spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 110
من قصص سيدنا أبو ذر (ع)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
الليالي المقدسة والعيد المبارك والأخطار الكامنة طباعة ارسال لصديق
بقلم فضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف
 الرئيس الروحي للطائفة الدرزية

 منذ ألف عام ونيف، بدأت دعوة التوحيد, ونشأ الكيان الدرزي في هذا الشرق الحبيب, وراح هذا الكيان يسير مع الزمن ويتطوّر ويتقدّم, على هدى الإيمان، والفضائل، والقيَم التي يُجسدها دين التوحيد، في عيد الأضحى المبارك, بكل معانيها  وجوانبها, وأهدافها الأخلاقية والاجتماعية والدينية. ومع اقتراب العيد المبارك الميمون،  تبدأ النفوس التي تتحلى بالتوحيد, بالتوقع, والترقب, وانتظار حلول ليالي العُشر المباركة, وتصبو, في نهايتها, إلى استقبال الأضحى بالشعائر الدينية, التي تليق بمقامه المبارك المجيد .
ما أجمل تلك الأوقات, التي يلتقي بها إخوان الدين, في رحاب الخلوات الطاهرة المتواضعة, التي تشعّ بالتقوى  والإيمان, اللذين يكتنفان المجتمعين والمصلين في ربوعها.  وما أجمل أن يعلم كل مؤمن، يتربّع في باحة الخلوة, أنه يشارك آلاف المؤمنين من أهل التوحيد, صلواتهم  وابتهالاتهم واستعداداتهم لاستقبال العيد المبارك, فهذا الشعور، يكسب الإنسان  الثقة  والقوة والمعرفة، أنه ينتمي إلى طائفة لها جذور  وعراقة  وأصالة, ولها طقوس  ومناسبات  وأعياد, ولها أهداف عليا، تُنظم الحياة البشرية, وتطلعات الإنسان فيها،  وأعماله.  هذا الشعور, حينما يتشبّع بالصلوات القدسية،  وبالأشعار الروحانية, والجو الديني الصافي , الذي يسود الخلوات  في ليالي العشر،  وفي السهرات التي تسبق ليالي العشر, هذا الوضع, يسمو بالنفوس  وبالأفكار  إلى أرقى درجات الإيمان, وإلى أجمل وأعظم مباهج الحياة،  التي تضمّ الاعتلاء إلى أسمى ما يمكن أن يبلغه إنسان, من ناحية العقيدة، والمعرفة،  والتمازُج، والأحاسيس القدسية الأصيلة .
كل جلسة روحية, في السهرات القدسية, تعزل الإنسان من المحيط الذي يعيش فيه,  فيتحد مع باريه, وتُبعده عن الهموم والمشاكل العادية المألوفة, وغير العادية, المتواجدة عند كل إنسان, وتكسبه متعة روحية فريدة من نوعها, تدفعه إلى الاندماج  والمشاركة  والمتابعة, مع باقي إخوان الدين, في هذا الجو الروحاني المنبسط الرحيب.
ومِن خلال مشاركتهِ في السهرات الدينية, لربما يتمكن الفرد منا، أن يتغلّب على مشاكله وهمومه الشخصية, وربما يستطيع هذا الجو الروحاني، أن يكسبه التصميم،  والعزيمة، والقدرة على تسوية كافة العقبات الشخصية والمشاكل, لكنه لا يستطيع أن ينسيه الهموم  والمشاكل والأخطار التي تواجه الطائفة ككل. وهذه الهموم والمشاكل  تتطلب التعامل معها بأسلوب يناسبها, مبني على التكاتف بين جميع أبناء الطائفة في كل مكان وزمان, ورص الصفوف من أجل مواجهتها والتغلب عليها.  وقد استطاع الموحدون الدروز،  والحمد لله,  مزوّدين بعقيدتهم  وإيمانهم, خلال مئات السنين, أن يتغلبوا على كافة الصعوبات التي واجهتهم, والحمد لله تعالى, وأن يستمروا في مسيرتهم التوحيدية حتى يومنا هذا, لكن الأخطار المحدقة, بالطائفة, خاصة في الآونة الأخيرة, وخاصة بإخواننا دروز سوريا, هي جسيمة وحقيقية, وهناك خطورة في وجودها ومِن تفاقمها, من  حيث ظهرت في العالم العربي الحديث, وللأسف,  عناصر جديدة, تكفيرية  فتاكة، تهدد العالم بأسره, وسكانه, باسم الإسلام زوراً وبهتانا, بالدمار والخراب, وبما في ذلك أبناء الطائفة الدرزية. وهذه العناصر, لا تعرف الرحمة, ولا العدل ولا العدالة  ولا الحرية, ولا صلةَ لها بالإسلام الذي تدَّعي به, وتقوم  باسمه، بأبشع وأفظع الكبائر، التي نهى عنها الله, تعالى وتبارك, والإسلام منها براء، خاصة وأنها تعتبر كل من ليس منهم كافرا  يستحق القتل والتعذيب والتنكيل, تماما مثلما كان في أحلك الظروف والأوقات الغابرة, التي مر بها الجنس البشري.
