spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 112
كلمة فضيلة الشيخ موفق طريف بمناسبة عيد زيارة مقام سيدنا شعيب (ع)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129
العدد 128


 
الماء في التراث الدرزي طباعة ارسال لصديق
بقلم الاستاذ الشيخ علي المن


 
يشكّل موضوع الماء، عنصرا هاما في حياة الإنسان ككل، فهو مادة حيوية ضرورية لكل مخلوق، وبدونه لا توجد حياة، ولا يوجد استمرار، وفي نفس الوقت، توجد للماء أهمية كبرى في عملية التوازن في الطبيعة، وفي التناسق العمراني الموجود في الكون، مع العناصر الطبيعية الأخرى، التي خلقها الله، سبحانه وتعالى، كي تخدم الإنسان في معيشته. وللمواطن الدرزي، علاقة وثيقة، وارتباط كبير بالماء، لأن الدرزي عادة متعلق  بالأرض، وبإنتاج الأرض، وبكل ما يتعلق فيها، لكي يستطيع أن يؤدي واجباته اليومية. والماء هو عنصر هام في حياة كل مزارع، وكل إنسان يرى في الأرض، مصدر معيشته، وقد كان الدروز خلال مئات السنوات، ملتصقين بالأرض، يتفاعلون معها، ويجنون من خيراتها، ويطورونها، ويعملون على تجميلها، والاستمتاع بها وبخيراتها.
وفي تاريخ الطائفة الدرزية، أحداث لها أهمية، تتعلق بالماء، وما زالت مخزونة في الذاكرة، كان لها شأن في السابق، أو ما زالت مصدر إلهام وقدسية حتى الآن. ومن هذه الأمور، يمكننا أن نتطرّق للمواضيع التالية :



عين الماء في مقام النبي شعيب  (ع)

لقد ورد في القصص التي تتحدث عن بناء مقام النبي شعيب عليه السلام، أن القائد صلاح الدين الأيوبي، جاءه وحي، وأبلغه أنه سينتصر في معركة حطين، وعليه أن يرسل حصانه إلى حيث توجد عين ماء، فهناك مدفن لنبي الله شعيب عليه السلام، وعليه أن يبني مقاما للنبي الكريم. وهكذا كان، فقد انتصر صلاح الدين، وأرسل حصانه، وتوقف الحصان على مقربة من عين الماء، وهناك شرع جنود صلاح الدين، ببناء المقام الذي اعتمد فيه حياته اليومية، على المياه المتدفقة من هذه العين. وقد ظلت عين الماء منذ ذلك الوقت، حتى الآن، تزوّد المقام والزوار وعابري السبيل بالمياه، وظلت مصدر خير وبركة للجميع. وفي العصر الحديث، تمّ استيعاب كميات كبيرة من المياه الجوفية، في مشاريع ري واستعمال للمياه، فشحّ العديد من عيون الماء في البلاد، وجفّت غالبيتها، لكن عين الماء في مقام النبي شعيب عليه السلام، ما زالت تمنح المياه، وتعطي وتقدم، وذلك ببركة النبي الكريم، حيث أصبحت مرتبطة بذكراه وقداسته. ومع الوقت، تعلّم الناس والزائرون، أن لمياه العين، ميزا ت خاصة، فهم يقومون باستعمال المياه بشكل دائم عند زيارتهم، تباركا وتيمنا بها. وتعتبر عين الماء في المقام جزءا لا يتجزّأ من قدسية المقام.
 


بئر الماء في جامع الحاكم بأمر الله في القاهرة
لقد قام الخليفة الفاطمي، الحاكم بأمر الله، عندما بنى الجامع الذي يحمل اسمه، بحفر بئر عميقة للماء، في باحة الجامع، لتزويد المصلين بالمياه المطلوبة. وما زال البئر قائما حتى اليوم، وما زالت مياهه، تُعتبر من أعذب المياه وأطيبها في مصر، وكان المواطنون الدروز، الذين يزورون القاهرة والجامع، يحملون معهم زجاجات الماء، للاستشفاء والتبارك، وليشرب منها الأهل والأقارب في مواطن سكناهم. ومن يزور القاهرة، ويشرب من ماء البئر، يشعر بالطعم اللذيذ الموجود في الماء، والذي يميّزه عن بقية ماء الشرب المتواجدة في مصر، والذي يعتمد بغالبيته، على مياه نهر النيل.



