spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 114
كلمة العدد: كي ننعم بثمار الديمقراطية وحلاوتها
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 148
العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144


 
كلمة العدد: لأن طبيعتها مجبولة بالعطاء طباعة ارسال لصديق

ورد في مقال لأحد المفكرين المصريين قوله: "يرضع الطفل من أمه حتى يشبع، وذلك، بعد أن حملت به تسعة أشهر، ويقرأ على ضوء عينيها، حتى يتعلم، ويأخذ من نقودها ليشتري أي شيء يحتاجه، ويسبب لها القلق والخوف، حتى يتخرج من الجامعة، وعندما يصبح رجلاً، يضع ساقاً فوق ساق، في أحد مقاهي المثقفين، ليقول بما معناه:  المرأة هي بنصف عقل ..."
والأم هي الأم، في كل مجتمع، وفي كل مكان، تغمر البيت بالبذل والعطاء، وتضحي بكل ما عندها، من اجل بيتها وأولادها، وتظل عيونها ساهرة في الليل، وجسمها يعمل في النهار، لكي تؤدي واجباتها اتجاه أعزائها. والأم لا تلقى دائما، وفي كل المجتمعات، المعاملة اللائقة، ورد الفعل الحسن، الذي تستحقه، مقابل كل جهودها، ومع ذلك تظل مستمرة في العطاء، والتضحية، والتفاني، والإخلاص، لأن طبيعتها مجبولة  بالعطاء.
 وهذا هو حال الطائفة الدرزية اليوم، وفي السابق، وعلى مرّ التاريخ، وفي كل أماكن تواجدها. فمنذ ظهور دعوة التوحيد الدرزية وحتى يومنا هذا، امتازت الطائفة الدرزية في كل مكان، بأعمالها، ومواقفها، ومساهماتها، وخدماتها، اتجاه الآخرين،  وليس لها هدف، وليس لها غاية، وهي لا تصبو إلى شيء، ولا تطمع بشيء، وكل ما تريده، هو أن لا يتدخلوا في شؤونها، وأن تحافظ على وجودها، وكيانها، وسماتها، وخصائصها، ومقدساتها، وتراثها، وشعائرها فقط. وليس في مفهوم الدروز ومعتقداتهم، قيام دولة، أو كيان سياسي، أو وجود قومية خاصة، أو بناء صرح إداري مميز، بحيث يجعلها تتمحور حول هدف كهذا، وتسخّر كل إمكانياتها، من أجل الحصول عليه، وعندها يمكن أن يكون لها مطامع وتوسعات، مما قد يجعلها تصطدم مع الآخرين ذوي الغايات المشابهة. نعم، لا توجد للدروز أهداف كهذه، والقيادة الدرزية في كل مكان، تكتفي بأن لا يتدخل الآخرون بشؤونها، وأن يتركوها في معاقلها، وأن يبتعدوا عن المسّ والنبش والتنقيب في خصوصياتها. وفي نفس الوقت، يحاول كل تجمع درزي، أن يندمج في البيئة التي يعيش فيها، وأن يضحي، وأن يقدم كل ما يستطيع، وأن يدافع ويستميت في الذود عن الإطار السياسي الذي يعيش فيه. وهو يعمل كل ما بقدرته، كي يربط علاقات جوار حسنة مع الجميع، وأن يشارك في كل أمر يتطلب منه تقديم أي شيء، لمصلحة الإطار الذي يعيش فيه. والمواطن الدرزي في أي مكان، لا يكتفي بأن يقوم فقط بالواجب الملقى عليه كمواطن، إنما يعمل كل ما بوسعه لأن يقوم بأكثر من الواجب، وأن يبذل زيادة عمّا يتوقع الآخرون منه، وأن يضحي أكثر بكثير مما يفعله الآخرون، أصحاب الشأن، لذلك نرى في كل تجمّع، أن غالبية النشيطين الدروز، هم دائما، كاثوليك أكثر من البابا، وشيوعيين أكثر من ماركس، ومتقشفين أكثر من الصوفيين، لأنه يوجد في غريزة وطبع كل مواطن درزي، في أي مكان، حافز لأن يندمج في المجتمع الذي يعيش فيه، وأن يخدمه، وأن يعمل كل شيء، لئلا يُعتبر أنه قصّر في أي أمر أثناء حياته.   
