spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 107
كلمة العدد: حسرة الأبناء ما بين تقوى الشيخ وغم الأمير
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 145
العدد 144
العدد 143
العدد 142
العدد 141


 
الزيارة التاريخية والذكريات العطرة طباعة ارسال لصديق
بقلم فضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف
 الرئيس الروحي للطائفة الدرزية

بسم الله الرحمن الرحيم
يصادف حلول الزيارة السنوية لمقام سيدنا شعيب عليه السلام، في العاشر من آذار هذه السنة، مرور أربعين سنة، على زيارة مشايخ قرية حضر والمنطقة للمقام الشريف،وذلك بعد إتمام عملية فصل القوات بين إسرائيل وسوريا، في أعقاب حرب الغفران، ويصادف كذلك، مرور ثلاثين سنة على تحرير الشحار، وإعادة بناء مقام الأمير السيد (ق) في عبيه. وهكذا تعوّدنا، منذ ذلك الوقت، على الاجتماع في مقام سيدنا شعيب عليه السلام، كل سنة في العاشر من آذار، تخليدا لزيارة الوداع، التي قام بها شيوخ قرية حضر والمنطقة، حيث التأم الشمل في ذلك الوقت مع مشايخ البلاد، وكان موقفا مؤثرا، شعرنا به أن الروابط الدموية والقرابة والأخوة، ما زالت سائدة بين جميع مركّبات الكيان التوحيدي. فقد سعدنا بلقاء المشايخ الأفاضل، بعد انقطاع حوالي ثلاثين سنة، وابتهجنا بمشاهدتهم، والاجتماع بهم، سواءً في قريتهم، أو في ربوعنا هنا.
 
