانون الأحوال الشّخصيّة الدّرزيّة.
والوصيّة يجب أن تكون حرَّة وغير مقيَّدة بأيّ فرض أو نصيب أو حصّة إرثيّة، وذلك انسجامًا مع حرّيّة الإنسان وحقّه في التّصرّف بماله ومتاعه، فالموصِي الدّرزيّ مُخيَّر حسب القانون، فإذا كان له أن يوصِي بحرّيّة مطلقة حال حياتة، وأن يوزّع تركته بكاملها أو جزءًا منها لوَرَثَتِهِ أو غير وَرَثَتِهِ، فهو مختار أيضًا من جهة أخرى أن لا يُوصي، وعندها تُوَّزع تركته بموجب القانون (حصر إرث)، فيمكن للوصيّة أن تتطرّق لكلّ الأملاك الّتي كانت للشّخص حين وفاته، وأن تشمل تعليمات دقيقة وشروطًا لتنفيذها وتوزيع الميراث، ومن جهة أخرى يمكن للوصيّة أن تكون عامّة وتفصل فقط خطوطًا موجّهة عامّة لتنفيذها  .
 أنواع الوصايا 
1. وصيّة بخط يد الموصِي - بدون شهود. وصيّة أنشأها الموصي بإرادته وبخطّ يده ويُذيّلها بتوقيعه، وتحمل تاريخ كتابتها (تُؤرَّخ) أي يمكن أن تكون بدون شهود (وصيّة كُتِبتْ بهذهِ الطّريقة، لا يمكن أن تكون مطبوعة).
2. وصيّة أمام شهود - وصيّة أنشأها الموصي بإرادته وبخطّ مَنْ كلّفه بكتابتها أو بطباعتها ويُدعى محرّر الوصيّة، ويُذيّلها بتوقيعه أو ببصمة إبهامه أمام شاهدَيْن، كما تُذيّل بتوقيع محرّر الوصيّة والشّهود (شاهدان على الأقلّ وتحمل تاريخ كتابتها- تُؤرَّخ).  يجب على الموصِي أن يصرّح أمام الشّهود أنّ هذه هي وصيته، وفي نفس الوقت يُوقِّع الشّهود على الوصيّة كي يصادقوا على أنّهم كانوا شهوًدا على تحرير الوصيّة من قِبَل الموصِي، وأن يتمّ التّوقيع من قِبَل الموصِي والشُهود في موعد تحرير الوصيّة وليس في موعد متأخّر أكثر.
تبطل الوصيّة في حالات حدّدها الشّرع والقانون، وهنالك تعليمات وشروط خاصّة وهي:
1. إذا أبطل الموصِي وصيّته قبل وفاته، بأن ألغاها أو استبدلها بوصيّة ثانية أو كتب وصيّة أحدث تاريخًا، فتكون الوصيّة الأخيرة هي المعبّرة عن إرادته، وهي الّتي يُعمل بها، وهي الّتي يجوز تنفيذها وتكون الوصيّة السّابقة باطلة أو ملغاة، أي تلغي الوصايا الّتي سبقتها.
2. يجب أن تكون الوصيّة، معبّرة عن إرادته الأخيرة، وهو في الحالة المعتبرة شرعًا دون إكراه ولا إجبار، أو إذا كان تحت تأثير غير عادل تَسبَّب له بتغيير رغبته الأصلية والانحياز لآخر.
3. تبطل الوصيّة إذا كانت هذه الوصيّة بمعصية أو كان الباعث أو الدّافع إليها منافيًا لقصد الشرع، القانون أو الأخلاق أو مستحيلة، فالوصيّة الّتي تشمل تعليمات تخالف القانون أو الأخلاق لا يمكن تطبيقها.
4. يُشترَط في الموصِي أن يكون بالغًا، عاقلًا، مختارًا، أهلًا للتّبرّع، أي أن يكون الموصي غير محجور عليه لسَفه أو غفلة أو جنون.
5.  تَصحّ الوصيّة بكلّ التّركة أو ببعضها لوارث أو لغير وارث، وتصحّ الوصيّة (بتثبيت وصيّة) بكلّ التّركة ولصالح وارث شرعيّ بموجب الوصيّة، دونما حاجة إلى موافقة الوَرَثَة الشّرعيّين، فيَحقّ للموصِي أَنْ يُوصي إلى مؤسَّسة خيريَّة أو اجتماعيَّة أو لفرد، كما يحقّ له أَن يحرم الوَرَثَة من نصيبهم في التَّركة أو أَن يحرم قِسمًا منهم.