هكذا نرى، أنه بعد أن استقرّ الدروز، بعد الدعوة، في جبال لبنان وحلب وجبل الشيخ وشمالي فلسطين، قدّموا، رغم قلة عددهم، أكبر خدمات للأطر السياسية التي كانت حولهم. فقد حارب دروز بيروت والشوف، الحملات الصليبية المختلفة، وكانوا في مقدمة جحافل صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين، وكانوا من أشاوس المحاربين مع المسلمين في معركة عين جالوت، ضد جيوش المغول. وبذلوا الكثير في دعم السلطان العثماني، سليم الفاتح عندما اجتاح بلدان الشرق، وتربّع فخر الدين المعني الثاني، على كرسي الولاية في لبنان وسوريا وفلسطين، وأنعش المنطقة، بنسائم التقدم والرقي والمدنية، التي استوردها من مدن إيطاليا ومن الغرب، ورفع من مستوى السكان والأهالي الذين عانوا من تخلف الإمبراطورية العثمانية، وجاء بعده الشيخ بشير جنبلاط، وغمر جبال الشوف وبيروت ولبنان، بكرمه وسخائه، وبذل الأموال والرجال والعتاد، أمام حاكم البلاد، بشير الشهابي، الذي قضى عليه في النهاية، ناكرا كل ما فعله من أجله. وهكذا فعل التنوخيون والمعنيون خلال عدة قرون، مع المواطنين المسيحيين، الذين طوردوا في الشمال، في روسيا وتركيا، والتجأوا إلى لبنان، التي كانت تحت حكم الدروز، يبحثون عن مأوى وملاذ وملجأ، فاستقبلهم الدروز بكل ترحاب، ومنحوهم الأراضي، وساعدوهم في بناء الأديرة والكنائس، وأسكنوهم في قراهم. وعندما قويت شوكتهم في القرن التاسع عشر، إثر تدخل الإرساليات الأجنبية، ودعم الدول الغربية لهم، حاولوا القضاء على الدروز  وجلاءهم عن قراهم وأراضيهم، طمعا بها، لكنهم لم يستطيعوا تحقيق ذلك. وقد دعم الدروز الإمبراطورية العثمانية، وساعدوها في كل شيء، لكنها أخذت تثقل كاهلهم،  بالضرائب والتجنيد والتجريد من السلاح والتجهيل وغير ذلك، فانتفضوا كي يدافعوا عن أنفسهم، وصدّوا الهجمات التي وُجّهت إليهم. وفي الحرب العالمية الأولى، فتح جبل الدروز أبوابه، بقيادة زعيم عرى، الأمير سليم الأطرش، أمام مئات آلاف اللاجئين من سوريا والأردن ولبنان، مجندا كل محاصيله وثرواته الحيوانية، ثم وقف الدروز إلى جانب الأمير فيصل والشريف حسين والأحرار العرب، للحصول على استقلال الدول العربية، فأسس الزعيم الدرزي رشيد طليع، مملكة شرقي الأردن، وفجّر عطوفة سلطان باشا الأطرش، ثورة الاستقلال الكبرى في سوريا، ورفع الأمير مجيد أرسلان، علم لبنان المستقل في بشامون، وقد أيّد الدروز الوحدة بين سوريا ومصر، وعندما قدم الرئيس جمال عبد الناصر، لزيارة القطر الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة، أبى إلا أن يزور سلطان الأطرش في معقله. وعندما رحّب به سلطان، كقائد الثورة، قال له جمال عبد الناصر: لقد تعلمنا منك يا أبا الثورات. واستمرّ الدروز في عطائهم وتضحياتهم، ففي عام 1948، غُمرت القرى الدرزية، بآلاف