spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 105
مقام عبد مار (ر) في الجبل
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كلمة العدد: كالفرق بين حبة الرمل وقطرة الماء طباعة ارسال لصديق
كالفرق بين حبة الرمل  وقطرة الماء
يذكر التاريخ، أن الإسكندر ذا القرنيْن، تغلب  على عدوه الكبير داريوس، ملك الفرس، الذي قُتل،  وترك وراءه، عدداً من أشراف الفرس وقادتهم، وأفراد عائلات ملوكهم. فقبض الاسكندر عليهم، ولم يعرف ماذا يفعل بهم، هل يقتلهم، ويأمن خطرهم مستقبلا، على مملكته الواسعة؟  أم يبقيهم على قيد الحياة؟ احتار، ووجد أن خير ما يفعله، هو أن يبعث برسالة إلى معلمه الكبير، سيدنا أرسطو، يخبره عن انتصاراته، ويستشيره بشأن ما يمكن أن يفعل. وقد جاء في جواب سيدنا أرسطو ما يلي ": إن لكل تربة ولا محالة، قسما من كل فضيلة، وبلاد فارس، لها ما لها من النجدة والقوة، وإنك إن قتلت أشرافهم، يرتفع الوضعاء منهم، ويرث السفلة منازل النبلاء، ويتغلب الأراذل على ذوي الفضائل ، فانصرف عن هذا الرأي، واعمد إلى من عندك من العظماء والأحرار، ووزع بينهم مملكتهم، وألزم اسم المَلك لكل من ولّيته، واعقد التاج على رأسه مهما صغر، فيتفاخرون بالمال والمُلك والجند، ويتغالبون فيما بينهم، حتى ينسوا ضغائنهم عليك، وتعود بذلك حربهم ضدك حربا بينهم، ويزدادون حاجة إليك...."
هكذا كان، قبل ألفين وثلاثمائة سنة تقريبا، هكذا كان قبل ذلك، هكذا كان بعد ذلك، وهكذا ستظل الأمور، فهذه هي سنة الحياة،  وهذا هو سبيل البشر في كل زمان ومكان. لقد خلق الله، سبحانه وتعالى، الناس متساوين في الشكل، والهيئة، والمظهر، والعناصر الأساسية في جسم الإنسان، وخلق لكل إنسان عقلا يفكر بواسطته،ومنحه كل الفرص، لكي ينطلق ويتقدم ويتألق، فاتحا، تقريبا، المجال متساويا، أمام الجميع.وإذا سأل أحدهم، لماذا توجد فروق بين البشر، طالما نقطة الانطلاق عند جميعهم هي واحدة ؟ نقول، إن الفروق ناتجة، عن وجود تفاوت وتباين في الجهد الذي يسمح كل إنسان لنفسه، أن يقدمه من أجل مصلحته، أو من أجل مصلحة بيته وأسرته، أو من أجل مصلحة مجتمعه، وكذلك في النظام الذي يتبعه كل إنسان،  في إدارة مسيرة حياته..
لنأخذ مثلا، فوج من الطلاب، يدخلون الصف الأول في المدرسة الابتدائية. يجلس أربعون طالبا وطالبة، في الصف، أمام معلم أو معلمة. تكتب المعلمة على اللوح، كلمات وجملا وأرقاما، وتطلب من الصف نسخها. ومع أن الخط المكتوب على اللوح، هو واحد، ومع أن الفرصة التي أعطيت للطلاب، هي واحدة، إلا أنك، إن راجعت دفاتر الطلاب في هذا الصف، تجد عالما عجيبا. لن تجد دفترا يشبه الآخر، ولا خطا يشبه الآخر. ستجد طلابا منظمين، مرتبين، منضبطين. وستجد طلابا، يكتبون بخط كبير، ويحيدون عن الخط، وتلمس رأسا أنهم بحاجة لرعاية واهتمام. ومع تقدم الأيام في هذا الصف، تجد أنه تكونت فيه طبقيات، فهناك مجموعة الطلاب الممتازين، الذين يقومون بكل واجباتهم، على أحسن وجه، وهناك الطلاب المتوسطون الذين يحاولون، لكن قدراتهم محدودة،وتليهم طبقة الطلاب المتأخرين. وفي نفس الوقت، تجد طالبا متأخرا من ناحية تعليمية، لكنه قوي في كرة القدم، أو في الفنون، أو في الرسم والأشغال. وقد تجد طالبا، يثبت فورا، أنه يليق بالزعامة والقيادة، فتبرز عنده ميول، لضبط أمور الصف، والتحكم بغيره، ومحاولة القيادة، مع أنه ليس من البارزين في التعليم. ومع تقدم الصف، تزيد الفروق بين طلابه، ومع الوقت، يقتنع الطالب الضعيف بضعفه، ويعترف الصف بقيادة الزعيم، ويطمئن الجميع، أنه إذا خرج الصف إلى رحلة، فهناك المهرج، وصاحب النكت، والمطرب وغير ذلك. هكذا يكون الصف، عالما مصغرا للحياة في المجتمع. فقد بدأت نقطة الانطلاق متساوية بين الجميع، ومع الوقت، زادت الفروق العقلية والاجتماعية والاقتصادية والطبقية وغيرها.