6. إذا تواجد أحد المنتفعين من الوصيّة أو كان محرّرها أو شارك في تحريرها أو كان شاهدًا أَثناء كتابتها، فتعتبر الوصيّة باطلة أو ملغاة .
7. لا يمكن كتابة وصيّة مشتركة.
8. تبطل الوصيّة إذا كانت وصيّة مُبهمة، لا تُحدِّد مَنْ سيكون الوَرَثَة أو أن لا يكون بالإمكان فهم ماهيّة الأملاك المشمولة.
9. اختلاف الدّين والملّة لا يمنع صحّة الإيصاء.
 
10. يُحرم الموصَى له ممّا أوصي له به إذا أقدم على قتل الموصِي عمدًا أو قصدًا، أي من تمتّ إدانته في إجراءات جنائيّة بمشاركته في موت المُورث أو محاولة التّسبُّب بموتة، فلا يمكنه أن يرثه، حتّى لو ذكره الموُرث في وصيّته، وكذلك الأمر بالنّسبة لمن أُدين جنائيًّا بإخفاء وصيّة المُورث الأخيرة، أو تزييف وصيّة، أو تقديم وصيّة مُزيّفة.
11. لا يمكن للقاصر غير المؤهَّل أَن يوصي أو أَن يكون شاهدًا لكتابة وصيّة، أمّا إذا بلغ سنّ الرّشد – أي الثّامنة عشرة، جاز له الإيصاء والتّبرّع أو أَن يكون شاهدًا .
12. إنّ باستطاعة الموصي الوصاية لوريث ما إذا قام أو نفّذ شرطًا ما أو في وقت ما (وصيّة مشروطة)، وإذا لم يقم أو ينفّذ الموصَى إليه الشّرط أو لم يصل موعد تنفيذها قبل موت الموصي، فعندها تدار التّركة بواسطة مدير التّركة حتّى يُنفَّذ الشّرط أو يصل موعد الشّرط.
13. يُستحسَن في كتابة الوصيّة أن تشمل التّفاصيل التّالية: العنوان "وصيّة"، تحمل تاريخ تحريرها، الاسم الكامل للموصي، عنوانه ورقم بطاقة هُويّته، أسماء الوَرَثَة كاملةً وأرقام هويّاتهم، كتابة واضحة، لا تُفسَّر لأكثر من وجه، منطقيّة، دون استعمال صيغة النّفي، تفصيل الأملاك المشمولة في التّركة قدر الإمكان، والمفضّل أَن تُذكر القسيمة بصورة واضحة والتّوقيعات بموجب ما ذُكر سابقًا  .
يجب أن تحتوي الوصيّة على بنود لتفصيل وتبيين وتحديد الأملاك، منقولة وغير منقولة، وان تبين حقيقة التخصيصات، وذلك لإزالة الشك باليقين ومنعًا لوقوع تفسيرات متباينة لما ذُكرَ في الوصيّة وان تكون مفصلة ومعروفة لكل فرد من الورثاء أو ممن يريد تخصيصه بها، والحذر أن لا تكون غامضة، ناقصة وغير معروف منها شيء، فوجب الاهتمام بالجوهر الضروري ومفصلة بصورة واضح، ولا يمكن الاكتفاء بالتسبيحات والابتهالات فقط وترك اللازم والمهم .
في النهاية أود لفت النظر وأقول انه من المستحسن الاعتماد في كتابة الوصيّة على ذوي المعرفة والّذين لهم من العلم ما يضمن فهم معنى الوصيّة وتفاديًا للأغلاط والالتباسات الّتي تؤدي إلى الخلافات واحتمال تفاسير عدة. وننوه وجوب كتابة الوصيّة في حين يكون الموصي حاضر العقل والذهن، وقبل حلول العجز والضعف،  اي قبل مرض الموت، اتباعًا للمأثور المشهور من شرح الأمير السيد قدس الله سرّه كما ذُكرَ في البداية وتحاشياً من ان يداخل الوصيّة خلل، تزوير أو فساد أو يناقض إرادة الموصي ويستحسن أيضاً تسجيل الوصيّة في المحكمة الدّينيّة والموصي على قيد الحياة لتفادي المشاكل والخلاف، أو التزوير أو الضياع أو غير ذلك. وكل عام وأنتم بخير. 



 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2021 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.