spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 108
خلوة العدد: خلوة جــــولس
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كلمة العدد: اثنان، هما جيش جرار أمام الواحد طباعة ارسال لصديق
استمعت مجموعة من 50 طالبا إلى محاضرة في الإدارة والتنظيم، وفجأة توقف المحاضر عن الكلام، وقرر أن يقوم بتجربة للمجموعة كلها، فأعطى كل واحد من المجموعة بالونا منفوخا، وطلب من كل واحد منهم، أن يكتب اسمه على البالون الذي يحمله. . ثم جمع كل البالونات، ووضعها في غرفة،  وسمح للطلاب أن يدخلوا الغرفة التي وضعت فيها البالونات، وطلب منهم  أن يجد كل واحد منهم بالونه، ومنحهم من الوقت  15 دقيقة. وبكل حماس، بدأ كل فرد في المجموعة، يبحث عن بالونه المكتوب عليه اسمه، وكانوا في فوضى وفى حالة مزاحمة وتدافع شديد، أثناء البحث، ومضت الـدقائق وتمكن ثلاثة أو أربعة فقط أن يعثروا على بالوناتهم، أما الباقون فلم يتمكنوا من إيجاد بالوناتهم التي تحمل أسماءهم. عندها طلب منهم، أن يقوم كل فرد بأخذ أي بالون عشوائيا، وان يسلمه إلى صاحبه المكتوب عليه اسمه. وفي خلال دقائق قليلة كان كل منهم يمسك البالون الذي يحمل اسمه.
ونحن، كطائفة درزية، كان من المفروض، أن ننعم بالنظام،  وأن نبني مجتمعنا وحياتنا وكل شئوننا، على أسس من حسن الإدارة، والترتيب الصحيح لأمورنا، فعلينا، أن لا ننسى، أن نبينا، شعيب عليه السلام، هو الذي علم النبي موسى (ع)، حينما قاد شعبه في التيه، في حينه، أصول الإدارة وتوزيع الصلاحيات، وتقسيم العبء على رؤساء مجموعات، وقد وضع بذلك، المبادئ الأولية للإدارة العامة، وهي ما زالت سارية المفعول، وتدرس في أرقى الجامعات في العالم حتى يومنا هذا.
 وعندما تأسست الخلافة الفاطمية في شمالي إفريقيا، نفذ الخلفاء الفاطميون الموحدون الأوائل، الأصول والمبادئ الإدارية السليمة، في بناء الدولة الفاطمية، فحققت انجازات كبيرة في الحياة العامة، وفي السياسة الخارجية، وفي الحياة العسكرية، وفي تنظيم الجيوش، وبناء الأسطول، ومعالجة شئون الطوائف والأقليات في الدولة، وفي مواضيع التعليم والرفاهية الاجتماعية، والزراعة، والصناعة، والتجارة، والأدب، والشعر،  وتحرير العبيد، والمحافظة على حقوق الأيتام والضعفاء والمساكين.
