spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 93
العلاقات الدرزية المسيحية في أعقاب زيارة البابا للبلاد
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 148
العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144


 
الطائفة الدرزية مقتنعة بتراثها، ومبادئها، وعقائدها طباعة ارسال لصديق
بقلم فضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف
 الرئيس الروحي للطائفة الدرزية
بسم الله الرحمن الرحيم
تمرّ على الطائفة المعروفية، في الآونة الأخيرة، ظروف وأوضاع قاسية، تقض مضاجع أبناءها، وتؤثر سلبيا، بشكل ملحوظ على مجرى الحياة في أوساطها، وتشكّل خطورة وتهديدا لنقائها وبقائها كما أراد الباري لها، ولاستمرارية وجودها بالشكل الذي تعوّدت عليه. وهذا الوضع غير المريح، يشمل إخوتنا في سوريا ولبنان، وكذلك ألأهل في هذه البلاد.
ففي سوريا يعيش اخواننا الدروز حرباً أهليةً فتّاكة، أدّت إلى مقتل عشرات الآلاف من المواطنين من كافة الطوائف، وإلى تهجير الملايين من المواطنين السوريين، وإلى شلّ الاقتصاد والثقافة والعلم وسائر الأمور التي ينعم الإنسان بوجودها في الظروف العادية. وقد فقدت الطائفة الدرزية في سوريا حتى الآن، في هذه الحرب الأهلية، عددا كبيرا من خيرة أبنائها وقادتها، الذين استشهدوا أثناء خدمتهم في الجيش النظامي، وإلى جانبهم عددا من الذين انضموا إلى الثوار، بالإضافة إلى المواطنين الدروز الأبرياء، الذين استشهدوا أثناء تنقلاتهم أو في بيوتهم.
 وفي لبنان, يهدّد إخواننا مصير مماثل، فيما لو اندلعت هذه الحرب هناك, لا سمح الله وقدر. وبدورنا, نُصلي من اجلهم, ومِن أجل أن يحل السلام في بلادهم, وأن يعود إليها الأمن والأمان، وكُلُنا ثقة، في أن القيادات  الدينية، السياسية، الأهلية والعامة هناك، بعونه تعالى، تعمل كل ما بوسعها، لكي تخفف من وطأة أهوال تلك الحرب، ولكي تحافظ على كيان الطائفة هناك، و تساعد الأهل في تخطّي هذه الأزمة القاسية،  التي يمرون بها, وعلى اجتيازها بسلام.  ونحن, من هنا، نبتهل إلى الله، سبحانه وتعالى، ونطلب منهُ، أن يرأف بهم وبجميع أهل تلك البلاد، وأن يحلّ الأزمة التي يعيشونها، وأن يجعل طائفتنا  مصانة  محمية مَرعية  شامخة, مُنضوية تحت لواء التوحيد والإيمان, وبدورنا, لو طُلبوا منا مد يد العون لهم، سنكون أقرب إليهم مِنهم إلى حِبال أوردتهم ..
أما في بلادنا، فها نحن نرى ونلمس،  تأزّم الأوضاع الأمنية في الدولة، ووقوع حوادث شغب كثيرة، يروح ضحيتها الكثير من الأبرياء مِن الطرفين، ويتزعزع الشعور بالأمن لدى المواطنين بشكل عام، وتزداد حده التوتر بين أبناء الشعبين، وهذا الوضع يؤثر بشكل مباشر علينا, أبناء الطائفة الدرزية، كون أبنائنا  يخدمون في صفوف قوى الأمن،  مِن جهةٍ, وفي نفس الوقت، تربطنا بالمواطنين العرب علاقات جوار، وروابط ثقافية واجتماعية واسعة الاطار. وتمشيا مع مبادئ الطائفة الدرزية، التي تنادي بالتحاور  والتفاوض  والتفاهم، لحل الخلافات والمشاكل بين الدول والشعوب، وتنبذ العنف والقتال واستعمال القوة كوسيلة لحل المشاكل أو لفرض رأي معين، فقد استطاعت الطائفة الدرزية حتى الآن، أن تحافظ على موقف سليم، يخدم مصالحها أولا،  ويتماشى مع وجودها وكيانها ومعيشتها إلى جوار طوائف أخرى، متنازعة مُتنافرة.
