spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 115
شيخ العشيرة والجزيرة .. سيرة وتاريخ
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كلمة العدد: آمن به وأطلق عليه من الأسماء ما شئت طباعة ارسال لصديق
كان أحد مديري المشاريع المعمارية، يتجول في أحد مواقع البناء، وشاهد ثلاثة عمال، يكسرون حجارة صلبة. فسأل الأول: ماذا تفعل؟ فقال: أكسر الحجارة، كما طلب مني رئيسي ... ثم سأل الثاني نفس السؤال، فقال: أقص الحجارة، بأشكال جميلة ومتناسقة ... ثم سأل الثالث، فقال: ألا ترى بنفسك، أنا أبني ناطحة سحاب... فبالرغم من أن الثلاثة كانوا يؤدون نفس العمل، إلا أن الأول رأى نفسه عبدا، والثاني فنانا، والثالث صاحب طموح وريادة...
هذه هي الحياة، وهذا هو الواقع الحقيقي لنا، كمجموعة بشرية متعددة الأفكار، والعقليات، والميول، والأهواء، والثقافات، والمسئوليات. فالأمور أمامنا ليست موحّدة، أو محدّدة وثابتة، وإنما هي متغيّرة، متنوعة، ومتعلّقة، بعقلية، ونفسية، وواقعية المشاهد. فنفس المنظر، يمكن أن يتراءى، بأشكال مختلفة، لعدد كبير من الناس. وأفكارنا، وعقلياتنا، وتطلعاتنا، ومفاهيمنا، هي التي تحدّد رؤيتنا للأمور. وقديما قال الشاعر: "كن جميلا، ترى الوجود جميلا".  ومن هنا، فكل حدث، وكل عمل، وكل منظر، يُحكم عليه من وجهة نظر المشاهد، المتطلّع للأمر، والمراقب، الذي يتفحّص هذه الأشياء، ويتفاعل معها. فهناك تفاوت كبير، في عقليات الناس والبشر، في تحليلهم لأحداث وأمور تقع أمامهم، ولها تأثير عليها، وقد قيل كذلك، مصائب قوم عند قوم فوائد. فهناك أحداث تسبّب الويلات والمآسي للبعض، وفي نفس الوقت هي مصدر بركة وخير للبعض الآخر. وهذا الأمر ينطبق على كل فرد، أو كل تجمّع، أو كل هيئة أو مؤسسة، تصبو إلى تحقيق أمر ما، فيشغلها هذا الموضوع، وتضطر إلى تفحّص الواقع ودراسته، ليسهل فهمه، وليترتب عليها فيما بعد، تحديد المشكلة، أو الهدف، وتعيين الطريق والوسيلة والأسلوب،  للوصول إلى الهدف. واعتمادا على ما ذكرنا، نرى أن هناك مَن يرى، أن تحقيق هذا الهدف هو معجزة، وهناك من يرى أن  حلّه بسيط، أو هناك آراء أخرى، تتعلق بنفسية المشاهد وقدراته.
وهذا الوضع ينطبق علينا كطائفة درزية، كُتب عليها منذ ألف سنة، أن لا يهدأ لها بال، وأن لا تطمئن، أو تستقرّ، لأنها كانت وما زالت معرّضة لتهديدات ولأخطار جسيمة، بالنسبة لمعتقداتها، ومبادئها الأخلاقية، التي حاولت أن تبقيها في إطار داخلي،  قابعة في بيوت المؤمنين. فالمعتقدات التوحيدية تخبئ في ثناياها كنوزا كبيرة، وتحتوي على فلسفة عميقة، لا يستطيع أن يفهمها ويفكّ رموزها، إلا المتضلعون، والمتعمّقون، وواسعو الإطلاع، الذين انتهجوا العلم، والمعرفة، والتقوى، والزهد، والعفّة، والبساطة، وتركوا هموم الدنيا، وتفرّغوا للتعمّق والبحث والتقصّي، فتطوّرت لديهم قدرات سهّلت عليهم، فهم ما يشاهدونه ويطلعون عليه، وظلت الأمور التي يبحثونها عبارة عن  كلمات مبهمة أمام الجمهور العادي، ومن هنا جاءت الصعوبة في إيجاد صيغة واحدة للمعتقدات، لأنه يصعب فهمها، إلا من قِبل الصفوة المختارة من المؤمنين. وهناك عدد من المشايخ الأتقياء، ومن الأشخاص المتنوّرين، الذين يشاهدون في نفس الموضوع المعروض أمامهم، أشياء مختلفة، كل حسب رؤيته ومداركه، ناهيك أن الغالبية العظمى من أبناء الطائفة الدرزية، ما زالوا بعيدين عن الحقائق الجوهرية، ولا يفقهون عنها شيئا، لكنهم يعيشون في المجتمع التوحيدي ولهم تأثير، إلا أن مفاهيمهم وقراراتهم، تنبع من رؤيا مختلفة جدا عن رؤيا الأوساط المطلعة. .
