spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 130
كلمة العدد: يكفي أننا نحن نعرف...
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 140
العدد 139
العدد 138
العدد 137
العدد 136


 
المرأة الدرزية المتدينة طباعة ارسال لصديق
 بقلم السيدة سهام ناطور (عيسمي)

لقد اشتهر المجتمع الدرزي في التاريخ، بتقواه وفضائله، وبالحياة الدينية النشطة، التي سادت فيه، على مرّ العصور. فقد كانت التجمعات الدرزية، حتى بداية القرن العشرين تقريبا، تجمعات قروية، حيث اتخذ لهم الدروز رؤوس الجبال مكان سكنى لهم، بعيدين عن ضوضاء المدينة، للتفرّغ لديانتهم، والقيام بشعائرهم، بعيدا عن كل تأثير أو ضغوط. وكانت الأغلبية الساحقة من الرجال والنساء، متدينين يقومون بالفرائض الدينية، على أكمل وجه، خاصة بعد وجود الأمير السيد (ق) وإصلاحاته المذهبية، التي أجراها، حيث ازدهرت الحياة الدينية من جديد عند الدروز، بعد أن أصابها القليل من الفتور، بعد مرور عدة قرون، على تأسيس الدعوة. لكن الواجبات العسكرية، والاجتماعية، والمدنية، فرضت على الرجال الدروز، الابتعاد أحيانا، عن القرى التي يسكنون فيها، والعمل أو الخدمة، خارج القرية، مما جعل بعض الشباب الدروز، يتباطئون في دخولهم للفلك الديني، حتى بلوغهم سنا متأخرة من حياتهم.
 أما النساء فقد بقين طوال أوقاتهن في القرى، تعملن في الحقل، وفي القيام بشؤون البيت.  وكانت المرأة الدرزية من طبيعتها، نشيطة في الحياة الدينية، فقد فرضت الديانة الدرزية على المؤمنين بها، تعلم القراءة والكتابة، لكي يستطيعوا الاطلاع على الدين. وقامت المرأة الدرزية، بتحقيق ذلك، وتعلمت القراءة والكتابة في بيتها، أو في الخلوات، وقامت النساء الدرزيات بنشاط ديني مميز، على مر العصور، في حين اقتصر النشاط الديني عند الرجال على عدد كبير من المتدينين، لكنه كان دائما لا يشمل الجميع. وقد ذكر المؤرخ الفرنسي بوجيه دي سان بيير، في كتابه "تاريخ الشعب الدرزي في لبنان" عن وضع النساء في القرن الثامن عشر، قوله :" إن النساء الدرزيات، أكثر علما في الدين من الرجال، ويقع على عاتقهن، تعليم النساء الأخريات، محتويات كتبهم المقدسة ومعانيها، كما تقع أيضا على عاتقهن، مسئولية تعليم الأولاد، الأسس الاجتماعية، والأخلاقية، المستمدة من تعاليم الدين. ففي البيت، يتعلم الأولاد من أمهاتهم وجداتهم، الفرق بين الخير والشر، وفيه تتكوّن توجيهاتهم الخلقية، والمسلكية، وتتبلور شخصياتهم مدى الحياة".
ويذكر الكولونيل الانجليزي، تشرتشل الذي سكن في جبل لبنان، في منتصف القرن التاسع عشر، في كتبه عن الدروز قوله :" قليلات هن النساء الدرزيات، اللواتي لا يستطعن القراءة والكتابة. ".  وذكر المؤرخ اللبناني، ميخائيل مشاقة القول :" ... في حين أن النساء الدرزيات، قل ما يوجد بينهن من هن جاهلات، أو ما لا تعرف القراءة، والسبب في ذلك، دوام وجود البنات عند أمهاتهن، فتصير لهن الفرصة للتعليم...". وهناك استشهادات تاريخية كثيرة تثبت أن المرأة الدرزية كانت متدينة،على مرّ العصور.
وحتى اليوم، وبعد أن تقدم المجتمع الدرزي تقدما هائلا، وانفتحت القرى الدرزية، وأصبحت شبه مدن، وحصل بين الدروز وغيرهم، اختلاط كبير، واكتسب الدروز عادات وأنماط حياة جديدة ومنوّعة، تبعدهم عن الجو الديني، بالرغم من كل ذلك، ومع أنه قلّت نسبة المتدينين بشكل عام في المجتمع الدرزي، إلا أنه ما زالت نسبة النساء المتدينات، أكثر بكثير من نسبة الرجال، تقريبا بشكل مماثل في كل القرى الدرزية. فإذا فرضنا، أن نسبة الرجال المتدينين، تدور حول عشرة بالمائة من الرجال البالغين، فوق الخامسة عشرة، يمكننا أن نقول، إن نسبة النساء المتدينات، تصل حتى خمسين بالمائة، بين الخامسة عشر والخمسين، وتصل إلى نسب أعلى، كلما تقدمن في السن. معنى ذلك، أن الأغلبية الكبيرة في المجتمع الدرزي، هي أغلبية متدينة، متقيّدة بالتعاليم التوحيدية، وتقوم بكل الواجبات الدينية المطلوبة، وهذا ينعكس على التربية في البيوت، وعلى تنشئة الجيل الجديد، وعلى رصانة البيت الدرزي، وعلى قوة الأسرة الدرزية، التي كانت وما زالت، فيها الخلية الأساسية للعائلة، تملك القوة، والتفاهم، والتنسيق بين جميع أفراد العائلة.
ويمكن مشاهدة هذا الواقع، في ليالي العُشر المباركة، حيث تمتلئ الشوارع في القرى، بعد انتهاء الفروض الدينية بالمصلين والمصليات. ويرى المشاهد، مئات النساء الدرزيات، الكبيرات والصغيرات، تخرجن من الخلوات، عائدات إلى بيوتهن، بانشراح، وسعادة، وإيمان عميق، وذلك إلى جانب المشايخ، الذين يخرجون كذلك بنسبة أقل بكثير من النساء. وهذا يدلّ، أن المجتمع الدرزي، حتى لو تقدّم، وتطوّر، وأخذ يجاري العصر، ويتقبّل عادات وأساليب حياة جديدة، إلا أنه ما زال بغالبيته، يحافظ على التراث العتيق، والنهج التقليدي والأصول التوحيدية، التي نرى أنها تزداد سنة بعد سنة، من عيد إلى عيد، حيث نرى على مدار السنة، أفواج من المتوّجهين والمتوجهات إلى الدين، يقصدن الخلوات للانضواء في كنف الخيمة التوحيدية الكبيرة، التي تُكسب المرء، الصمود، والتقوى، والأمل، والاتكال على الله، والتمسك بأهداب التعاليم التوحيدية، التي حافظت على هذه الطائفة، طوال مئات السنين، والتي يمكن للمرء أن يجد فيها، الاستمرارية، والبقاء، والخلود، في ظل التوحيد. 
 


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.