ولنأخذ مثلا آخر. رجلان في الثلاثينات من عمرهما، يعملان في مصنع واحد، نفس العمل، بنفس المرتب، نفس الوقت، وكل واحد منهما، متزوج وعنده ولدان. المنطق يقول، إنه يجب أن يكون وضعهما متساويا مع الوقت,، لكن الواقع يختلف كثيرا، لأنك تجد أحد الرجلين مرتبا، له نظرة في الحياة، يرغب أن يتقدم، ينظم أوقاته، يحدد مصروفاته، يعمل حساب المستقبل، فلا ينفق كل معاشه، وإنما يترك مبلغا للتوفير، ويحاول دائما، أن يعيش حسب إمكانياته، وأن لا ينفق إلا ما هو ضروري ومفيد، فلا يدخن، ولا يتناول مشروبات روحية، ولا يغامر بأي مبلغ، في أمور يمكن الاستغناء عنها. وبالمقابل تجد زميله، الذي يحصل على نفس المرتب، فوضويا في حياته، لا يقتصد، وينفق مرتبه في الأيام الأولى من الشهر، ويحاول أحيانا، أن يستدين من زميله في العمل. هكذا تنتج الفروق بين الناس مع الوقت، أحدهم يصبح غنيا، والآخر معدما، والثالث متألقا، والرابع مجرما وهكذا.
وقد تعلم المجتمع، كل مجتمع، كيف تعيش كل الفئات والعناصر فيه، بتنسيق وتفاهم.ففي كل مجتمع، يبرز من خلق لزعامة، ومن خلق للحياة العسكرية، ومن يرى نفسه معلم العصر، ومن يعترف بعجزه وتقصيره، ومن يندب حظه لأنه يفشل في كل شيء، ومن يحلم بالتغيير، ومن يتمرد، ويحاول التأثير بالقوة على مجريات الأمور.وفي كل مجتمع، في كل مكان في العالم، جرت عملية تقلد مناصب طبيعية، دون أن يتدخل فيها أحد، فبرز الزعيم، والقائد العسكري، والرجل الديني، والمحرك الاقتصادي، والفنان، والعالم، والمهرج، والمسكين، والمظلوم، والساخط، وغيرهم من أصحاب الوظائف في المجتمع. واعترفت كل عناصر المجتمع، بدور كل واحد فيه، واستمرت الحياة بانتظام، في ظل هذا التوافق الاجتماعي، لفترة طويلة، حتى حدث تغيير داخلي أو خارجي، أدى إلى تغيير فقط، في أصحاب الوظائف، ثم انتظمت العملية من جديد.
ومع الوقت، تكونت في المجتمع، نتيجة عملية الانتقاء الطبيعي، قيادات أو مجموعات رائدة في مجالات الحياة المختلفة. أولها القيادة العسكرية، التي تفرض بالقوة وجودها وسلطتها، ففي يدها السلاح والقوة والقدرة على فرض وجودها. تليها القيادة السياسية، وهي إما تتعاون مع القيادة العسكرية، أو تكون هي هي، وتتحول من عسكرية إلى حاكمة. وهناك القيادة الدينية، وهي بلا شك، ذات قوة هائلة في المجتمع، ولها تأثير كبير، يتعلق بمستوى المجتمع وثقافته ونضوجه، فكلما كان علمانيا ومثقفا أكثر، كلما قل تأثير الأوساط الدينية فيه، وبالعكس. وهناك القيادة الاقتصادية، وهي من أهم القيادات في المجتمع، لأن مسار المجتمع كله، وطريقة تطوره وعمله وتقدمه، مبني على الاقتصاد،  وعلى رجال الأعمال، فهم المولّد الذي يدفع المجتمع إلى الأمام، وإلى تحقيق انجازات وتطور وتقدم ورفاهية لكافة أفراد المجتمع. وللاقتصاد ورجالاته في العصر الحديث، أهمية كبيرة في الدولة والمجتمع، لا تقل عن أهمية القوى العسكرية في استتباب النظام، وفي انتعاش السكان وشعورهم بالأمن والطمأنينة والعيش الكريم. وأخيرا،أهم قيادات المجتمع، هي القيادة العلمية والثقافية والأدبية، فهي التي تحقق للمجتمع، معاني الحياة وبهجتها ورونقها وعملية استمرارها، وهي التي تحافظ على تاريخ الأمة، وتجعل الأجيال القادمة تذكرها، وهي التي تكون حضارة كل أمة وكل شعب، وتميزه عن الشعوب الأخرى.
