spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 138
العنف، لا مكان له، في المجتمع الدرزي الحقيقي
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144
العدد 143


 
من القصص الشعبية : الفلاح البائس طباعة ارسال لصديق
 بقلم الشيخ أبو توفيق سليمان سيف – يانوح

  يُحكى أنه عاش في غابر الأزمان رجل فلاح نظيف يحب أرضه كثيرا، وكانت كُنيته "أبو سليم".وكان على جانب كبير من التفاهم مع زوجته "أم سليم" . وكان كريما، شجاعا لا يهاب الموت.
كان أبو سليم يملك بضع دونمات من الأرض وكرم زيتون، وكان لديه بقرتان يحرث عليهما أرضه وتحلبان قدرا لا بأس به من الحليب، مما ساعده في إعالة أولاده وأهل بيته. وفي يوم من الأيام شاء القدر أن تمرض إحدى البقرات، مما أدخل البؤس والحزن في قلوب العائلة جميعا وخاصة أبي سليم.
قامت أم سليم بجميع المحاولات لإشفاء البقرة المريضة، فقدّمت لها العلف والعشب والماء، بعد أن قرأت عليها كل ما تعرفه من نفخات ورقوات، سائلة المولى، عز وجل أن يشفي لها البقرة، وأن يعيد الفرحة والسرور إلى نفوس العائلة. مرّت ثلاث ليالٍ وحال البقرة لم يتغيّر، وفي اليوم الرابع قرّر أبو سليم أن يخرج مع بقرته إلى المرعى، لعل ذلك يحسّن من بقرته المريضة. وفي خلال وجوده بالمرعى شاهد أن البقرة المعافاة كانت ترعى بنهم وشراهة، حتى أكلت العشب الأخضر ما جعل بطنها ينتفخ. أما البقرة المريضة فلم تأكل من العشب إلا القليل، وقضت معظم وقتها نائمة تتألم وتئنّ.
وعند غروب الشمس عاد أبو سليم مع بقرتيه من المرعى إلى البيت. حيث كانت أم سليم بانتظاره، وحين وصوله قدّمت أم سليم الماء للبقرات فشربت المعافاة ماء كثيرا، أمّا المريضة فلم تشرب إلا القليل وأدخلتهما إلى الإسطبل. وبعدها عادت لتقدّم طعام العشاء إلى زوجها المخلص أبو سليم. تناول أبو سليم طعام العشاء، وبعدها احتسى الشاي، وسهرا حتى ساعة متأخرة من الليل. وعندما حان وقت النوم ذهبت أم سليم لتطمئن على حال البقرة المريضة فلاحظت أن حالها ازداد سوءً.
عادت إلى زوجها وقالت له: يا أبا سليم يبدو أن حال البقرة يزداد سوء، فما رأيك أن تحضر السكين الكبير وتجلخه، وإن ساء وضعها أكثر في الليل، اذبحها لنتعوض بشيء ما من لحمها. وعندها العوض بالله، سبحانه وتعالى. قبِل أبو سليم الرأي وحضّر السكين وجعله على أحسن حال.
وبعد منتصف الليل بساعتين حيث كانت أم سليم وأبناؤها مستغرقون بالنوم، سمع أبو سليم حركة في الإسطبل. فنهض من نومه مسرعا، حاملا بيده السكين ظانا منه أن البقرة المريضة تلفظ أنفاسها الأخيرة. وما أن وصل إلى الإسطبل، حيث الظلام الدامس، وكان في يده سراج بصعوبة كان ينير طريقه. فكانت البقرتان مستلقيتان على الأرض. وعلى ما يبدو أن البقرة المعافاة من لذة الطعام والماء الذي تناولتهما خلال النهار، كانت في غاية السعادة والسرور، مما جعلها تلبط وتتقلب من جنب إلى جنب. وعندما رأى ذلك أبو سليم،  قام بذبح البقرة، ظنا منه أنها البقرة المريضة، وأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة. فقام بذبحها مستعوضا بالله. وعاد حزينا إلى فراشه. وعند الفجر نهض أبو سليم وأفراد عائلته جميعا، فنظرت زوجته إلى وجهه، ورأت عليه علامات الحزن مما لم تعهده فيه من قبل.
فسألته : ما بك يا أبا سليم؟ ما هذا الشحوب الذي يظهر على وجهك؟ هل حدث للبقرة سوء؟ هل أنت مريض؟ ولكن أبا سليم بقي صامتا ولم ينبس ببنت شفة.