وبعد إغلاق الدعوة، وانتقال الدروز إلى حلب، والشوف، وشمالي فلسطين، وتمركزهم هناك، تغيرت ظروف الحياة، وبنيت على أسس عائلية قبلية، حيث لا تنفع هنا، إلا الطريقة التركيزية الصارمة، التي تجعل الصلاحيات في يد زعيم العائلة، مع وجود مجلس استشاري من المشايخ والوجهاء. وظل هذا الوضع ساري المفعول بنجاح، حتى عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني، الذي نفذ هو بدوره في الشرق، وفي رقعة حكمه، ما كان يحلم به فلاسفة وعلماء الغرب، من مبادئ تتعلق بالمساواة، والحرية، والحكم العادل، والديموقراطية. لكن الأتراك العثمانيين، لم يسمحوا للأمير المعني الاستمرار في إصلاحاته، خوفا من أن يقوض أركان إمبراطوريتهم، فأعدموه، وأعادوا النظام العائلي القبلي التركيزي، الذي كان صالحا في وقته، والذي تم تطبيقه بنجاح في جبل الدروز في حوران، بعد انتقال الدروز إليه، وإعماره وبنائه. واستمر حال الدروز، هكذا، في الجبل الأشم، وفي لبنان، يعيشون في أسر وقبائل وعائلات، ويخضعون لنظام عشائري واضح، له حسناته ومساوئه، لكنه حافظ عليهم، وساعدهم على تجاوز المخاطر التي واجهتهم، وظلوا بشكل عام محافظين على هويتهم التوحيدية، وأصولهم المذهبية، وميزاتهم العقائدية، إلى أن جاء العصر الحديث، بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تغيرت أحوال الناس، بفضل الثورة الصناعية، واختراع أجهزة ووسائل تقنية جديدة، سهلت الحياة، وغيرت كافة الأوضاع، التي كانت سائدة، ومتفق عليها قبل ذلك. وتغير المجتمع الدرزي، مع المجتمعات المتغيرة الأخرى، وغزت الحضارة قرانا وبيوتنا، وانفتح كل ما كان مغلقا، خلال مئات السنين، وعمت الديموقراطية في ربوعنا، وتراجعت النظم الأسرية العائلية القديمة، وفتحت المدارس، وتحسنت الأحوال الاقتصادية، ووجدت أبواب عمل ورزق جديدة، وتطورت كل وسائل الحياة القديمة، وازدهرت قرانا بالسيارات، وبالأجهزة الكهربائية الحديثة، التي سهلت الحياة بشكل كبير، وانتشرت بيننا وسائل الاتصال، وانتعش كل بيت، وكل أسرة، ونعموا بمستوى معيشة كبير، وقلت الفروق الاجتماعية، وفتحت فرص كثيرة أمام الأجيال الصاعدة، ووصلنا تقريبا، إلى تحقيق كافة الأمنيات التي يحلم بها مجتمع، من ناحية التطور والتقدم. لكننا، لم نرافق تقدمنا الاقتصادي الكبير، وتحقيقنا لمستوى معيشة رفيع، وتحسين ظروف معيشتنا بشكل منقطع النظير، بتقدم فكري، عقلي، مماثل، فقد أخذنا نعيش في مستوى حياة القرن الواحد والعشرين، لكن بقينا في مفاهيمنا، وعقليتنا، في غياهب القرن الثامن عشر، وفي نفس الوقت، الذي يقود فيه، أحدنا سيارة، تحتوي على كافة الأجهزة الإلكترونية، ويحمل في يده، آخر صرخة من التليفونات النقالة المتطورة، تراه يتخذ قرارا رجعيا، بالنسبة لموضوع، يخص عائلته، أو أهله، أو مجتمعه، وتراه يتصرف في بيته، وداخل قريته، ومع أفراد أسرته،  وكأنه ما زال في عهد الانتداب، وهكذا نجد أن تقدمه التكنولوجي، التقني، المتطور، الحديث، لا يرافقه تقدم في التفكير، والعقلية، والمفاهيم الحديثة.