هذه المجموعات الخمسة من القيادات، هي التي تشكّل في كل مجتمع، في كل دولة، في كل طائفة، وفي كل مجمّع سكني موحّد، ما يُسمّى، القيادة، أو الصفوة المختارة المميزة، التي تحكم هذا المجتمع وتقوده، وتسير به إلى الأمام. وهذه الصفوة المختارة، تصل إلى مركزها هذا بقدراتها وذكائها ومثابرتها ومواظبتها، وتضحّي الكثير كي تصل إلى هذا المركز المرموق، وتضحّي أكثر كي تحافظ عليه. وهي مهددة دائماً بالنزوح والزوال وترك المراكز والمناصب، لأن طبيعة النفس البشرية، هي أنها تحاول دائماً أن تهدد ما هو أعلى منها، وأن تعمل كل ما بوسعها لزواله واستلام مركزه. لكن هذه الطبقة، لها قوانينها، ولها أساليب إدارتها، ولها الطرق التي تحافظ بها على كيانها ووجودها. وهي في الغالب تتعاون فيما بينها، وتحافظ على مصالحها، ففي القرون الوسطى كان الملوك والحكّام في أوروبا، يحافظون على عروشهم وعروش غيرهم، حتى وإن تضاربت مصالح دولهم. وفي المجال الاقتصادي نلاحظ أن المؤسسات الاقتصادية الكبرى، تظهر على الرأي العام المنافسة فيما بينها، لكنها في الواقع تعمل كل شيء بالتنسيق الخفي، كي تحافظ على كيانها ووجودها. وتقوم هذه الصفوة، وعندما نقول الصفوة، لا نقصد دائماً أن هؤلاء هم أخيار القوم وأحسنهم، فأحياناً هم لا يتمتعون بالصفات المستحبّة، لكنهم هم الذين يحكمون ويديرون شؤون المجتمع في مضمارهم، ولا أحد يستطيع عزلهم بسهولة. وكل فئة من هؤلاء، تحاول بقدر الإمكان، أن تكسب رضا الجماهير، وأن تظهر كأنها تحافظ على الحقوق والمزايا لجميع المواطنين، ومنها من يفعل ذلك بحق وحقيق، ومنها من يدّعي ذلك ولا يفعل شيئاً لمصلحة العموم.
 إن التقسيم بين النخبة القائدة، وبين الأغلبية المنقادة، موجود منذ وُجد العالم المتحضّر. ولا يوجد في عالمنا طريق آخر لمجتمع، يكوّن وحدة اجتماعية سياسية تحقق أهدافها، إلا بهذه الطريقة التي عهدناها ونعرفها. وظل السؤال عندنا، كيف نستطيع أن نضمن أن النخبة القائدة هي حقاً تضم كافة القوى الحقيقية الجيّدة المتوفرة في المجتمع الذي نتحدّث عنه. والجواب لذلك ليس بالأمر السهل، وإذا نظرنا إلى مجتمعنا المصغّر، وإلى طائفتنا، نجد أن عملية انتخاب قيادة، ليست بالعملية السهلة، فأوضاع السلطات المحلية عندنا، وهي أكثر المؤسسات ديمقراطية، حيث يقوم جميع أبناء القرية بانتخاب رئيس المجلس المحلي أو رئيس البلدة، انتخاباً مباشرا، بدون ضغط، وبدون تأثير، ومع كل هذا، نشكو ونتذمّر من رداءة الإدارة، ونحتج ونصرخ، مع أننا قمنا بأيدينا بانتخاب هذا الشخص أو ذاك للمجلس أو للبرلمان أو لأي مؤسسة تنفيذية أخرى. وكثيراً ما تظهر وجوه جديدة في الساحة، تبشّر بالخير، لكنها وبعد انتخابها، وبعد التجربة، تُظهر عجزها، وعدم مقدرتها. وبالمقابل فقد شاهدنا في التاريخ، قادة وزعماء، انطلقوا من لا شيء، وقاموا بدور نافذ فعّال، وحققوا أمنيات شعوبهم، وكسبوا رضاء الذين أرسلوهم. ولا توجد قوانين ثابتة وواضحة، تضمن