spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 138
نشاطات طائفية 12/2017-1/2018
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كلمة العدد: إن ما قد تراه كأنه نهاية، ربما يكون أيضا مجرد بداية... طباعة ارسال لصديق

مكث في أحد المستشفيات  مريضان هرمان في غرفة واحدة. كان لكل منهما مرض عضال. وقد سمح لأحدهما  الجلوس في سريره لمدة ساعة يوميا بعد العصر. ولحسن حظه فقد كان سريره بجانب النافذة الوحيدة في الغرفة. أما الآخر فكان عليه أن يبقى مستلقياً على ظهره طوال الوقت. كان المريضان يقضيان وقتهما في الكلام، دون أن يرى أحدهما الآخر، لأن كلاً منهما كان مستلقياً على ظهره، ناظراً إلى السقف.وقد تحدثا عن أهليهما، وعن بيتيهما، وعن حياتهما، وعن كل شيء.
وفي كل يوم بعد العصر، كان الأول يجلس في سريره، حسب أوامر الطبيب، وينظر في النافذة، ويصف لصاحبه العالم الخارجي. وكان الآخر ينتظر هذه الساعة كما ينتظرها الأول، لأنها تجعل حياته مفعمة بالحيوية، وهو يستمع لوصف صاحبه للحياة في الخارج: فهناك بحيرة كبيرة، يسبح فيها البط. والأولاد يصنعون زوارق من مواد مختلفة ويلعبون فيها داخل الماء. وهناك رجل يؤجِّر المراكب الصغيرة للناس يبحرون بها في البحيرة. والنساء تتحدث فيما بينها، أو مع أزواجها وأولادها، والجميع يتمشى حول حافة البحيرة. وهناك آخرون يجلسون في ظلال الأشجار، أو بجانب الزهور ذات الألوان الجذابة. ومنظر السماء  بديع يسر الناظرين.
 وفيما كان يقوم الأول بعملية الوصف هذه، ينصت الآخر في ذهول لهذا الوصف الدقيق الرائع. ثم يغمض عينيه ويبدأ في تصور ذلك المنظر البديع للحياة خارج المستشفى.
وفي أحد الأيام، وصف له عرضاً عسكرياً. ورغم أنه لم يسمع عزف الفرق الموسيقية، إلا أنه كان يراها بعيني عقله، من خلال وصف صاحبه لها.
ومرت الأيام والأسابيع، وكل منهما سعيد بصاحبه. وفي أحد الأيام جاءت الممرضة صباحاً لخدمتهما كعادتها، فوجدت المريض الذي بجانب النافذة قد قضى نحبه خلال الليل. ولم يعلم الآخر بوفاته، إلا من خلال حديث الممرضة عبر الهاتف، وهي تطلب المساعدة لإخراجه من الغرفة. فحزن على صاحبه أشد الحزن.
وعندما وجد الفرصة مناسبة، طلب من الممرضة، أن تنقل سريره إلى جانب النافذة. ولما لم يكن هناك مانع، فقد أجابت طلبه. ولما حانت ساعة بعد العصر، وتذكر الحديث الشيق الذي كان يتحفه به صاحبه، انتحب لفقده. ولكنه قرر أن يحاول الجلوس، ليعوض ما فاته في هذه الساعة. وتحامل على نفسه، وهو يتألم، ورفع رأسه رويداً رويداً مستعيناً بذراعيه، ثم اتكأ على أحد مرفقيه وأدار  وجهه ببطء شديد اتجاه النافذة، لينظر العالم الخارجي الذي تعود على سماع وصفه، وهنا كانت المفاجأة!!. لم ير أمامه إلا جدارا أصما من جدران المستشفى، فقد كانت النافذة تطل فقط على ساحة داخلية.
نادى الممرضة، وسألها إن كانت هذه هي النافذة التي كان صاحبه ينظر من خلالها، فأجابت إنها هي!! فالغرفة ليس فيها سوى نافذة واحدة. ثم سألته عن سبب تعجبه، فقص عليها ما كان يرى صاحبه عبر النافذة وما كان يصفه له .