فأدركت أم سليم أن لا بد من سوء قد حدث، فألحّت عليه بالسؤال ماذا جرى؟ فأجابها بصوت خافت : لقد ماتت البقرة المريضة، ولم يبق عندنا سوى البقرة المعافاة. ثم أجهش بالبكاء وتساءل كيف لنا أن نحرث الأرض ونفلحها؟ وكيف سنحرث كرم الزيتون؟ فحزنت أم سليم اشد الحزن على حال زوجها وعلى البقرة. ولكن سرعان ما تذكّرت أن لا حول ولا قوة أمام إرادة الله سبحانه وتعالى. فقالت في نفسها: إنها إرادة الله، إنه القضاء والقدر وما علينا أمام ذلك إلا الرضا والتسليم.
فبدأت تهدئ زوجها الحزين وتعظ عليه قاصدة من ذلك تخفيف آلامه وحزنه الثقيل من شدة المصاب. فشكرها زوجها على مواساتها إياه واتفقا على أن ذلك مشيئة القضاء والقدر وما عليهما إلا الصبر لعل الله يعوض عليهما بشيء آخر. وبعد ذلك قالت أم سليم لزوجها: ما عليك! هات السكين والميزان والحقني إلى الإسطبل، لنسلخ جلد البقرة ونوزع لحمها على الجيران والأصدقاء.
فهمّ أبو سليم وأخذ السكين وذهبا إلى الإسطبل، وحين وصولهما اكتشفا أن أبا سليم قد ذبح بالخطأ البقرة المعافاة، فهناك وقعت الطامة الكبرى، ومن شدة الفاجعة وهول المصيبة، وقعت أم سليم على الأرض مغميا عليها، ومرّت عليهما ساعة يا لها من ساعة ممزوجة بالحزن والأسى والهمّ والندم والغضب والإحباط. ولكن بعد برهة من الزمن لملما بعضهما، وعادا إلى البيت مكسوري الخاطر، حزينين نادمين، حيث خيّم الحزن والأسى على عائلة أبي سليم عامة. وبعد ثلاث أيام، هدأت الأحوال واستعوض الزوجان وسلّما أمرهما لله. ومع مرور الأيام القليلة، أصبحت الأرض بحاجة ماسة للحرث ولكن. وعندها تذكرت أم سليم أن لها عمّة متزوجة من رجل ثري جدا في قرية  جث المجاورة، وتربطهما علاقة طيبة وحسنة مع بيت عمتها. فتوجّهت إلى زوجها مكسورة الخاطر وقالت له: يا أبا سليم إن الأرض أصبحت بحاجة إلى الحرث،فما رأيك أن تذهب إلى دار عمتي في جث، وتطلب منها مبلغا من المال، نشتري به حمارا نحرث عليه الأرض، في هذا الموسم، ريثما تتدبر الأمور، وتتحسن الأحوال، وعندها نتمكن من شراء فدان جديد وقوي. قبل الزوج الرأي وتوجّه إلى قرية جث، وعندما وصل إلى بيت عمة أم سليم، استقبلوه أحسن استقبال وأكرموه، وعند انتهاء الضيافة توجّه أبو سليم إلى عمّة أم سليم وزوجها، وقصّ عليهما ما جرى له.
فدبّت النخوة فيهما وقالوا له: لا تحمل الهمّ  يا أبا سليم، فنحن أهل وأقرباء، همكم يهمنا ويقلقنا، وفرحكم يفرحنا ويسعدنا، وهمّت عمة أم سليم بوضع المبلغ المطلوب من المال في محرمة، ولفّت المحرمة وقدمتها له ليوصلها إلى زوجة ابنة أخيها فشكرها جزيل الشكر.
وقالت له: إيّاك أن تتردد عن طلب أي غرض تحتاجه. فسًرّ أبو سليم اشد السرور، واستأذن بالخروج، وهمّ بالقيام شاكرا أهل البيت على جميلهم له، وعندما وصل الباب، تذكّرت عمة أم سليم، كيف يمكن أن يعود أبو سليم إلى ابنة أخيها دون أن ترسل معه هدية لابنة أخيها.   فنادته بصوت عالٍ : تمهّل يا أبا سليم. انتظر. وذهبت للحظات خلف الدار، وعادت مع دجاجة كانت قد وضعتها في سلة قدمتها إلى أبي سليم قائلة له:خذ هذه الدجاجة إلى أم سليم لتربّخها على البيض، وإن شاء الله سيصبح وراءها الكثير من الصيصان. فشكرها مرة أخرى على كرمها ، وانصرف عائدا إلى بيته.
