spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 108
الـسـيـدة زهـيــة أمــــيـن تــقي الـدين (عبد الملك)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
كلمة العدد: لئلا نفتقد كل الكنوز طباعة ارسال لصديق
جلس شحاذ على الطريق لأكثر من ثلاثين سنة...وفى أحد الأيام، مر عليه رجل غريب عن المنطقة، فقال له الشحاذ : أعطني بعض المال. فأجابه الرجل قائلا: ليس لدى ما أعطيك، ولكن ما هو هذا الشيء الذي تجلس عليه؟ فأجابه الشحاذ: "إنه صندوق قديم أجلس عليه منذ زمن بعيد". قال الرجل: "هل حاولت أن تفتحه، لترى ما في داخله؟ "أجاب الشحاذ قائلا: "بالطبع لا، فلا يوجد في داخله أي شيء، فهو فارغ". ولكن مع إصرار الرجل على أن يرى الشحاذ ما في داخل الصندوق، فتحه ليصدم بوجود كنز من الذهب... واكتشف الشحاذ أنه عاش عمره كله شحاذًا، وهو يجلس على كنز من الذهب...
وهذا الشحاذ، لم يعرف أنه يجلس على كنز، لأنه تكاسل عن القيام بمجهود بسيط لفتح الصندوق، واعتمد على العمل السهل. أما نحن أبناء الطائفة التوحيدية الدرزية، فإننا نعلم أننا نملك كنوزا من الحكمة، والفلسفة، والآداب، والمعتقدات، والأفكار، والعلوم، ولا نستعملها، بالرغم من وجود العشرات من الذين يذكروننا دائما، بما نملكه، وبما لدينا، ونحن غافلون عن ذلك. وقد كنا في الماضي، أقرب إلى أنفسنا، وكياننا، وواقعنا، وتراثنا، مما نحن عليه الآن، فقد كان المجتمع التوحيدي في العصور الغابرة محافظا، متراصا،متماسكا، تقليديا، ومتدينا، ومع كل هذا، كان مجتمعا خلاقا، بناء، مثبتا وجوده وكيانه. ولا نقول إننا اخترعنا الذرة، لكننا، وقياسا مع المجتمعات الأخرى في نفس الوقت، والتي عاشت في نفس الظروف، واستعملت نفس الأدوات، كان لنا حضور، ووجود، واسم، وفعل. ويكفي أننا استطعنا أن نحافظ على أنفسنا، طوال ألف سنة، في أصعب الظروف، وأصعب الأوقات، دون أن نحصل على دعم من أحد، وذلك بقوانا الذاتية، وبإمكانياتنا المحدودة، لكننا كنا متمسكين بعقيدتنا، فخورين بتراثنا، ونهتم فقط، بما لدينا، وبما منحنا الله، من مواهب وإمكانيات وقدرات، ولم نستورد شيئا، ولم ننظر إلى الجوانب، ولم نهمل القليل الذي حصلنا عليه، لنستعمل غيره، وإنما، تركزنا فيما عندنا، وحاولنا أن نطوره، ونخلق منه الكثير، فوفقنا الله، واستطعنا أن نكون في مقدمة الأمم والشعوب في حينه، في الدين، والشجاعة، والكرم، والزراعة، والبناء، والقيادة، والشرف، والاعتبار.  وكان مصدر قوتنا في تلك الأزمان نابعا من وحدتنا، ومن إيماننا بأنفسنا وبإمكانياتنا.
وفي الآونة الأخيرة، وصل إلينا المد الحضاري، ونعمنا بالتقدم والانجازات والتكنولوجيا، والاكتشافات الهائلة، والاختراعات المذهلة. فانجرفنا وراء هذا السيل العارم من التطورات بدون تفكير، ولا اتزان، ولا تعقل، ولا تخطيط، أو تفحص، لما يغمرنا من وسائل وإمكانيات. ولا أقول إنه علينا أن ننعزل وننزوي عن العالم، وأن نبقى متأخرين مع وسائلنا القديمة، لكي نحافظ على كياننا، لا أقول ذلك، وبمقدورنا أن نستعمل كل التقنيات الحديثة وفي كل المجالات، لكنه بإمكاننا أن نحترم، ونقدر الأسس والقواعد الأصيلة التي بنينا على مر التاريخ، وأن ندمج بين الماضي والحاضر، وبين التراث والاختراع، وبين الأصلي والمستورد، وأن نصهر كل شيء خارجي في بوتقتنا نحن، ونكسبه الطابع اللائق، الذي يجعله مقبولا لدينا، ومألوفا على مجتمعنا، وفي نفس الوقت، فيه تنسيق وملائمة للعالم الخارجي المحيط بنا. وأود أن أعطي نموذجا للقدرات الهائلة الموجودة لدينا، والتي نتخلى عنها تدريجيا، ولكن ما زال فينا بعض العقلاء الذين يستعملونها، وهي الهدنة الأخيرة التي تم التوقيع عليها في قرية الرامة مؤخرا بين الفرقاء، وذلك بمبادرة من فضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف، ومجموعة من المشايخ والشخصيات العريقة في المجتمع. لقد أوجد مجتمعنا الشرقي ككل، والدرزي بصورة خاصة، عادة من أجمل العادات في