وعندما تتفهّم مجموعة ما، موضوعا جوهريا في حياتها، فهي تعمل كل ما في جهدها للمسير في الطريق الذي اتخذته، وتحدد مواقفها بالنسبة لمن حولها، حسب نفس المعايير. من هنا فإن المشكلة لدينا، هي أنه لا توجد رؤيا موحّدة،  عند جميع أصحاب القرار في الطائفة، بسبب الإشكالية التاريخية، التي رافقت مسيرة الطائفة منذ تأسيس الدعوة حتى اليوم. ومن هنا، يمكننا القول، إننا بدأنا نفهم الأسباب التي تقوّي الخلاف والنفور، بين أبناء الطائفة الدرزية واحدهم للآخر، فهناك تفاوت في مدى تفرّغهم، لفهم المبادئ الأساسية للتوحيد، وللكيان المعروفي، وللواقع الغريب الذي تعيشه الطائفة، وهذا يؤثر على مدى استعدادهم، للتكيّف مع الأطر الموجودة، بدون إحداث تغيير. وقد ذُكر عن أبناء الطائفة الدرزية، منذ ألف عام، أنهم عانوا الكثير  في خلافاتهم المشدّدة فيما بينهم، بالرغم من أنهم كانوا يكرّسون أوقات كثيرة، من أجل الوحدة والتكاتف، لكنهم كثيرا ما تنشب بينهم الخلافات والنزاعات الشديدة، بسبب اختلاف في الرأي، والموقف، والفهم، والإدراك للواقع الذي عاشوا فيه. ونحن نؤمن، ولا شك لدينا، أن كل واحد من أبناء الطائفة الدرزية، يشد إلى هذا الاتجاه، أو إلى اتجاه آخر، هو إنسان مخلص لطائفته، ويرجو لها الخير، لكنه يريد لها الخير، حسب مفاهيمه هو، وحسب تحليله للأمور. وممكن أن يكون هذا الأمر طبيعيا ومعقولا، طالما لا ينتج عن هذا التضارب في الأفكار والمواقف، صراع أو خصام أو انشقاق، فنحن ضد  سياسة القطيع، ونحبذ دائما، أن يكون لدينا أصحاب تفكير ومواقف مستقلة، لكن يجب التعامل بروية، وتنسيق، وعقلانية، وتفكير، وليس بالتنافر والاقتتال والصراع بالقوة ليفرض كل مصدر مواقفه على الآخرين.
والطائفة الدرزية، تواجه اليوم، أشد الأخطار في تجمعاتها الرئيسية، ولا تخلو من المشاكل في تجمعاتها الأخرى، وهذا الوضع، يتطلب الترفع عن كافة الخلافات والفروق في الرأي، وانتهاج الوحدة، والاجتماع على المحافظة على الكيان، وعلى الاستمرارية، وعدم الانصياع لعوامل التفرقة والانشقاق، فيكفينا ما يهددنا من أخطار خارجية، وما يواجه مسيرتنا من عناصر، يعز عليها أن تظهر الطائفة الدرزية، بمظاهر العز والفخار والكرامة، فتحاول التحطيم والتخريب.
ونحن اليوم، نحتفل بعيد وزيارة مقام النبي شعيب (ع)، ونحتفل خلال السنة، في كل المقامات الدرزية، بزيارات مماثلة، والمنظر الذي تشاهده في الزيارات في كافة المقامات، ذلك البحر من العمائم البيضاء الذي يغمر الساحة أو القاعة، هذا المنظر هو الوجه الحقيقي للطائفة الدرزية، فهو الوحدة في أجمل وأجل صورها، ونحن بقاؤنا في وحدتنا، ولا باس أن نختلف في الرأي، وأن نظل محافظين على أعز ما نملك، وهو إيماننا بالتوحيد. وقديما سئل كبير المتصوفين، الشيخ محيي الدين بن عربي يوما، من قِبل أحد تلاميذه :" ما هو اسم الله المفضّل ؟ فأجاب:  آمن به، وأطلق عليه من الأسماء، ما شئت.



 

وكل عام وانتم بخير


سميح ناطور
دالية الكرمل
نيسان 2014

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.