وعند وصوله إلى مخرج قريته، وجد أن لديه متسع من الوقت، فقال في نفسه أعرّج على البركة القريبة، أتسلق قليلا من الزعتر والعلت، ثم استحم في البركة، وبعدها أعود إلى البيت. جمع في طريقه إلى البركة  قليلا من الزعتر والعلت، وعند الظهر، وصل إلى البركة، حيث كان الطقس حارا. استراح قليلا، ثم خلع ملابسه ليستحم في البركة. وقبل نزوله إلى الماء،وضع مبلغ المال في جيب ثوبه، ثم قام بوضع ثوبه وسرواله في كيس صغير، وربط الكيس برجل الدجاجة، ثم شكّل جناحي الدجاجة، ووضع حجرا صغيرا في الكيس، كي لا تتمكّن الدجاجة من الهرب.
نزل أبو سليم إلى الماء ليستحم، وبينما هو في غاية الانبساط والسرور، نظر إلى السماء، فرأى نسرا كبيرا كان يحوم فوقه بهدوء واسترخاء، وكأنه يغازله ويتسلى معه، وكأنهما استأنسا الواحد للآخر. وما أن مضت دقائق قليلة، حتى وقع نظر النسر على الدجاجة، فسُرّ النسر لملاقاة تلك الفريسة الشهية، فدار دورتين سريعتين حول البركة استعدادا للهبوط السريع. وفي الدورة الثالثة، وصل النسر إلى قمة السرعة، ووجّه مخالبه المفتوحة نحو الأرض، وهبط مثل لمح البصر نحو الدجاجة المسكينة، ملتقطا إياها بمخالبه، وارتفع بها نحو السماء، حاملا معها ملابس أبي سليم والمال، متوجها نحو الشرق. هبط قلب أبو سليم من شدة هول المصاب، وخرج كالسهم من الماء يصرخ وينادي على النسر، لعل الدجاجة وملابسه يفلتان من مخالبه، ولكن هيهات أن تحدث المعجزة. فراح يركض وراء النسر لعله يرى أين يهبط، ولكن بشكل مفاجئ، غاب النسر عن ناظريه، ولم يعد له أي أمل باللحاق به. وعندها عاد إلى البركة، وكأن هموم الدنيا كلها نزلت على رأسه. وبدأ يتذكر قصته من البقرتين ومع الدجاجة ومبلغ المال، والأصعب من ذلك ملابسه. وبدا يتساءل كيف أعود إلى البيت عاريا ؟ فلم يجد حلا أفضل من البقاء في البرية، حتى يخيم الظلام، وعندها يرجع متسترا بالظلام إلى البيت وهكذا فعل.
في هذه الأثناء، كانت أم سليم تنتظر عودة زوجها على أحر من الجمر، لأنها لم تعهد أبا سليم يتأخر في سفراته. فقد احتارت اشد الحيرة، وبدأت تفرك يديها وتقول: ربما جرى له مكروه. وبين الفينة والأخرى، تبتهل إلى الله، عز وجل، طالبة أن يعيده إلى أولاده سالما. أحست جارتها أم جبر بأن شيئا ما غير طبيعي يجري في بيت جارتها، فذهبت لتقصي الأمور، فوجدتها في غاية الحيرة والشدة والحزن. سألتها ما الخبر؟ فقصّت عليها أم سليم خبر ذهاب زوجها وأنه حتى الآن لم يعد، وبدأت تهدئ من روعها، وبينما هن في هذه الحال، فجأة سمعتا صوتا هاتفا يخترق الظلام، مناديا: أم سليم، فهبّت أم سليم مسرعة إلى الباب، وما أن فتحت الباب، حتى سمعت صوتا يقول لها: أعطني يا أم سليم هدومي من الخزانة. فاقتربت منه، وإذا هو زوجها المخلص، فقام بوضع كف يديه على فمها طالبا منها الصمت والهدوء... وعندها عادت إلى البيت وأخذت الهدوم إلى زوجها، ثم عادت لتطمئن جارتها "أم جبر بعودة زوجها سالما. 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.