المجتمع الحديث، مبني على التخصص، والتعمق، والتركز في موضوع ثقافة، أو اقتصاد، أو دين، أو سياسة، أو أي عمل معين من نوع آخر، بحيث يضع الإنسان كل ثقله في هدف واحد، واضح، محدد، يعمل على تطويره وتقدمه، ويحاول أن يبني مسار حياته حوله، على الأقل، لعدد من السنين، حتى يستنفذ كل طاقاته في هذا الموضوع، وربما يفكر بالانتقال لموضوع آخر، إذا أراد.  وعندنا، نرى مقاولا نجح في عمله، واكتسب ثروة لا بأس بها، أو نرى ضابطا، تقدم في سلم الدرجات، وترقى، وأنجز الكثير، ويمكنه أن يستمر في الترقي والتقدم، أو نرى جامعيا، تألق في موضوعه وعمله وتفوق، فبدل أن يتركز هؤلاء في المجال الذي نجحوا فيه، نراهم يفكرون حالا بالزعامة والظهور في المجتمع كمنقذين، ونتيجة لذلك، يشمرون عن سواعدهم ويعملون  على المزاحمة في الانتخابات للمجلس المحلي، أو البرلمان، أو حزب معين أو غير ذلك، من الأمور التي قد تكون بالنسبة لهم، هبوطا في المستوى، والمركز الاجتماعي، وليس صعودا، أو ترقيا، أو تألقا، فبالنسبة للبعض منهم، حتى ولو نجحوا، يصلون إلى مركز أقل مما كانوا فيه، لكن ما يشغلهم هو ما يسمى " هوس الجماهير" ولو ظلوا في وظائفهم وأماكن عملهم الراقية، لكان ذلك أجدى لهم. وبما أنه كثر "المتزعمون"  عندنا. وبما أن وسائل الاتصال أصبحت سهلة، فالصحف المحلية، تملأ قرانا، والمواقع الالكترونية تتلألأ على شاشاتنا، وأصبح كل خريج صف رابع، يعتبر أنه الناطق بلساننا، وغدا كل لابس ياقة، يفكر أنه فيلسوف عصره، لذلك كثرت التصريحات، والتعليقات، والملاحظات، والإعلانات، وأخذ الكثيرون منا يطالبون بحقوقنا، ليس لأن حقوقنا تهمهم، وإنما لكي يعرف الآخرون، أنهم طالبوا، وأنهم موجودون، وانهالت على الوزراء، وقادة الجيش، والمسئولين، الطلبات، والتوجهات، من قبل أطراف من الطائفة، لدرجة أن المسئولين أصبحوا في حيرة، ولا يعرفون لمن يسمعون، ولأي طلبات يستجيبون، ووجدوا أن أفضل طريقة، هي التغاضي عنا، أو إشباعنا بالكلام، وهكذا ضاعت حلول مشاكلنا الحقيقية، بين الهرج والمرج الذي نحدثه نحن ونعلن عنه. وأصبح وضعنا، مثل وضع ذلك البقال، الذي يفعل الخطأ وينسى، فوقع هو ضحية عمله، فقد عاش في إحدى القرى، رجل فقير، تصنع زوجته الزبدة، وهو يبيعها في المدينة، لأحد الحوانيت، وكانت الزوجة تعمل الزبدة على شكل كرة وزنها كيلو .. هو يبيعها إلى صاحب الحانوت ويشتري بثمنها حاجات البيت. وفي أحد الأيام، شك صاحب المحل بالوزن .. فقام بوزن كل كرة من كرات الزبده، فوجدها (900) جرام فقط . وعندما حضر الفقير في اليوم التالي، قابله بغضب، وقال له : لن أشتري منك؛ لأنك تبيعني الزبدة على أنها كيلو، وهي أقل من الكيلو بمائة جرام !! حزن الفقير، ونكس رأسه ثم قال : نحن يا سيدي، لا نملك ميزاناً، ولكني اشتريت منك، في حينه كيلو جرام من السكر، وجعلته لي مثقالاً ؛ كي أزن به الزبدة !!!
 فلعل وعسى، نجد في ليالي العشر الكريمة، فرصة لأن نستفيق من أحلامنا، وأن نصحو للواقع الذي نعيش فيه، وأن نوحد كلمتنا، ونتكتل وراء قيادة واضحة، وندعم من يمثلنا حقيقة، ونترك الزعامة لمن يليق بها، وأن نتعلم كيف تحل المشاكل، وكيف يمكننا الحصول على الحقوق، عندها فقط، نحصل على حقوقنا، وننقي مجتمعنا، وندفع بطائفتنا إلى الأمام. وقد قال أحد الحكماء في الوحدة: " اثنان هما جيش جرار أمام الواحد"..             


وكل عام وأنتم بخير

سميح ناطور
دالية الكرمل
تشرين اول 2014
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.