كان تعجب الممرضة أكبر، إذ قالت له: ولكن المتوفى كان أعمى، ولم يكن يرى حتى هذا الجدار الأصم!! ولعله أراد أن يجعل حياتك سعيدة، حتى لا تُصاب باليأس، فتتمنى الموت...
ونحن نعيش اليوم، في أوضاع وظروف وأحوال، يمكن أن يراها البعض محنا وشدائد وكوارث، وممكن أن يراها البعض الآخر جنة ونعيما وفردوسا. فليست هناك حقيقة مطلقة، أو واقع ثابت، إنما تُقيَّم الأمور، حسب نفسية وعقلية وثقافة وإدراك المشاهد. فمنهم من يرى الحدث إيجابيا، ومنهم من يراه سلبيا، ومنهم من لا يراه بتاتا. وقد كثرت لدينا هنا أصوات الاحتجاج، والتذمر، والشكوى، من كل شيء، فنحن ناقمون على قياداتنا وزعاماتنا، ونحن ناقمون على مشايخنا، ونحن في صراع مع الدولة، وفي خصام شديد مع مؤسساتها، ونحن غاضبون على أولادنا، ونحن شديدو الانتقاد لفتياتنا، ونحن نتذمر من كل شيء، ولا نطيق سماع أي كلمة نقد، ولا تحمّل أي ملاحظة، فكأننا في كارثة مستمرة، وكأننا مطاردون وملاحقون من كل حدب وصوب...
والحقيقة طبعا ليست كذلك، فلا ننكر أننا نعاني من مشاكل كثيرة، ومن بعض المخاطر، ومن بعض الأمور غير المستقرة، لكن يمكن القول، إن الحياة هي هكذا دائما، كانت وستظل على هذا المنوال، فلا توجد فترة في التاريخ، لشعب ما، كان ينعم بكامل النعيم، ولا يوجد أي تجمّع، لا توجد فيه مشاكل، فقد خلق الله الكون منوّعا، وليس على وتيرة واحدة، وليس ذا نمط واحد، وإنما فيه الغني والفقير، والقوي والضعيف، الصالح والطالح، وكل شيء. ويعتمد وضع الإنسان في الشعور، بما يجده هو ملموسا ومُعبَّرا عنه في حياته. فهناك مصيبة، هي نعمة عند الآخرين، وهناك حدث يعتبره البعض عظيم الضرر، ويعتبره البعض الآخر شيئا عابرا، وهناك من يستطيع أن يستوعب الأزمة الكبيرة بشجاعة ورباطة جأش، وأن يتغلب عليها ويهزمها، وهناك من ينهار أمام أي ملاحظة صغيرة عابرة. فكل هذه الأمور، تتعلق بمدى ثقتنا بأنفسنا، وبالقوى الداخلية الكامنة فينا، وبإيماننا وباعتمادنا على الله سبحانه وتعالى، وفي توحيد كلمتنا، وفي التكاتف والتعاطف فيما بيننا، وفي الترفع عن الحسد والمنافسة والمراقبة، وفي  أن نحاول أن نسير مع الأمور كما هي، بدون أن ندقق ونعقب ونتفحص كل كبيرة وصغيرة. ونحن نقول ذلك، لأننا نرى أن مصلحة الإنسان نفسه،هي أن يتصرّف بهذا الشكل، فالمريضان اللذان عاشا في المستشفى، كانا في وضع من أصعب الأوضاع، لكنهما تغلبا على هذا الوضع، بالأمل، والبهجة، والتفاؤل، ورؤية الجميل في الكون. ولو استسلما لليأس لتحوّلت حياتهما إلى جحيم.
ونحن لا ننكر أن هناك مشاكل كثيرة تواجهنا،وأنه من واجبنا مواجهتها والعمل على حلها، ولكي نتغلب عليها،علينا أن نكون أقوياء، وعلينا أن نعزز ثقتنا بأنفسنا، وأن نكون واقعيين، وأن ننظر دائما إلى الأجمل والأحسن والألطف، وأن نعلم دائما، أن الأرض التي نعيش عليها، هي كرة دائرية، فما تراه كأنه نهاية، ربما يكون أيضا مجرد بداية...


والله ولي التوفيق.


سميح ناطور

دالية الكرمل

حزيران 2014

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.