spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 12
معرة النعمان
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 148
العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144


 
الحرمان الديني لا يكفي طباعة ارسال لصديق
بقلم الأستاذ  أمير خنيفس -جامعة لندن
لقد طوّر أبناء الطائفة الدرزية في البلاد، كالكثير من المجموعات الثقافية والأقليات في المنطقة، سلسلة من التقاليد والأعراف والعادات، تداولوها عبر السنين، ليحافظوا على بقائهم، كمجموعة  ثقافية مميزة، في عالمنا متعدد الثقافات والشعوب، التي تختلف عن بعضها البعض، بلون بشرتها، بزيها الخارجي، بماضيها التاريخي، بلغة الأم واللهجة التي يتداولونها، وبالطبع بالعادات والتقاليد التي يمارسونها.
من بين العادات التي تميز أبناء الطائفة، الدعم والمؤازرة، حفظ الجار، حماية الطريد، وأمور كثيرة أخرى، أهمها المشاركة في المناسبات، كالأعراس والأتراح، خاصة وأن الأغلبية الساحقة من أبنائها، ترى بنفسها، أبناء للعائلة المعروفية الكبيرة الواحدة. وفي الواقع، ترحب الأغلبية الساحقة منهم، باللباس المحتشم عند الجنسين،والمظهر اللائق، والتصرف اللبق،بشكل عام  وخاصة في المناسبات الاجتماعية، وهي ترفض مظاهر تعاطي الكحول والمخدرات والسموم والمشروبات الروحية وغيرها، ولهذا السبب  يفضل غالبية المواطنين الدروز، بقاء القرى الدرزية، قرى غير مختلطة، لا يعيش فيها سكان غرباء، ومن أبناء ثقافات اجتماعية أخرى، لها عادات وأساليب معيشة تختلف عن الواقع الدرزي.
إن تبني وتطوير وانتهاج مثل هذه العادات والأعراف، ليس بالأمر الخاص بالدروز فقط، بل هو موضوع متّبع، عند أغلبية المجموعات الثقافية والأقليات والشعوب والأديان والطوائف، التي تقوم بتطوير المركّبات والعناصر والمقومات الخاصة بها والتي تميزها وتعودت عليها لتساعدها في الحفاظ على هويتها الثقافية التي ترتاح في العيش معها وتميزها عن ثقافات أخرى تعيش في محيطها-وهذا  الأمر  يحتّم ويفرض على أفراد هذه المجموعات  المختلفة احترام المركّبات والعناصر التي تميزها عن غيرها وعدم التنازل عنها.هكذا نرى أن الدروز لا يتناولون الطعام أو الشراب عند تقديم واجب العزاء، ونرى كيف يركع الإنجليز للعرش الملكي، وكيف يعتزّ الأشوريون بملابسهم، ويربّي السيخ في الهند شعورهم، ويحتفل الأوزراستيان بعيد النار، وتزيّن القبائل البرازيلية الأمازون،  ويطلق الأكراد موسيقاهم، ويصارع الباسكيون الثيران، ومثلهم يصارع التاميل في سرلينكا العجول وعشرات من الأمثلة الأخرى الموجودة في العالم.
من هنا نرى أنه  تشكل محاولة الحفاظ على جزء من عاداتنا وتقاليدنا، وبذلك الحفاظ علينا، كمجموعة ثقافية مميزة، مشكلة ثقافية حضارية دستورية في دولة إسرائيل. لأن الدولة وأجهزتها الرسمية ذات قوة التأثير والميزانيات، تعمل جاهدة من أجل الحفاظ على المركبات الثقافية عند مجموعة الأغلبية اليهودية، والشعب اليهودي بشكل مميز. وهي تقوم بذلك من خلال وزارة الثقافة، وبالتعاون مع وزارات أخرى.وهي بذلك تفرض قوانين الأغلبية وعاداتها ولا تأخذ دائما بعين الاعتبار المتطلبات الخاصة للأقليات.
 ويصبح  الأمر أكثر تعقيدا،ً عندما نجد بأن جزءًا كبيرًا من مركّباتنا الثقافية، يتناقض أحيانا مع قوانين الدولة. فمثلا، في حين، تفرض الدولة على كل مواطن احترامها، نرى، محاولة جزء من سكان قرية عسفيا، المحافظة على قريتهم  من معيشة الغرباء بينهم،  بعد أن أصبح واضحًا لهم بأن الموضوع قضية وقت، حتى تفقد العائلات الأصلية للبلدة السيطرة، يتناقض مع قوانين الدولة، التي تعطي الحق لكل مواطن العيش أينما يشاء.
أضف إلى ذلك كله، بأن أعدادا من أبناء الجيل الصاعد، تعيش حالة من التناقضات، بين جزء كبير من هذه المركبات الثقافية، ومتطلبات القرن الواحد والعشرين، خاصة وأن  معايير النجاح، أصبحت كثيراً ما تقاس بحسب نسبة عدد الأرقام في الحساب البنكي، وليس بحسب احترام المجموعة ومركباتها الثقافية.
وتحاول مؤسساتنا الدينية أن تحمينا من التأثير الخارجي والانجراف المدني أحيانا بواسطة الحرمان الديني. إن محاولة الحفاظ على جزء من مركّباتنا الثقافية، من خلال الحرمان الديني، اتجاه كل من يهدد هذه المركبات، هو غير كاف، خاصةً وان الكثيرين من أبناء الطائفة، ربما يعرفون أنفسهم بأنهم من الدروز وأبناء مذهب التوحيد، ولكنّ الكثيرين منهم لا يمارسون القيم الدينية بشكل يومي. أضف إلى ذلك، بان الكثير من هذه الأعراف والعادات غير محددة في كتب التوحيد الدينية، بل تطورت عبر السنين، كنتيجة تعاهدات اجتماعية .
من هذا المنطلق، على القوى السياسية والاجتماعية العاملة في قرانا، التعاون مع بعضها، من أجل الحفاظ على المركبات الثقافية المميزة، واتخاذ مواقف شجاعة، اتجاه من يهدد كياننا، كمجموعة ثقافية، وعدم التسلح بالحرمان الديني فقط، والذي أصبح في كثير من الأحيان، هروبًا من المسؤولية، ليس فقط لأن مسؤولية تكسير مثل هذه المركبات الثقافية، لا تقع على أهل الدين وحدهم، وهي تقع على الزعامة السياسية والقوى الطائفية والمثقفين والوجهاء والمسئولين في كافة المجالات. 
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.