العالم، وهي وجود لجان صلح في المجتمع، تقوم بالسعي لحل النزاعات، وخاصة الدموية منها، بين الناس، من أجل إحلال التوفيق والصلح، ولا تأخذ أجرا، ولا تتوقع أي مقابل. وذلك بدون أن يحتاج الأمر، الوصول إلى المحاكم والشرطة والمحامين، وإرهاق كواهل العائلات بالمصاريف الباهظة، إلى جانب المأساة التي هي موجودة فيها. وقد حُلّت في مجتمعنا عشرات المشاكل والقضايا بهذه الطريقة، التي نأمل أن تظل موجودة بيننا،  وأن يظل فاعلو الخير والوجهاء الكرام يقومون بهذا الدور سنوات طويلة. وإلى جانب هذه العادة، يمكننا أن نذكر عشرات العادات الأخرى، مثل تقديم العون والمساعدة للمنكوبين، ومثل فتح البيوت أمام الطريدين والمظلومين، وغير ذلك من الأمور التي بدأت تختفي وتندثر.
وزيادة عن ذلك، لدينا تراث عظيم، وتاريخ حافل بالأحداث والعبر والعظات، ولدينا كتب، ومدونات، تصف سلوكنا وتصرفاتنا وأعمالنا على مرّ التاريخ، وفيها دروس، وفيها يمكن أن نتعلم الكثير، كيف نواجه الحياة الحديثة، وكيف نستطيع أن نقوم بكل واجباتنا، وكل التزاماتنا، من خلال استغلال الإمكانيات والموارد المتوفرة لدينا. نحن نكون أغبياء، إذا أهملنا ما تعرضه علينا الحضارة، وعلينا أن نسايرها، ونأخذ منها ما يفيدنا ويساعدنا، بتقنين منسّق وواضح ومعقول، ولكن، ليس علينا أن نتنكر لكل ما عهدنا في مجتمعنا، وان نتنازل عن كل ما ادخرنا واكتسبنا، وأن نتجرد من كل الفضائل والقيَم التي دعانا عقلاءنا إليها، وأن لا ننجرف بشكل مستميت ومتدهور، وبلا أي حساب، وراء أي صرخة، أو موضة، أو تقليعة تلوح في الأفق. إن من تجوّل في القرية الدرزية قبل عشرين سنة، شاهد واقعا معيّنا، ومن يتجوّل فيها اليوم، يعتقد أنه موجود في بلد آخر، فقد تغير الكثير في القرية الدرزية، ليس فقط المظهر الخارجي للبيوت، وإنما لباسنا، تصرفاتنا، تحركاتنا، علاقاتنا الاجتماعية ،معاملتنا واحدنا للآخر وأشياء كثيرة أخرى. في عيد الأضحى، كانت كل قرية تعج بالحركة وبالبهجة والسرور والأولاد والتنقلات. واليوم، تمر في أي قرية، وتعتقد أنها موجودة في منع تجول. فلا أحد في الشارع، لأن الجميع، ترك القرية، وسافر أو إلى إيلات، أو عبر المحيطات. وفي أيام الأفراح، كنت تترقب الفرح الذي كان يستمر على الأقل أسبوعا، مليئا بالدبكات، والحداء، والأهازيج، والرقصات، والسهرات، التي كانت تجمع كل أبناء المجتمع، الرجال على حدة، والنساء على حدة، واليوم تقلص العرس إلى ربع ساعة  لا غير. وهكذا أمور كثيرة أخرى تغيرت، وبقيت لدينا بعض العناصر القليلة فقط، منها  عنصران، ما زالا بقايا من  كنوزنا، التي نعتز ونفتخر بها، الأول هو مشاركتنا في العزاء، وفي الاجتماع في بيوت الشعب، ومواساة أهل الفقيد. ويمكننا أن نقول، إن موقف العزاء لدينا، هو من أروع، ومن أكثر المواقف احتراما ووقارا في العالم، وكثيرون يحسدوننا على ذلك، ويتمنون أن يتبنوا شيئا منه. وربما رهبة الموت هي التي جعلتنا نحافظ على هذا العنصر، ونتنازل عن العناصر الأخرى، التي لا تقلّ هي احتراما وتقديرا عن هذا. والثاني، هو الزيارات الموسمية الرسمية لمقاماتنا التي ما زالت، والحمد لله، تجمع أعدادا كبيرة من المشايخ والشباب والأولاد في باحات المقامات الشريفة، بحيث يرى واحدنا الآخر، ويحييه، ويلتقي به، ويجدد علاقته بالناس.    
وها نحن اليوم، نلمس جوهرة أخرى، من كنوزنا، حيث نلتقي في زيارة مقام سيدنا الخضر عليه السلام في كفر ياسيف، نتبارك، ونجتمع، ونبتهل إلى الله، سبحانه وتعالى، أن يحمي إخواننا عبر الحدود، وأن يزيل عنهم هذه المحنة. وندعوه، جل جلاله، أن يحافظ علينا هنا، وأن يديم النعمة علينا، وأن يرعانا. وكل ما هو مطلوب منا، هو أن نحاول أن نحافظ، على القليل، القليل،  من تلك الكنوز المفقودة، التي كانت تملأ كياننا، بهجة، وسعادة، ووقار. 

وكل عام وأنتم بخير


سميح ناطور

دالية الكرمل
كانون ثان 2015

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.