spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 121
مدينة القدس والدروز
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
وجه المقام هو وجه الطائفة طباعة ارسال لصديق
مقام النبي شعيب (ع)، هو أكثر المقامات الدرزية، شهرة في البلاد وفي العالم. وقد كان قبل قيام الدولة وما زال، من المقامات المركزية في تاريخ الطائفة الدرزية، يقصدون زيارته من كل الحواضر الدرزية، لأهداف دينية، واجتماعية، وتراثية مختلفة. كما لفت المقام نظر الرحّالة، والمسافرين، ورجال الدين الأجانب، الذين قاموا بزيارته، ودوّنوا تفاصيل هذه الزيارات في مذكراتهم، بالرغم من أن بلادنا، تزخر بعشرات الأماكن المقدّسة، لكافة الطوائف، والمنتشرة في جميع أنحاء البلاد. ومن بين هذه الشهادات، تظل مقالة الكاتب والمسافر الإيرلندي، سير لورانس أوليفانت، من أهم المقالات والكتابات عن المقام، لأنها تُعتبر شهادة، حيّة لحدث اجتماعي ديني، من الدرجة الأولى، جمع في المقام الشريف، عددا كبيرا من أبناء الطائفة الدرزية، من كافة الأماكن، للاحتفال بالزيارة السنوية، التي كانت في أوائل عهدها في ذلك الوقت. وقد اعتمد على هذه المقالة، عشرات المؤرخين والباحثين، ودوّنوا ما قام أوليفانت بتسجيله، وهو في غالبيته، يعطي صورة جميلة مشرقة، عن أبناء الطائفة الدرزية، وعن واقعهم الجميل، في ذلك الوقت، وعن شدة تديّنهم، وعن تقواهم، وعن احترامهم للمرأة، وعن الاحتشام والوقار، اللذين برزت بهما المرأة الدرزية في ذلك الوقت، حيث ظلّت في أذهان القرّاء، صورة جميلة خالدة، مطابقة للواقع، تلهج بذكر الطائفة الدرزية، وتذكر أمجادها.
وكان المقام في تلك الفترة، عبارة عن بناية صغيرة، تضم العقد الذي بناه السلطان صلاح الدين الأيوبي، بعد معركة حطين عام 1187،  وكذلك حجرة الضريح فوقه، وقاعة بجانبه. وهذا البناء، هو الذي قام بترميمه وتوسيعه، فضيلة المرحوم الشيخ مهنا طريف، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية عام 1882. ومع الوقت، تمّ إضافة أجنحة جديدة في المقام، في عهد المرحوم الشيخ طريف طريف، وفي عهد المرحوم الشيخ أمين طريف، حتى قام فضيلة الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي للطائفة حاليا، بالمشروع الكبير، بتوسيع وترميم وتصليح المقام، لكي يقوم بأداء واجبه، كمرآة للطائفة الدرزية في البلاد. ومع الوقت، زاد الاهتمام بالمقام، وكثرت الزيارات إليه، وخاصة في السنوات الأخيرة، حيث يقصده كافة أصدقاء الطائفة الدرزية، من شعوب العالم، ويقوم بزيارته كل من يهتم بالأديان، والأماكن المقدسة، والأقليات، ويطّلع عليه رجال إعلام، وصحفيون، وكُتّاب، بسبب المكانة المركزية، التي يتبوّأها النبي شعيب عليه السلام عند شعوب العالم، وبسبب أهمية الطائفة الدرزية، والدور الذي تقوم به في الدولة وفي المنطقة.