النقاطة
 وهي المغارة التي عاش فيها الولي الصالح، سيدنا الشيخ علي الفارس (ر)، في القرن السابع عشر، والواقعة بين قريتي يركا وجولس، حيث عاش هناك لفترة، وكان المشايخ من آل طريف، يزورونه كل يوم، ويحضرون له الماء والزاد. وقد صلى الشيخ علي الفارس إلى ربه، أن يمنحه الماء، لكي يوفر الجهد على مشايخ آل طريف، فاستجاب الله، سبحانه وتعالى، إلى دعواه، وأخذت تتساقط من سقف المغارة، نقاط ماء من الصخر، تروي ظمأ الشيخ، ويستعملها لحاجاته الخاصة. وما زالت هذه العملية، تُعتبر كرامة من كرامات الشيخ، تدل على تقواه ومنزلته الرفيعة، وما زالت النقاطة مستمرة في العطاء حتى يومنا هذا. ويقوم المواطنون الدروز، وطلاب المدارس، بزيارتها والحصول على عيّنات من الماء للتبارك والاستشفاء.



تنور النبي  أيوب (ع)

يقع هذا المكان المقدس، على الشاطئ الشمالي، لبحيرة طبريا في الجليل، وهو عبارة عن مياه جوفية حارة، لها خصائص معدنية، تشفي من الأمراض، يستعملها الناس لمعالجة بعض الأمراض الجلدية، وللتبرك. ويُعتقد، أن النبي أيوب (ع)، كان قد استحمّ بهذه المياه في حينه، بعد أن ابتُلي بكل المصائب التي كتبها الله عليه، وأنه شفي منها، واستعاد صحته. لذلك يلجأ الناس، وخاصة المواطنين الدروز، إلى زيارة المكان والاستحمام به، خاصة أولئك الذين يعانون من بعض الأمراض والمشاكل الصحية. ولهذا الموقع أهمية كبيرة لدى أبناء الطائفة الدرزية في البلاد.



سيدنا سبلان (ع)       

ورد في سيرة النبي سبلان عليه السلام، الذي عاش في قمة الجبل، بجانب قرية حرفيش، في مغارة، أنه حينما كان يتجوّل في حقوله في الجبل المقابل للمغارة، التي عاش فيها مع عنزاته. وقام في أحد الأيام، عدد من الكفار الساكنين في المنطقة، بمطاردته من أجل سلبه عنزاته والاعتداء عليه، فهرب منهم، واستطاع أن يعبر الوادي الذي كان جافا في ذلك الوقت، وأن يصل إلى سفح الجبل، حيث تتواجد مغارته، قبل أن يدركه المهاجمون. وقد دعا إلى ربه تعالى، أن ينقذه منهم، فاكفهرّ الجو، وأرعدت الدنيا وأبرقت، ونزل فجأة سيل عارم من الأمطار، وفاض الوادي، وجرت المياه بغزارة. ولم يستطع المهاجمون اجتيازه، وبذلك أنقذ الله، سبحانه وتعالى، النبي سبلان عليه السلام، من الخطر الذي كان يهدّده، واستمرت معيشته هادئة في مغارته في قمة الجبل. وفي كل سنة يقوم المواطنون الدروز، في ذكرى سيدنا سبلان عليه السلام، بزيارة المقام الشريف، فيحمدون الله، سبحانه وتعالى، على هذه المعجزة التي أحدثها للنبي الكريم.
 



إبراهيم باشا    

لقد اكتسح، إبراهيم باشا، ابن محمد علي باشا، بلاد فلسطين وسوريا ولبنان، ووصل إلى مشارف اسطنبول. وقد فرض حكمه الجائر في البلاد، لكنه لم يستطع أن يخضع سكان جبل الدروز كليا، فقد فرض عليهم الخدمة العسكرية والضرائب الباهظة، وحاول تجريدهم من السلاح. وثار المواطنون الدروز، فأرسل ثلاث حملات كبيرة لإخضاعهم، إلا أنهم قضوا عليها كلها، وتحصّنوا في ربوع الجبل، ولم يستطع أن يتغلّب عليهم. وعندما عجز أن يؤدي إلى استسلامهم بالطرق العسكرية، لجأ إلى طريقة بشعة غير إنسانية، يمقتها العرف الدولي، فقام بتسميم منابع المياه القليلة التي كانت متوفرة آنذاك. وعندما قلت المياه، وأصاب النساء والأطفال والكبار العطش الشديد، اضطر الزعماء الدروز في ذلك الوقت، إلى التفاوض مع إبراهيم باشا، وإلى التنازل عن بعض حقوقهم. فقاموا بتسليم جزء من أسلحتهم، ورضخوا لبعض الأمور. لكن إبراهيم باشا، قدّر بطولتهم، وأثنى على عزيمتهم، فلم يفتك بهم، ولم ينتقم منهم، وإنما تبنى قائدهم شبلي العريان، وجعله أحد القادة في جيشه، وعيّنه فيما بعد، حاكما من قِبله في العراق.


هذه بعض الأمور المتعلقة بالماء، والواردة في تراث الموحدين الدروز، لها ذكر خاص في تاريخهم، بالإضافة إلى استعمالهم للماء في حياتهم اليومية، مثل باقي السكان في العالم. والمواطن الدرزي عادة، يحمد الله ويشكره، على ما وفر له من موارد طبيعية ومنها الماء. 
 


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.