 ونحن , وفي مثل هذا الحال, ومن هذا المنطلق، لا بُد لنا مِن أن نعود إلى ديننا الحنيف، لنعمل بوصاياه لنا, وبالذات إلى مَن كانت من أعمدة هذا الدين, وصية حفظ الأخوان, والتي تُحتم علينا الوقوف إلى جانب مَن يلحقهُ الضيم مِن إخواننا فنُعاضدهُ ونشد مِن أزره ونفتديه بالنفس والنفيس أينما وُجد, وفي كل زمان ومكان. إلى جانب ذلك, وبموجب معنى  الأضحى (العيد), وبناءً على الفضائل التي تشرّبناها خلال ليالي العشر المباركة, علينا  أن نصفي نوايانا, ونُطهِّر قلوبنا, ونُنقي أفكارنا, ونمد واحدنا للآخر يد العون والمساعدة, وأن ننسى الضغائن والأحقاد ونترفع عن الصغائر, ونتنحى عن الأطماع الشخصية, والنزعات الفردية, وأن نضحّي ونتسامح ونتصافى, وأن نشعر أننا أهل بيت واحد, هدفنا سامٍ واحد, يتمحور في المحافظة على دين التوحيد وصيانتهُ مِن كل رجسٍ وشائبة,  وهو الذي تحيطه أخطار جسيمة في هذه الأيام المباركة, وعليه،  علينا أن نتوحّد لكي نستطيع أن نجابه كل هذه المصائب والأخطار, التي قد تفتك به. كلنا أمل في أن يوحدنا صفاء النفس الذي يسود المصلين في ليالي العشر المباركة, وأن يرقى بنا إلى منازل عالية من التسامح, والأخوة والتضحية. هكذا فقط , يمكننا أن نتجاوز, ما يحيق بنا من محنٍ  تُهدد كياننا, ونستطيع, بعونه تعالى, أن نستمر في الحفاظ على مجتمعاتنا, ومعتقداتنا وصلواتنا داخل خلواتنا  التي نشعر بداخلها ومن خلالها قُرب الخالِق منا, نشعُر بعظمتهِ وجبروته اللا متناهيتين .
ومما يساعدنا ويشجعنا ويثلج صدورنا  هو أننا على يقينٍ أن الطائفة الدرزية  تضم بين ظهرانيها طاقات هائلة من الإمكانيات والقدرات والشجاعة، والإقدام, ومن الفضائل  والأخلاق والسجايا الحسنة التي بمقدورها أن تجعلنا نتغلب على كل نائبة قد تنتابنا, إذا آمنا بقدراتنا وبثقتنا بأنفسنا, وباعتمادنا على بارينا وخالقنا الذي أراد لنا الوجود لحكمةٍ  وإرادة, وأكسبنا ما يميّز طائفتنا مِن علمٍ ودرايةٍ, وبعث إلينا بالرسُل والأنبياء المكرمين, والأولياء والمشايخ الصالحين الذين ببركتهم وبهممهم جعلونا نخترق كل الحواجز, ونذلل الأخطار والصعوبات, ونشقّ طريقتا إلى التوحيد, نور الحق.
أختم كلمتي هذه بالمباركة والتهنئة بالعيد المبارك السعيد، لأبناء الطائفة التوحيدية، والأمة الإسلامية جمعاء, وبالتوسُل إلى العلي الأعلى , جل جلالهُ، أن يُعيد العيد على  جميع أبناء الطائفة الدرزية, في كل رُكنٍ مِن أركان المعمورة, بالخير واليُمن والبركات, وكل عام والجميع بألف ألف خير ..  
 
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.