spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 131
الزيارة السنوية لمقام سيدنا أبو عبدالله (ع) في عسفيا
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
الدعم والسلوى في دين التوحيد طباعة ارسال لصديق
بقلم السيدة سهام ناطور (عيسمي)
لا شك أن التعاليم والفروض المنتشرة في دين التوحيد الدرزي، تهدف إلى خلق الإنسان المتدين، المستقيم، التقي، الذي يحب الناس، ويعمل ما بقدرته من أجلهم، والذي يتعامل معهم باللطف، والتسامح، والعناية، والذي يتقي الله ويعبده، ويعلم أن الله عليم بالأسرار، فلا يقوم بأي عمل مناف للأخلاق والتعاليم والآداب العامة. والمجتمع الدرزي، بشكل عام، وخاصة المجتمع المتديّن، يشجّع السلوك الحسن، ويدفع إلى انتهاج كل الفضائل والقيم والأعمال الطيبة بين أفراده. ولو طُبّقت كل الفروض الدينية، والتعاليم الروحية، على جميع الناس، لكنا وصلنا إلى المجتمع المثالي الأسمى، المنزّه عن كل الأخطاء والرذائل وما شابهها. لكننا نعيش في مجتمع مركّب من كل العناصر على اختلافها، فهناك المتديّن وغير المتدين، والصالح وغير الصالح، وهو يضم كافة الأشكال والأنواع، للتصرفات والأعمال الاجتماعية بين الناس، ويضم هذا المجتمع كذلك، أناسا غير متدينين مؤقتا، لكنهم يؤمنون بكل جوارحهم بالدين الحنيف وتعاليمه، ويطبقونها، في انتظار انضمامهم في وقت لاحق، لصفوف الدين..
 وبالإضافة إلى الأهداف الدينية السامية، المتوفّرة في الديانة الدرزية، توجد في الممارسات الدينية، والتطبيقات العملية لمذهب التوحيد، فوائد ونتائج اجتماعية، ذات فائدة جمّة من ناحية التطبيق العملي لحياة الإنسان، وسلوكه، ومساعدته في التغلّب على مشاكل الحياة، وهمومها، وعاهاتها، ونواقصها. فكل إنسان، وكل أسرة، وكل بيت، عند بني البشر عامة، يعانون من صعوبات وهموم، تواجههم، ويحاولون التغلب عليها. ويُعتبر التديّن والإيمان بالله سبحانه وتعالى، عنصرا هاما  في عملية التغلب على هذه الصعوبات، ومواجهتها. وفي مقالنا هذا، سوف نتوقف عند بعض النقاط، التي يجد فيها الإنسان التوحيدي الدرزي، دعما وعزاءً وسلوى، من خلال إيمانه، ومن خلال تنفيذه للتعاليم الروحية:
1- التوكّل : التوكل على الله، سبحانه وتعالى، هي قاعدة أساسية، عند كل المتدينين، في كل المذاهب. فمن توكّل عليه، وأوكل أمره إليه، يمكنه أن يتوقّع أن يساعده الله في التغلب على ما يواجهه، وهو تعالى، يدعمه للوصول إلى ما يرضيه. لكن لا يكفي مجرد التوكل والانتظار، فعلى الإنسان أن يسعى دائما، وأن يعمل جاهدا، وأن يقوم دائما، بتنفيذ وتحقيق ما يفكّر به، ويصبو إليه. وفي هذه الحالة، يمكن أن يوفقه الله، وأن يوجّهه إلى الطريق الصحيح، وأن يدعمه، ويجعله يحقق ما يبتغيه. وعملية التوكّل، تتطلب من الإنسان، القناعة والقبول بحكم الله، فعلى كل إنسان، أن يتوقّع أن يحصل معه ما يرضيه، وما لا يرضيه، وعليه أن يقبل بالأمريْن، وأن يرضى بما كُتب عليه، وأن يعتبر، أن حتى في الأمور السيئة، بالنسبة له، توجد حكمة، ويوجد سرّ، لا يعرف معناه في تلك الفترة، وربما يفهمه بعد حين. فالله، سبحانه وتعالى، عادل ومنصف، وهو يوزّع النعم والعطايا، والمصائب والهموم، على الناس بشكل منصف. لذلك، على الإنسان، أن يتقبل ما يحدث معه، فإذا وقعت مشكلة، أو مصيبة، عليه أن لا ينهار أمامها، وأن يظل تفكيره سليما، وأن يصمد، وأن يحاول أن يتغلب على ما أصابه، وأن يتجاوز هذه المحنة، بعزم، وإيمان، وتصميم، وعندها يمكنه أن يتغلب. وفي نفس الوقت، على الإنسان الذي رُزق بنعمة، أن لا تطير نفسه إلى السحاب، وأن لا يتكبّر عن أهله وأقرانه، وأن يعلم، أن النعم لا تدوم، وأن الأحوال تتغيّر ولا تستمرّ دائما. وبقدر ما يخطط الإنسان وينفّذ، مع أخذه بالحسبان، ألاّ  يضر أحدا، وألاّ  يكون نجاحه على حساب غيره، فإن الله يوفقه  وييسّر الأمور أمامه.