الطائفة الدرزية,  منذ وجودها وحتى اليوم، تجنح دائما إلى السلم  والصلح  والتفاهم، وإن صادف وجهاؤها  موقع خلاف عند الآخرين، فهم يحاولون دائما إصلاح ذات البين، وأن تلعب  الطائفة دور جسر السلام.  ومن عادات أبناء الطائفة، أن  لا يعتدوا على  أحد. وقد عانت الطائفة كثيرا, لكونها اتخذت موقف المواطنة الصالحة في البلاد، وقامت بتأدية كافة واجباتها وفروضها اتجاه مجتمعها ودولتها، تمشيا مع سياستها العامة،  التي تتلخص في احترام القانون، والكيان، والدولة، التي تعيش فيها، طالما تحافظ هذه الدولة على كرامتها، ولا تعتدي على خصوصياتها. وقد احتدم الصراع في الآونة الأخيرة في بلادنا،  إثر الاعتداءات المتكررة من قِبل طرفي الخصام, حول أمور دينية وسياسة, جذبتنا الى داخلها  دون أن يكون لنا, نحن أبناء الطائفة الدرزية, أي دور في الموضوع. وبفضل كون هذه الدولة، دولة ديمقراطية،   فقد تنوعت الأفكار لدى الناس فيها،  وتشعبت، وأصبح لكل مواطن رأيه وموقفه، وليس فقط اتجاه همومه ومشاكله الشخصية، وإنما اتجاه مراكز الثِقل في الطائفة، ومواقف رجالاتها، وسلوكهم الفردي أو  الجماعي, السياسي أو الاجتماعي.   وهذه الأمور، يجب أن يتم اتخاذ القرار والفصل فيها، من قبل قادة الطائفة والمسئولين، الذين اختارهم أبناء الطائفة، لأن يكونوا ناطقين فاعلين باسمها، كما هو متبع في المجتمعات الراقية عادة.
ومِن هذا المنطلق، أتوجه إلى أبناء الطائفة الكرام, وخاصة للذين هم من اصحاب المسؤولية، الذين يهمهم أمر الطائفة, مُذكراً،  إنه لا يمكن لكل فرد، أن يصبح ناطقا باسم الطائفة الدرزية بأكملها،  وأن يصرح ويتحدث ويعلن أمام الملأ، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، رأيه وموقفه باسم الطائفة كلها، دون أن يخوله أحد بذلك. وفي أوضاعنا الحالية اليوم، يكفي أن يصدر تصريح ما، من قبل أي مواطن درزي، ضد أي جهة، حتى يتم استغلاله من قبل أوساط مغرضة، وكأنه الموقف الرسمي للطائفة بأكملها، وهذا يجر وراءه المشاكل والتعليقات والتهجمات، ويعطي الذريعة للأوساط المعادية، أن تتخذ مواقف معادية للطائفة الدرزية في أماكن وجودها، في البلاد وخارجها, وأن تعتدي على أبنائها وتنكل بهم, اذا استطاعت إلى ذلك سبيلا. نحن في هذه البلاد ننعم بالديمقراطية، ونستطيع أن نعبر عن أي رأي يحلو لنا، ولكن إخواننا في الأماكن الأخرى، وفي الأوضاع الأمنية السائدة هناك اليوم، قد يتضررون بسبب هذه التصريحات، فكل تصريح، قد يؤدي إلى كارثة عندهم، وكل عمل غير مدروس كهذا أو ذاك، لا يأتي بتاتا بأي فائدة، يسبب ضررا كبيرا لهم, ويجر خلفه المصائب والكوارث على الجميع, وهذا ما نحن وهم في غنى عنه.
ونعود ونكرر القول، إن الطائفة الدرزية, أينما وجدت, هي  طائفة مسالمة، لم ولا ولن  تعتدي على أحد، ولن تقبل الاعتداء عليها، وهي مُتشبثة بتراثها، ومبادئها، وعقائدها، ولا تريد أن تفرض هذه الموروثات  على أحد من غير ابنائها, وهي تحترم وتُجل كافة الديانات والمذاهب والاعتقادات، وتجل وتقدس كافة الأنبياء، والرسل، والأولياء الصالحين، وتقدر وتبجل كل مواطن مؤمن,  بغض النظر عن انتمائه المذهبي. والطائفة الدرزية على كافة مُركباتها, تدعو جميع السكان في هذه الديار، إلى التعايش بسلام وصفاء, وتبقى رافعة أمد الدهر، لشعار " الدين لله والوطن للجميع ".
هدانا الله تعالى, وإياكم, إلى سواء السبيل, وأنار دروبنا وطرقاتنا بنور حكمته, إنه أحكم الحكماء، وارحم الراحمين. 
 
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.