spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 56
الشيخ محمد الأشرفاني
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129


 
حفظ الإخوان وآداب الصحبة طباعة ارسال لصديق
 بقلم البروفيسور الشيخ انور ابو خزام - لبنان
مجتمع الموحدين مجتمع وثيق العرى متين الروابط. فالموحدون هم إخوان في الدين، وأخوة الدين بنظرهم أقرب وأهم، من أخوة الدم، وهم يتمثلون بقول للإمام جعفر الصادق:" المؤمن أخو المؤمن من أمه وأبيه" كما أن إمام دعوتهم يخاطبهم ب:" معشر الإخوان" لذلك، فإن علاقة الموحدين بعضهم ببعض، علاقة أخوة تامّة بكل ما في الكلمة من معنى.
والدروز – كما يعلم الجميع- طائفة قليلة العدد، وأجاويدها الموحدون قلة بدورهم، فلا يستغرب المراقب إذا علم أن الموحدين الدروز، يعرفون بعضهم بعضا، معرفة دقيقة. ويندر أن يلتقي شيخ من شيوخ التوحيد بشيخ آخر، ولا يعرفه بالاسم، بالإضافة إلى معرفته بمكان سكنه، وطبيعة عمله، ودرجة قرابته إذا وُجدت. ولذلك يمكن القول،  بكل ثقة، إن مجتمع الموحدين، هو عائلة كبيرة، تشدّ أفرادها القربى الدموية ووحدة الاعتقاد المذهبي.
ونظرا لطبيعة هذا المجتمع الاعتكافية، فإن القرابات الدموية فيه متشابكة ومتداخلة، ومن أقوالهم الشائعة حول هذا الواقع قولهم :" الدروز سلسلة " خصوصا وأن قرابة الدرزي لا تفتر. ومثالا على ذلك قد يكون أحد جدود الدرزي القدماء، من ستة أو سبعة أجيال سابقة، أخا لجد درزي آخر، ومع ذلك يقول هذا الدرزي بأن الدرزي الآخر هو ابن عمه. ويعكس هذا الـتألق الجديد بالقرابة، نظرة قبلية عربية، تشير إلى الأصل الذي نشأت منه هذه الطائفة.
وبما أن الموحدين الجزء الأكبر من هؤلاء الدروز، فقد حملوا بدورهم هذا التعلق الشديد بالقرابة الدموية الذي زاد في تمتينها قرابة الدين، فالموحدون إذن أقرباء بالدم والدين، وهذه الحقيقة تفسّر شدة التفاف الموحدين وتوحّدهم وعدم انقسامهم في أيام الأزمات والحروب.
وتزداد قربى الموحدين التصاقا، عندما نعلم أن الموحدين يعتقدون، بأنهم يربون بعضهم بعضا في ألأحوال المتعاقبة. وهذا يعني أنه قد يكون والد أحدهم في هذا الجيل، ابنا لولده في جيل سابق، وفاقا لنظرية التقمص، لذلك فالسلام التقليدي بينهم يكون بالتقبيل المتبادل للأيدي مع قولهم :" متذكرين الأفضال"، ويعني بمفهومهم هذا أن الفضل المتبادل بين كل موحد وموحد، سببه التربية المتبادلة بين جيل وجيل.
وإذا كان المجتمع الدرزي قد عرف أشياء من الفوارق الطبقية بين الأسر الحاكمة والإقطاعية، وطبقات الفلاّحين والعامّة في الماضي، فإن المجتمع التوحيدي على العموم، مجتمع تنعدم فيه هذه الفوارق الطبقية، ويحل محلها نوع من التراتيبية الدينية. وهذه التراتيبية الدينية، تبرز نتيجة لمجموعة من الاعتبارات والشروط السلوكية الصوفية، التي يكون تطبيقها الدقيق واسطة لبلوغ السالك إلى درجات التوقير والاحترام والطاعة اللائق"بالشيخ " أو "بالسيد".
وحق الصدارة والتقدم يُعطى في المجتمع التوحيدي للأكبر سنا، مع بعض الاستثئاءات القليلة، وعلى الرغم من أن المجتمع الدرزي بعيد كل البعد عن التنظيم الإكليركي والكهنوتي،فإن التراتيبية الدينية العرفية فيه سلطة كبرى. والطاعة للشيخ واجبة وضرورية كما ذكرنا سابقا، ويتمتع شيوخ التوحيد بالهيبة والإجلال من الجميع.