2- الصبر عند الموت: الموت هو أصعب الأهوال وأقساها. وما يصيب أفراد العائلة، عند فقدان أحد أبنائها، هو من أقسى الحالات التي تواجه المرء في حياته. وهذا الأمر يقع فجأة، بدون سابق إنذار، وبدون تهيئة لما سيحدث، لذلك يكون وقعه أصعب وأشدّ، لكن الإنسان الدرزي التوحيدي المؤمن، يتقبّل هذا الحدث، بهدوء، وقبول، ورضا، وتسليم، لأن الموت هو حق لكل إنسان، وعملية وقوعه وحدوثه، هي بيد الله، سبحانه وتعالى. وفي الديانة الدرزية، عدة عناصر، تساعد الأسرة المؤمنة، على تحمّل ما يصيبها، في حالة حدوث وفاة. فالإيمان بالله، سبحانه وتعالى، والقبول بما يكتبه، يمنح هذه الأسرة، حصانة وقوة، للتغلب على مأساتها. واعتقاد العائلة، أن الروح خالدة، وأنها تنتقل من إنسان لآخر، وأن من توفي هنا، فقد وُلد من جديد في مكان ما، تمنح الإنسان، العزاء، والقوة، والمعنوية، لتحمل المصيبة، والاستمرار في الحياة العادية.
3- الشعور بالمساواة: تمنح الديانة الدرزية، الشعور بالمساواة بين جميع أفرادها المؤمنين، خاصة بين الرجل والمرأة، حيث أن كل نفس، تتبع التقوى، هي التي تحظى ببركة الإله، ورضا المجتمع. وأن الفروق الاجتماعية لا قيمة، لها فهي أمور زائلة وغير ثابتة، ولا تستمرّ طويلا. وعندما يتوفى الإنسان، لا يأخذ معه شيئا، إلاّ ذكر أعماله، وسجّلاً بالمناقب الحسنة التي تميّز بها أثناء حياته. والمجتمع في كل مكان، يميّز بين الغني والفقير، وبين الحكيم والجاهل، وبين أصحاب المناصب والأناس العاديين، وبين من يبدو عليهم العز والثراء، ومن يبدو عليهم الفقر والمعاناة. لكن الإنسان المؤمن، يعلم أن الحياة متقلبة، وأنها تتغيّر، وأن من كان مرتفعا بالأمس، لربما ينخفض كثيرا غدا، والعكس كذلك. وبما أن الإنسان يترك هذا العالم، ولا يعرف إلى أين يتّجه، وأين سيولد، فهذا الاعتقاد يجعله يحترم كل إنسان مهما كان وضيعا، ويجعله يهتم بالآخرين ويقدّرهم، ويعمل ما باستطاعته من أجلهم، لأنه، لربما كان بينهم في وقت لاحق. فالمجتمع المتدين التقي، يساوي بين جميع الناس، ويشجّع على التواضع، وعلى عدم التكبر، وعدم المبالغة في التباهي والإعجاب بالنفس.
