spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 92
ذوات النقاب الأبـيض: المرأة المتدينة في تاريخ الطـائفة حديثا
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
خمسون سنة لترميم مقام سيدنا الخضر (ع): ينابيع الإيمان طباعة ارسال لصديق
بقلم فضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف
 الرئيس الروحي للطائفة الدرز
بسم الله الرحمن الرحيم
في كل عام, في مثل هذا الوقت, وعندما تتلبد الغيوم،  ويكفهر الجو،  وتنذر السماء بهطول المطر، وحلول الغيث،  تتهلل  أساريرنا وتنفرج، لمقدم الخير, مع اقتراب حلول الزيارة السنوية, لمقام سيدنا الخضر عليه السلام، في قرية كفرياسيف الجليلية, فيحيا نبات الأرض، وتخضرُّ بخضرتهِ مروجنا وجبالنا والقفار,  وليس هذا صدفة، في أن يُطلقُ  اسم الخضر، على نبينا وسيدنا الكريم, نبي الله الخضر, عليه السلام, لأن الأرض تخضر أينما وطأت قدماه المباركتان. ومع حلول زيارته الكريمة, في أواخر كانون ثاني من كل سنة, تكون الأرض في أوج اخضرارها, بعد أن هطلت الأمطار، وأفاقت السهول والجبال مِن سباتها، وانتعش نباتها. وهكذا نحن, تخضر الأرض حولنا, ويخضر الإيمان في نفوسنا, مع اقتراب الزيارة وبما تحتويه من معانٍ ومشاعرٍ وأحاسيس, وبالالتقاء بالجموع الكريمة, مِن رجال الدين والعلمانيين،  والضيوف من المهنئين, مُلتقين، مُتفقين على متابعة المسيرة التوحيدية, بإذن الله, وعونهِ تعالى.
لقد بعث الله إلينا الأنبياء والأولياء الصالحين, هداية منهُ لنا، لسلوك طريق الخير, ولانتهاج سبيل المحبة, وللسير على دروب الخير وصالح الأعمال, وهكذا توالى ظهور الرسل إلى البشرية, منذ خلق الكون. كل نبي, وكل رسول, وكل مبعوث من قِبل الله سبحانه وتعالى, أضاف بدورهِ لبنة أخرى إلى بنيان التوحيد, وإلى عملية الإيمان بالله سبحانه وتعالى, وإلى الدعوة للتقوى, والتدين, والبر, والإصلاح, بغية تنقية الأجواء بين الناس, والتوفيق بين الفرقاء, والتقريب بين المتخاصمين, وإزالة بواعث الحقد والضغينة, ومنع أعمال العنف والشر والدسائس, وإرشاد الناس إلى مخافة الله, وبمخافة الله  يولد الردع لأي عمل غير أخلاقي, أو غير إنساني. هكذا يمكن أن يُبنى مجتمع صالح نقي طاهر, مليء بالفضائل والكرامات والأعمال الحسنة.
 لقد قرآنا الكثير, وسمعنا القصص، عن أولئك الذين حالفهم الحظ، وعاشوا في العصور التي بُعث بها الأنبياء, وشاهدوهم, ورافقوهم, وسعدوا واستمتعوا بلقائهم وبمواجهتهم, وبالتقرّب منهم. ومرّت بالخليقةِ الدهور والأعوام والشهور، وأصبح الأنبياء, بالنسبة لنا, الذكرى الطيبة الخالدة, نتبارك بهم وبذكرهم, ونلتمس شفاعتهم لدى الله, جل ذكرهُ وعلا. وقد شُيدت المقامات المقدسة، لتُذكرنا بالأنبياء الكرام, الذين، وإن تركونا, فقد تركوا لنا إرثا ضخما من العقيدة الراسخة، والإيمان الثابت, ومن المبادئ والأعراف والأخلاقيات, والتي نعتبرها, هي هي, ينابيع الإيمان والحقيقة وروافدها. فكل مقام أو مزار أو ضريح لنبي, يزيد من زخم العقيدة والإيمان في نفوس أولئك الذين يحملون شُعلة التوحيد, ويهتمون بشؤون أنبيائهِ وأوليائهِ الصالحين. إن وجود أي مقام, في أي مكان،  يكسب هذا الموقع, هالة من القداسة والاحترام, لأن طبيعة الإنسان, حتى ولو كان إيمانه قليلا, أن يكون في قلبه خوف ورهبة من الله سبحانه وتعالى, ومن أوليائه الصالحين. وكلما مرّ الإنسان بجانب أي مقام, وكلما تذكره, أو فكر فيه, أو في صاحبه, يتحرّك شيئ في داخله, وفي نفسيته, يوجههُ إلى  الطريق الصحيح, ويبعدهُ عن الشبهات والشهوات والرذائل .