لأحد، أن من سيُنتخب سيقوم بواجبه، وتبقى العملية عملية مجازفة أو مخاطرة أو محاولة لتأمين الأفضل والأحسن في تلك الظروف. ومن يشهد التاريخ، يرى أن كل الاحتمالات واردة، وأن كل الإمكانيات متوفرة، وأن الأمر يعتمد في النهاية على ثقة الفرد بنفسه، وعلى مدى استعداده أن يتحمّل، وأن ينتظر وأن يتوقع الأفضل والأحسن، فطبيعة الجنس البشري مبنية على قائد ومقودين، وعلى زعيم ورعية، وعلى غني وفقراء، وعلى خطيب ومستمعين، وعلى معلم وطلاب، وعلى نبي ومريدين، وعلى أديب وقرّاء، وعلى مطرب ومستمعين، وعلى ضابط وجنود، وعلى أمور كثيرة مشابهة. وإذا أراد الفرد، أن يعرف مكانه في هذا الخضّم الواسع من التحركات، فعليه أن يعلم، أن لديه طريقتين، الأولى أن ينصهر في هذه البوتقة، ويصبح جزءا منها، ويتحدّث باسمها، ويكتسب خصائصها، وهذا ما يحدث مع قطرة الماء التي تندمج في المحيط. والثانية، أن يكون فرداً مميّزا، له استقلاله وخصائصه وكيانه المنفرد، لكنه يندمج في نفس الوقت، في مجتمع أكبر، يحافظ عليه ويحميه، بدون أن يفقد ذاتيته، وهذا ما يحصل مع حبة الرمل الموجودة في الشاطئ. ولا فرق بين الاثنتين، فكل فرد منها، لا بد أن يكون جزءاً من مجموعة، ولا يمكن له أبداً أن يعيش منعزلا منفردا،ً وعلى كل إنسان، أن يختار طريقه، إمّا أن يكون رائداً، أو أن يكون في الصفوف الخلفية، مشجعاً وتابعاً. وقد خلق الله، سبحانه وتعالى، كما قلنا، الإنسان على درجات، حيث أن المناصب والمواقع، توزّع بواسطة عملية الانتقاء الطبيعي، بحيث يأخذ كل إنسان، المكان اللائق بقدراته، ونشاطاته، ومستوى تضحيته، وذكائه، والمرونة والحصانة والمناعة الداخلية التي يتمتع بها.       
وهذا العدد من مجلة " العمامة" مخصص للشهداء الدروز الأبرار، أبناء دالية الكرمل وعسفيا وشفاعمرو، وكنا قد خصصنا في السابق أعداد خاصة من "العمامة" للشهداء، من أبناء القرى الدرزية الأخرى. ونحن كطائفة يمكننا أن نتناقش فيما بيننا على أشياء كثيرة، لكننا، وبأغلبيتنا الساحقة، نتفق أننا مدينون دائما لأولائك الشباب الذين قطفوا في ربيع حياتهم، واستشهدوا، لكي نظل وراءهم مستمتعين بحياتنا وحريتنا،  وستظل ذكراهم أمام عيوننا دائما، فسواء كانوا قطرات ماء، أو حبات رمل، إلا أن وزنهم النوعي يظل مميزا، واحترامهم يظل واجبا، وطريقهم ينير للجميع سبل المستقبل، ومتاهات الأيام القادمة،وعلينا أن نعمل كل ما بوسعنا، كي لا تذهب تضحيات هؤلاء الشباب الأبرياء سدى، لأننا لم نعرف كيف نختار قياداتنا، ولم نعرف كيف نوحد صفوفنا، ولم نصغ لتعاليمنا وشعاراتنا، ومباديء رسالتنا الشريفة، التي تنادي بالتصافي، والود، والتعاون، والتآخي، ونسي الأحقاد، والعمل من أجل المصلحة العامة، والتضحية من أجل الجماعة، والموت من أجل الكرامة للجميع...     

 
والله ولي التوفيق ..

سميح ناطور

دالية الكرمل
تشرين ثاني
  2007
 
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.