اللاجئين من القرى العربية المجاورة، التي تركها سكانها، واستوعبت القرى الدرزية أضعاف أضعاف تعداد سكانها، لعدة أشهر، فاتحة بيوتها وحقولها وقلوبها أمام اللاجئين، الذين قضوا في ربوع القرى الدرزية، عدة أشهر، وقسم كبير بقي في البلاد، بفضل تدخل المواطنين الدروز لصالحهم. وقد شارك الدروز في كل تحرّك، وفي كل تعامل، وفي كل مبادرة، من أجل رفع المستوى في الأطر التي يعيشون فيها، ومن أجل الدفاع عنها، وهكذا تواجدوا كضباط، ووزراء، وقادة، في نفس الوقت، في سوريا ولبنان والأردن وإسرائيل، يخدم كل منهم وطنه، ومسقط رأسه، وبلاده، بإخلاص وبتضحية، ولا يفكر بمصلحة، أو مطمع، إلا المحافظة على الكيان والبقاء. 
وفي بعض الأماكن، كان الدروز يلاقون أحيانا الاعتراف بفضلهم، وتقديرا لما بذلوه، لكنهم، وفي غالبية الأحيان، كان الآخرون يردّون الإحسان بالإساءة، ويعملون كل شيء، للتعدي على الدروز، والمسّ بهم، واغتصاب حقوقهم، والتنكيل بمقدراتهم. ومع كل هذا، ظل الدروز محافظين على نهجهم القديم، يتصرّفون بعفوية، وببراءة، وبإخلاص نية، ويقدمون كل ما لديهم، من أجل مجتمعهم، ودولتهم، والنظام السياسي الذين يعيشون فيه. وتصرّفهم هذا، يذكّرنا بقصة ذلك الزوج، الذي كان فقيرا، لكنه امتاز بالبذل والعطاء. فقد عاش رجل فقير جداً، مع زوجته، وذات مساء، طلبت منه زوجته شراء مشط لشعرها الطويل، حتى يبقى أنيقا.. نظر إليها الرجل، وفي عينيه حزن، وقال لها، ﻻ أستطيع ذلك ..حتى أن ساعتي تحتاج إلى قشاط جلد،وﻻ أستطيع شراءه .. لم تجادله زوجته وابتسمت في وجهه ! في اليوم التالي، وبعد أن انتهى من عمله، ذهب إلى السوق، وباع ساعته بثمن قليل، وأشترى المشط الذي طلبته زوجته .. وعندما عاد في المساء إلى بيته، وبيده المشط، وجد زوجته بشعر قصير جداً، وبيدها قشاط جلد للساعة ،،فنظرا إلى بعضهما، وعيناهما مغرورقتان بالدموع..
هكذا، تظل الطائفة الدرزية، تنعم بصفاء النية، وبالسخاء اللامتناهي، حيث أن إيمانها بالله، سبحانه وتعالى، عميق وكبير، وهي متمسّكة بقيمها وفضائلها، وتعتمد دائما على الأسس والقوانين والمعاملات، التي قام بها نبي الله شعيب عليه السلام، قبل آلاف السنين، والذي نقوم بزيارة مقامه دائما، لنجدد العهود في نفوسنا، ولنقوي العزيمة في قلوبنا، ولندعو إلى إخواننا، أن يتجاوزوا المحن والمشاكل، وأن ينصرهم الله. وحين يلتئم الشمل في زيارة العاشر من آذار في المقام الشريف، نذكر صلوات مشايخنا من بلدة حضر في زيارتهم للمقام، ونذكر ابتهالات مشايخنا بعد ترميم مقام الأمير السيد (ق) في عبيه، ونتعزى بما ذكره المفكر المصري عن موقف الأم التي تجابه نكران الجميل، لكنها لا تغيّر من سجاياها، ومن معاملتها، وهكذا الطائفة الدرزية، تظل طبيعتها، بالرغم من كل ما تواجهه من تعدٍ ونكران. دائما، مجبولة  بالعطاء، والتضحية، والكرم، والبطولة، والسخاء،
 
والله ولي التوفيق وزيارة مقبولة


سميح ناطور
دالية الكرمل
آذار 2015

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.