وبعد مرور عشر سنوات، من ذلك الحدث، وقعت حرب الشوف في لبنان، وجرت هناك حوادث دامية مؤسفة، وتمّ احتلال منطقة الشحار وقرية عبيه، وتمّ الاعتداء على مقام الأمير السيد (ق)، وبعد أشهر قليلة، استطاع المحاربون الدروز الأشاوس، بعونه تعالى، استعادة المناطق، وتم خلال فترة وجيزة، ترميم المقام وبنائه من جديد، فزاد هذا الحدث من زخم هذه الزيارة، التي أصبحت موعدا سنويا، يجتمع فيه مشايخ الدين من كافة أنحاء البلاد، لإقامة الصلوات والشعائر الدينية، تخليدا لهذين الحدثيْن، بالغي الأهمية، بالنسبة للطائفة الدرزية ككل، حيث يربط هذا الحدث، بين التجمعات الثلاثة الأساسية لدروز الشرق الأوسط، في سوريا ولبنان وإسرائيل.
وفي هذه الأيام، تمرّ الطائفة الدرزية، بظروف قاسية، وأوضاع رهيبة، في البلاد السورية، ويعاني سكان حضر والمنطقة من حصار شديد، ومن أوضاع أمنية كبيرة الخطر، ويمرّ كافة الدروز في سوريا، بمعاناة قاسية، حيث بدأت الحرب الأهلية في سوريا، السنة الخامسة، ولا نرى بالأفق، أي بوادر للوصول إلى حل، أو تهدئة، أو استقرار. ونحن هنا، نشعر بالألم الشديد، والحسرة الكبيرة، والأسف الكبير، لكل ما يحدث معهم هناك، وتعتصر قلوبنا ألما، عندما نعلم إلى أي مدى يعانون من هذا الوضع المحرج الأليم. ولا يمكننا، إلا أن نبتهل إلى الله، سبحانه وتعالى، أن يزيل هذه المحنة، وأن يفرج الأمور عليهم، وأن يعيدهم إلى حياة العز والكرامة والاستقرار، التي نعموا بها خلال عشرات السنوات، منذ وقوع الثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي في العشرينات من القرن العشرين. وكلنا ثقة، أن النفوس الأبية، والإيمان الكبير، والمعنويات العالية، التي يتمتع بها إخواننا في سوريا، كفيلة بأن تجعلهم يتغلبون على كافة الصعوبات، وأن يتجاوزوا كل الأزمات، وأن يسيطروا على الأوضاع، وأن يعودوا مرة أخرى إلى حياتهم الرتيبة العادية، وأن يبنوا حياتهم من جديد. وقد عانت الطائفة الدرزية خلال تاريخها، من اعتداءات، ومواجهات، ومجابهات، وحروب، ومعارك، وصدامات مع قوى مختلفة، خارجية وداخلية، واستطاعت بثباتها، وعزيمتها، وإيمانها، وعقائدها، ومعنوياتها، أن تحافظ على بقائها، وعلى كيانها، وعلى رموزها، وعلى وجودها، وأن تكون شريكة في بناء الوطن من جديد، مع المحافظة التامة على حسن الجوار مع الطوائف الأخرى، وعلى تنسيق مجريات أمورها، بحكمة، وتقدير، وتعقل، وروية، بحيث تستمر في بقائها، مرفوعة الرأس، شامخة، مسالمة، ومشاركة في بناء عهد جديد، من الحيوية والخلق والإنتاج والصعود قدما.
وفي وقت المحن والأزمات، يشعر الإنسان أن الدنيا تضيق حوله، ويفقد أحيانا الأمل والرجاء، بسبب الضغوط والقيود والمشاكل التي تواجهه. لكن الإنسان التوحيدي المؤمن، يقتنع بمصيره، وبما قُدّر له، وبما كتب الله عليه، مهما كان فيه من الصعوبة، فإنه يتقبل ذلك بالرضا والقبول، عالما، أن الله سبحانه وتعالى، الرحمن الرحيم، لا ينسى مخلوقاته، ولا بد أن يفرج عليهم هذه الأزمة، وأن يعيد أمورهم إلى سواء السبيل.
وقد عانى إخواننا الموحدون الدروز في بداية الثمانينات في القرن الماضي، من أوضاع مماثلة، حيث وقعت في لبنان حرب أهلية شرسة، استمرت سنوات طويلة، لكن الأمور انتهت بعد فترة، وعاد الأمن والاستقرار يسودان  بلاد الأرز، وظلت الطائفة الدرزية هناك، في مواقعها وأماكنها، معززة، مكرمة، واستأنفت حياتها المعتادة، بعد أن مرّت بأزمة شديدة قاسية، كثيرة الأهوال. وطالما نحن نعيش، ونسيّر أمورنا، في ظل أنبيائنا وأوليائنا في هذه البلاد، وتحت غطاء إيماننا العميق بوحدانية الله، سبحانه وتعالى، يظل يحدونا الأمل الكبير، أن وجودنا سوف يظل راسخا، وأن كرامتنا محفوظة، حتى لو عانينا من بعض الصعوبات، ومن بعض المشاكل والأحداث والتعديات. فقد تعودنا، وآلينا على أنفسنا دائما، أن لا نكون يوما من المعتدين، وأن لا نهضم حق أحد، ولا نحرم أحد من بيته أو أرضه أو أي شيء عزيز عليه، وإنما نحن قوم، يفتخر ويعتز بما لديه، ويقنع بما حققه وما هو حاصل عليه، ولا يريد التوسع أو الطمع في شيء أخر، وكل ما يبتغيه، هو أن يعيش بكرامة وبحرية وبأمان، وأن يصون عقائده، وأهل بيته، وأن يتعاون مع جيرانه، ليس كحاكم أو طاغ، وليس كمحكوم أو مستعبد، وإنما كمواطن متساو في الحقوق والواجبات، له شخصيته وكيانه ووجوده. وقد تعلمنا من قياداتنا وزعمائنا، أن تعاليم أنبيائنا وأوليائنا هي، أن نحترم الجميع، وأن نتعاون، وأن نعمل كل شيء مع من يتعاملوا معنا باحترام وتقدير، لكننا نتحول أسودا ونمورا، إذا اعتدي علينا، ولا نحسب حسابا إلا لصيانة كرامتنا وعزتنا.
وبهذه المناسبة، أتوجّه إلى جميع أبناء الطائفة الدرزية، وخاصة إلى الشباب، وإلى بعض المتحمسين أكثر من اللزوم، وإلى كل أصحاب المواقع، وإلى كل من يحمل في جعبته الأجهزة الإلكترونية الحديثة، أتوجّه إليهم جميعا، أن يكتبوا، ويتعاملوا، وأن يتواصلوا، بتعقل، وحكمة، وتأن، واعتدال. وأن لا يهاجموا أحدا، وأن لا يعتدوا على أحد، وأن تكون ألفاظهم واصطلاحاتهم وتعابيرهم مؤدبة، معقولة، بما توجب عليهم تعاليمهم، وعقائدهم، وعاداتهم الشريفة، التي نتوارثها أبا عن جد، متمنيا للجميع، الخير والبركة، والسعادة، والاستقرار، في ظل الزيارة المباركة، لنبينا وسيدنا شعيب عليه السلام، الذي نادى بتعاليمه من هذه البلاد، قبل آلاف السنين، هداية للبشر، وللشعوب، والأقوام. ونحن، اليوم، أحق من يهتدي بهذه التعاليم والإرشادات.  
 
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.