4-    الإيمان بالقدر المحتوم: يؤمن الموحدون الدروز بالقدر المحتوم والمصير المكتوب وأن الله، سبحانه وتعالى يوزع كل شيء على كل المخلوقات بالتساوي، وأنه لا يمكن أن تمنح كل النعم لإنسان مثلما لا يمكن أن يحرم منه إنسان، وأن الأمور المستحبة وغير المستحبة مكتوبة على الجميع، ولكنها تصلهم بأوقات مختلفة، وأحيانا ليس في حياة واحدة وإنما في الحيوات المختلفة. ومن يؤمن بهذه العقيدة، فهو يعلم أن الله، سبحانه وتعالى لا ينساه، وإذا أصيب اليوم بمكروه فلا بد أن تتغير الأحوال غدا، وأن يحصل على ما يستحقه بالمثابرة والأمل والرجاء والسعي لتحسين الأحوال. فمن كان قد خلق مع عاهة معينة، أو أنه أصيب أثناء حياته بحادث وتشوه في جسمه عضو ما، فإذا كان عديم الإيمان فإنه يستسلم لليأس والقنوط ويبقى طوال حياته ساخطا متشائما متذمرا، أما الإنسان المؤمن فإنه يحاول دائما أن يحسن وضعه الصحي وأن يتغلب على ما أصابه وأن يشفى مما حل به، وبذلك يكون سعيدا في حياته مع الأمل الذي يلازمه، وفي نفس الوقت، كثيرا ما تغلب على ما أصابه، وشفي منه، واستعاد صحته. وأحيانا نجد أطفالا يولدون مع صعوبة في النطق أو السير، أو مع تخلف بسيط، وأحيانا مع شلل في الأطراف. فالاستسلام لهذا الواقع يولد الإحباط ويسبب تدهور الحالة الصحية، وعكس ذلك يساهم في الوصول إلى النطق السليم والصحة العادية.
5- الحياة الاجتماعية: يعيش غالبية المواطنين الدروز في مجتمعات قروية شبه محافظة. وقد كان المجتمع الدرزي في السابق قرويا بغالبيته، وكان للقرية طابعها الخاص وأسلوب معيشتها. فسكان القرية يتكونون عادة من مجموعة من العائلات، وكل عائلة مكونة من أسر دافئة متراصة، تكسب الحماية والطمأنينة لكل فرد من أفرادها. وبما أن الديانة الدرزية تشجع الترابط العائلي، والمحافظة على الأسرة، وحفظ الإخوان، ودعم الجار والرفيق والقريب، فقد استطاع المجتمع الدرزي في السابق، أن يحوي كافة الأوضاع الصعبة التي أصابت أفراده، وأن يساعد الفقرة الضعيفة فيه، أن تتغلب على ضعفها، وأن تعيش بكرامة وطمأنينة. وفي الآونة الأخيرة، تطور المجتمع الدرزي، وأخذ ينتقل من الجو القروي للجوي الحضاري العام، الذي طغى على المجتمعات الحديثة، وأخذ المواطن الدرزي، يتكيف مع الاختراعات الحديثة، ويتبناها، ويستعملها، ويتأثر بكل ما تحويه من حسنات ومساوئ، وقد بدأ ينسى الجو القروي الذي عاش فيه أجداده، خلال مئات السنين، لكنه ما زال محافظا جزئيا على بعض القيم والعادات القديمة، فمثلا، بالرغم من أنه يوجد لدينا بيوت عجزة في ضواحي القرى، إلا أن الأغلبية الساحقة من المواطنين الدروز، ما زالت ترعى العجزة وكبار السن في البيوت، وبواسطة أفراد العائلة، مثلما كان  في السابق. وكذلك الحال مع الأيتام، وخاصة البنات، فاليتيم لا ينقل إلى بيت أيتام ليتربى هناك، وإنما ما زالت العائلة تقوم برعايته وتربيته والإشراف عليه، ما عدا بعض الحالات الشاذة.
هذه هي بعض الوجوه، التي بواسطتها، يستطيع المجتمع التوحيدي الدرزي، أن يتغلب على حالات مرضية، وصحية، واجتماعية، باعتماده على العقائد الدينية، والأصول التوحيدية، التي بالإضافة إلى الإيمان العميق، الذي تكسبه للفرد، فإنها تساعده على التغلب، بقوة إيمانه، على أمور كثيرة تواجهه أثناء حياته.   
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.