spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 109
مقام سيدنا أبو عبد الله عليه السلام
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
ملامح مشتركة لشجرة الزيتون وللطائفة الدرزية طباعة ارسال لصديق
 بقلم  الأستاذ علي المن
لا شك أن كل مواطن درزي، يحمل ذكريات حلوة، منذ أكثر من مائة سنة، عن مقام النبي شعيب (ع) في حطين، وعن شجرة الزيتون، التي تستقبل كل زائر، يصل إلى المقام وتحييه، بعد أن صعد الدرج الأول، ودخل الباحة الصغيرة أمام الغرفتين، وأمام بداية الدرج المؤدي للمقام، وأمام المدخل إلى الجناح القديم، حيث كانت تهيأ موائد الطعام للزوار. ولا يمكن للزائر، إلا أن يرى ويشعر بوجود شجرة الزيتون، وارفة الظلال، التي نمت خلال مئات السنين في موقعها هذا، ورافقت كافة الزوار، الذين وصلوا للمقام، في الفترة التي كان المدخل الوحيد للمقام، يمر عن طريقها، فقد كانت تجري الاجتماعات، والمباركات، والاحتفالات العائلية في ظل شجرة الزيتون، أثناء زيارات العائلات للمقام. وكان الزوار القادمون يرتاحون تحتها عند وصولهم، ويتجمعون، كي يدخلوا بشكلي جماعي لزيارة الضريح، وكان المغادرون للمقام، ينتظرون تحتها، تجمع كافة أفراد الأسرة كي يغادروا، وكانت الباحة دائما، مليئة بالجلساء، الذين يجتمعون هناك ويتحدثون، وكان الشباب في السابق، يعقدون حلقات الدبكة تحتها، وكان أصحاب النذر يقيمون الزفة للصبي المنذور كذلك تحتها، وهذه الشجرة رافقت الطائفة الدرزية، خلال سني وجودها، وشهدت أفراحها وحماسها لزيارة المقام، وشهدت كل تجمعاتها ولقاءاتها في المقام الشريف، وهي تشهد على محبة المواطنين الدروز لمقامهم، ومواظبتهم على زيارته.
ليس موضوع الزيتون وشجرة الزيتون، غريبا عن أبناء الطائفة الدرزية في البلاد وخارجها. فالمواطن الدرزي هو بطبيعته مزارع يعيش في الجبل. والزيتون شجرة ترافق الموطن الدرزي منذ مئات السنين. ولا شك أنه توجد في أماكن مختلفة من منطقتنا، التي انتشرت فيها دعوة التوحيد الدرزية، أشجار زيتون قديمة، غرست في تلك الفترة، بأيدي الدعاة والأولياء الصالحين المباركة، وهي ما زالت تعطي ثمارها وخيراتها حتى الآن. والمواطن الدرزي متعلق بأرضه، يحب العمل فيها، ويحولها من أرض وعرة، إلى قطع فنية، ولوحات تسحر الناظر بجمالها، بالإضافة إلى خيراتها. والمسافر المتجول في المناطق الدرزية،  ما زال حتى الآن، يرى حول القرى الدرزية، الكروم، والحقول، والأراضي المرتبة المنظمة، التي اعتنى أصحابها بتنظيفها من الحجارة والصخور، وحرثها، وزرعها، وغرسها، على الغالب بأشجار الزيتون أو بالأشجار المثمرة. وفي أماكن معينة، تنظر أمامك، وترى بحرا من الزيتون، يغطي مسافات واسعة.
 
 وقد كان الزيتون في السابق، مصدر رزق ومعيشة، لغالبية السكان الدروز، لكن مع تقدم الحياة، وعزوف المواطنين عن الاشتغال بالزراعة، قل نصيب الزيتون من اهتمام الموطن. وفي حين، انعدمت تقريا بقية أنواع الزراعة من القرى الدرزية، واقتصرت على أفراد فقط، إلا أن زراعة الزيتون، ما زالت مزدهرة، لأن شجرة الزيتون تعيش طويلا، وغالبية كروم الزيتون الموجودة الآن، كان قد تم غرسها في أوقات سابقة، لكن وبلا شك، يوجد اليوم أشخاص، يهتمون بزراعة أشجار الزيتون، ويحافظون على القديم، ويغرسون الكروم الجديدة، حيث أن الزيتون هو شجرة غير متعبة، فلا تكلف المزارع عبئا كبيرا، أو اهتماما زائدا، ويمكن بواسطة بعض العمليات الصغيرة سنويا، رعاية الكروم والاهتمام بها والمحافظة عليها.