ويمارس الشيوخ الكبار ،بالإضافة إلى واجباتهم ومفترضاتهم الدينية أعمالا اجتماعية رعوية، تُعتبر جزءا أساسيا من عملية حفظ الإخوان. فالشيوخ أشد الدروز غيرة على مجتمعهم، ووجودهم المكثف في الجنائز والمناسبات والمواقف المختلفة للطائفة، ظاهرة فريدة ومتميّزة. وهم يغارون هذه الغيرة الشديدة شعورا منهم بالواجب اتجاه الآخرين. والمروءة عندهم يندر مثيلها، فلا عجب إذا لُقبوا ب"بني معروف"، هذا اللقب العزيز جدا على قلوبهم .
إن معاشرة الشيوخ الكبار، تؤدي إلى تلمس مدى السماح والرأفة والحب، التي يعامل بها هؤلاء الشيوخ باقي المريدين. فبالرغم من أن قواعد المذهب شديدة ودقيقة، والشيوخ لا يتهاونون في تطبيقها، فإن الطابع العام الذي يلف هذا التطبيق، هو طابع أبوي رءوف إلى أقصى الحدود. ومن هذا المنطلق نجد هؤلاء الشيوخ يتمتعون بالهيبة والاحترام من جهة والمحبة والولاء من جهة أخرى.
يقوم الشيوخ إذن بكل  الواجبات التي تمليها عليهم آداب الصحبة والصحبة الصوفية، التي يسميها شيوخ التوحيد "حفظ الإخوان" هي فريضة مشتركة عند الموحدين وعند باقي الصوفية. ونصوص الحكمة عند الموحدين تجعل من حفظ الإخوان الفريضة الثانية من فرائض التوحيد...
في المجتمع التوحيدي لا يكون لألقاب الشرف أو الوظائف الكبيرة، أو الدرجات العلمية أي دور على صعيد التشريف والتقديم. ولا يعني ذلك عدم الاحترام لهذه الدرجات والألقاب، لكن حق التصدر يبقى وقفا على رجال الدين وكبارهم. ومما يجدر ذكره أن بعض حالات التدين والانخراط في سلك الشيوخ تكون موضع إكبار متميز واستثنائي إذا كان أصحابها من بيوت عائلية عريقة. فالعراقة العائلية لها قسطها حتى اليوم من التوقير والاحترام .
نعود للصحبة، فالشيوخ الكبار يقومون عادة بزيارات تفقدية في البلدات والقرى، حيث يطلعون على أحوال إخوانهم. ويهتم الإخوان بهذه الزيارات اهتماما عظيما، فيقومون بتهيئة "النُقل " للضيافة والذي يتكوّن من أصناف متنوعة من الفاكهة والحلوى والمكسرات. إن زيارة الشيخ الكبير لأرملة عجوز من الإخوان مثلا تُعدّ مناسبة كبرى في حياتها.
وبالرغم من سخاء الإخوان البالغ في الضيافة فإن الشيوخ يتناولون الشيء اليسير جدا جبرا للخاطر، وعلى سبيل البركة. ونظرا لارتفاع أسعار الحاجيات وخوفا من التلهي بالوجاهات، فقد أخذ الشيوخ الكبار بالتشديد على عدم التبذير والاقتصار في "النُّقل" على صنف واحد ما أمكن، كي لا يشعر الفقير بالقصور أو الحرمان.
وواجبات الصحبة وحفظ الإخوان عند الشيوخ لا تهدأ ولا تنتهي، فمن عيادة مريض إلى التهنئة بعودة غائب، إلى مناسبة فرح، إلى مناسبة ترح، أو تلبية دعوة، أو إقامة سهرة دينية ... ألخ. وهكذا يظل التواصل قائما والزيارات متتالية وكل ذلك يمتن العلاقات ويوثق الروابط، ويشعر السالك والمريد بالانتماء الشديد إلى الجماعة. ويتعاون الشيوخ على أعباء الحياة، ويتبادلون المساعدة، وكثيرا ما يفزعون لمساعدة أخيهم في بناء بيته، أو في جمع محاصيله، أو حراثة حقله أو ما شابه. ويحاول الإخوان ما أمكن حصر التعاون فيما بينهم تطبيقا لشروط الانقطاع والتخلي. على أية حال، فإن روح المشاركة والتعاون بينهم تبلغ حدودا قصوى. ويبذل الشيوخ الميسورون المال بكرم حاتمي لإخوانهم المحتاجين، والبذل يكون بطريقة سرية لكي لا يحس صاحب العلاقة بالإحراج أو الفضل.  
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.