فلعملية زيارة المقامات, سواء في زيارات رسمية ومواعيد ثابتة, أم على الصعيد الشخصي,  أهمية كبيرة, لترويض النفس، وتهيئتها لعمل الخير, وللصلح والمحبة وعمل الصالحات, وللقيام  بكل ما دعا الله إليه, ولتجنب كل ما نهى عنه.
ونحن, وعندما نجتمع في المقامات الشريفة, في الزيارات العمومية,  نقوم بعدة فرائض, في آن واحد. نذكر الله سبحانه وتعالى, ونصلي لهُ، مجددين الولاء الراسخ والثابت، الذي لم تشوبهُ شائبةٌ, متقيدون بالقوانين والشرائع التي شرعها لنا,  والمتطلبات والفرائض والواجبات الملقاة على عواتق المؤمنين, نلتقي بإخوان الدين, ونتحدث إليهم, نتشاور في أمور الدين ونتبادل الآراء حول مواضيع حياتية شتى, ونحافظ على الصلة معهم, خاصة في هذه الأوقات, التي أصبح الناس فيها مشغولين بأمور كثيرة, أخذت العلاقات الاجتماعية فيها تخف وتقل حتى التلاشي في بعض المجتمعات. كما وأن هذه الزيارات،  تزودنا بالأمان الجماعي, وبالشعور في أننا ننتمي إلى مجموعة,  لها تاريخها وأصولها وماضيها العريق، وأهدافها السامية وعقيدتها وانجازاتها, والأهم من هذا كُلهُ أننا نتزود, أثناء زيارتنا للمقامات, بطاقات جديدة من الإيمان من منابعهِ, مِن مقامات أنبياء الله سبحانهُ, ومن مرابض أوليائهِ الصالحين,  ونُجدد العهد بالمحافظة على العهود والمواثيق التي تعهدنا بالعمل بما تمليهِ علينا, عبر محطات حياتنا, عبر التاريخ, تجاه الخالق جل جلالهُ,  ورسله الكرام .
 ومع اقتراب الزيارة المباركة للمقام الشريف في قريةِ كفر ياسيف, ونحن نحتفل بالزيارة, نحتفل كذلك  بمرور ما يربو على الخمسين عاماً مضت، على عملية الترميم الأولى للمقام الشريف,  والتي قام بها جدنا وسيدنا، المرحوم الشيخ أمين, وهنا أتقدم بخالص التحيات والتهاني, إلى جميع أبناء الطائفة الدرزية في البلاد, راجيا من الله, سبحانه وتعالى, أن يوفقهم ويرعاهم, ويحقق أمانيهم, وأن يحافظ على سلامتهم, ووجودهم, وبقائهم في معاقلهم, معززين مكرمين,  يحظون بالحرية, والعزة, والاحترام  والتقدير. كما أحيي كافة الإخوة الموحدين الدروز, في سوريا, ولبنان, والأردن, وكل مكان, بمناسبة هذه الزيارة الكريمة, متمنيا على الله, سبحانه وتعالى, أن يستتب الأمن والهدوء في ديارهم, وأن يعوضهم عن كل ما فقدوا في التطورات الأخيرة خيراً, وأن يرعاهم، ويؤمن سلامتهم، وأن يمد في أعمارهم، وأن يعيد الاستقرار والطمأنينة إلى قلوبهم, وأن تزول الغيوم السوداء التي خيمت في أجوائهم،  وأن تعود البسمات إلى وجوه أولادهم, وأن يستمتعوا بالاخضرار في سهولهم, وأن يظل إيمانهم راسخا في قلوبهم, وأن يجتازوا المحن التي واجهتهم, وأن يجتمعوا في مقاماتهم, وتحت رعاية أوليائهم أولياء الله الصالحين بينهم, وهم ينعمون بالراحة وهداة البال والطمأنينة والاحترام المتبادل بين الجميع.
وأعود لأطالب  أبناء طائفتي, أبناء معروف, وخاصة الشباب منهم, أن يحافظوا على جذورهم  وتقاليدهم  وعاداتهم الحميدة, وعلى الأسس التوحيدية الروحانية الراسخة, التي تربى عليها آباؤهم وأجدادهم. كما وأحثهم على طلب العلم والمعرفة  والرقي, للوصول إلى أعلى المراتب, وأن يكونوا سبباً لأن نفخر بهم، فنرفع رؤوسنا عالياً بما يجنون. على كواهلكم, أيها الشباب, تقع المسئولية بالنهوض بالطائفةِ والسير بها قُدُماً, والوصول بها  إلى مكانةٍ حضاريةٍ  عاليةٍ راقية،بين الأمم والشعوب.
دُمتُم لنا ذُخراً , وكل عام وانتم بخير   .  . 
 
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.