شجرة الزيتون، لها وجود في جبل الدروز، وفي جبال لبنان، وفي الجولان والجليل والكرمل، طبعا بنسب متفاوتة، حسب طبيعة الأرض، ومشاغل السكان، والأوضاع الاقتصادية في كل بلد، وهي ترمز بالنسبة للمواطن الدرزي، بأشياء كثيرة، فغصن الزيتون، يرمز عادة للسلام والطمأنينة والهدوء والتآخي، والطائفة الدرزية، شعارها السلام، وهي تسعى دائما لتحقيق المؤاخاة والود والصداقة مع الآخرين، وهي لا تعتدي على أحد، وهي تعمل كل ما باستطاعتها، للتوفيق بين الأطراف المتنازعين حولها، فهي تعتبر نفسها همزة وصل بين الآخرين، توفق وتقرب بينهم.
وشجرة الزيتون ترمز للخلود والبقاء، فهي تعمر طويلا، وتعيش مئات السنوات، وتظل مخضرة، معطاءة، وارفة الظلال، وهكذا الطائفة الدرزية، تعود بجذورها إلى أزمان بعيدة، وتتطلع إلى الآفاق الواسعة، ولا تحصر نفسها في بوتقة ضيقة، وإنما هي قائمة في كل زمان ومكان، وإيمانها بالتوحيد يعني اللا متناهي، والخلود، والبقاء المستمر.
شجرة الزيتون، هي نبتة دائمة الخضرة، شامخة، منتصبة، تتجدد باستمرار، وتحافظ على رونقها وبهجتها ونضارتها في أصعب الأوقات والظروف والأوضاع. وهكذا الطائفة الدرزية، تظل في كل وقت شامخة، رافعة الرأس، منتصبة، تحافظ على كيانها ووجودها، معتزة بما لديها، تفخر بما تفعله، واثقة من نفسها، ومعتمدة على الله تعالى.
شجرة الزيتون، تعطي فائدة، وإنتاجا، ومحصولا، حتى ولو كانت لوحدها، أو مع شجرات مثلها. وهي عندما تكون كرما كبيرا، فإنها تعطي كالمحيط، ولها تأثير وأهمية كبيرة، أمام الناظر إليها، وكأنها بحر كبير. والطائفة الدرزية، تربي الأجيال فيها، بحيث أن أي مواطن درزي يتواجد في أي مكان، فإنه يثبت وجوده وأصالته أمام الآخرين، ويقدم ما عنده، ويعمل حسب التعاليم والمبادئ المتبعة منذ أجيال. وعندما يكون الدروز مجموعة كبيرة،   فإنهم يظهرون أمام الآخرين، حشدا كبيرا، له هيبته ووقاره، ويفرض احترامه ووجوده على الجميع. ومثلما يعطي منظر كرم الزيتون الراحة النفسية والتفاؤل للناظر إليه، كذلك يكسب منظر العمائم البيضاء، الثقة والأمل والإيمان والراحة لمن ينظر إليها ويقترب منها.
 
شجرة الزيتون وارفة الظلال، تصل فروعها إلى محيط كبير، وتظلل مساحة واسعة من الأرض، وهي بذلك توعز للقادم إليها، أنها تغمره بالظلّ، والكرم، والمتعة، والطمأنينة، والانتعاش. فهو يتمكن أن ينام ويستريح تحت لوائها، وأن يقوم بكل ما يريد من أعمال، في جوّ من النشاط والقدرة والأجواء المهيأة للعمل والنجاح. والطائفة الدرزية، هي كذلك وارفة الظلال، تفتح بيوتها لكل طارئ، ولكل لاجئ، وتكسبه الأمان والوداعة والطمأنينة، وتمنحه الفرصة، أن يقوم باحتياجاته، وأن يعيش بعزة وكرامة، محميا من كل خطر خارجي،  لا يلحقه أذى ولا يصيبه مكروه.
وهناك أوجه شبه كثيرة بين شجرة الزيتون والطائفة الدرزية، حيث ذكرنا اليوم، بعض النقاط المتعلقة بالزيتون كشجرة، وهناك أوجه شبه أيضا بين باقي الأمور المتعلقة بزيت الزيتون، وخشب الزيتون، والمعاني الأخرى لكل ما تمثله شجرة الزيتون.   
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.