 
ونلاحظ أن المقام، تحوّل من بناية متوسّطة، أدّت كامل وظائفها في الثلثيْن الأوليْن من القرن العشرين، وتحوّلت إلى مشروع كبير، قام المجلس الديني بتنظيمه وتخطيطه، بالشكل الصحيح السليم، ليتمكّن من استيعاب الآلاف المؤلفة من الزوار، من أبناء الطائفة الدرزية، الذين يقصدونه للصلوات، ولإيفاء النذور، وللتشبث بالعقيدة والإيمان، ولقضاء بعض الوقت في باحاته الخارجية، في جو من الاحتشام، والهدوء، والطمأنينة. وقد قام فضيلة الشيخ موفق طريف، بالاستعانة بالخُبراء، والمختصّين، وشيوخ الطائفة،  لوضع برنامج شامل للبناء والتعمير في المقام، بحيث يستطيع المقام أن يفي بكافة الأغراض المرجوة منه، وقد تمّ إعداد وتجهيز، الباحة الخارجية للمقام، بكافة الوسائل والأدوات المطلوبة، التي تسهّل للعائلات الدرزية، قضاء ساعات في جو داخلي  هادئ. كما تم تجهيز كل ما يتطلب من طاولات، وأنابيب ماء، وأجهزة نفايات، وتعبيد طرق، وزراعة أشجار وورود، وإقامة مراحيض ومتطلبات أخرى، حيث تستطيع العائلة أن تقضي نهارا كاملا في رحاب المقام الشريف، بسعادة، وانتعاش، وراحة بال. هذا بالإضافة إلى إعداد وتجهيز قاعة كبيرة للاجتماعات والاحتفالات، وإلى تأمين جناح خاص، لإيفاء النذور، مجهّز بمسلخ لتقديم القرابين، وبمطابخ، وبرادات، وأفران، مع تأمين قاعات للطعام مريحة، بحيث تستطيع أكثر من عائلة، أن تقوم بأكثر من نذر في نفس الوقت. وقد بُني في المقام، جناح خاص للإرشاد الديني للطلاب، فيه غرف للنوم، ومطابخ، وحمامات، وقاعات دراسة وغير ذلك. كل هذه الأمور، تجعل من المقام، مرآة للطائفة الدرزية بأكملها. وكل ما يتطلب من الجمهور، هو التقيّد بالتعليمات، والمحافظة على النظام والنظافة، والتصرّف بلياقة واحتشام في كل أنحاء المقام، بما في ذلك الباحة الخارجية، والاهتمام بالمحافظة على البيئة، وعلى الأجهزة، والمزروعات، والأماكن العامّة المختلفة، ومراعاة شعور الآخرين، حيث يُمنع استعمال مكبّرات الصوت وغيرها، من أجل قدسية المقام.
 وكل من يزور المقام، في الأعياد والعطل والمناسبات، يشهد أن المقام، يستوعب مئات العائلات كل يوم، يقضون فيه أجمل الأوقات، في جو روحاني مريح. ولو لم يكن هذا المكان موجودا، لاضطرت هذه العائلات، أن تقضي أوقاتها على الشواطئ، أو في الأماكن العامة الأخرى الغير مناسبة لعاداتنا وتقاليدنا، وان تتعرض لمناظر ومشاهد، غير مستحبة في مجتمعنا. وهكذا، فقد أمن المجلس الديني الدرزي، بتجهيزه بجميع الوسائل لراحة الزوار في المقام، وضبط النظام والسلوك الصحيح. وهذا إلى جانب إعداد القاعة الكبيرة لاجتماعات الطائفة الحاشدة، في الأعياد والمناسبات المختلفة. ففي الزيارة السنوية للمقام، يصل إليه في ليلة الزيارة شيوخ الدين الذين يستمرون بالصلوات حتى بزوغ الفجر، وفي اليوم التالي، يؤم المقام آلاف المواطنين الدروز، من شيوخ وشباب، ومتدينين وغير متدينين، وكذلك من الضيوف. وكل قادم، يجد في المقام ما يصبو إليه، فمنهم من يصلي، ومنهم من يزور تبركا، ومنهم من يلتقي بإخوان الدين، ومنهم من يأتي ليكون شريكا في حدث احتفالي سنوي هام.
 وتظهر أهمية المقام أيضا، عندما يجري فيه تأبين لشخصيات توحيدية من خارج البلاد، فمثلا، حضر تأبين المرحوم المعلم كمال جنبلاط في حينه، أكثر من عشرين ألف شخص من كافة الطوائف، وهكذا كان في تأبين المرحوم سلطان باشا الأطرش، والمرحوم الشيخ أبو حسن عارف حلاوة، والمرحوم الشيخ أبو محمد جواد وغيرهم. وتجري في المقام، احتفالات تربوية لطلاب المدارس، تتعلق بالتربية التوحيدية وغيرها، كما تجري فيه استعراضات ومسيرات كشفية، للفرق الكشفية الدرزية، التي تتبارك بوجودها وإجراء نشاطاتها في المقام الشريف، وهكذا الحال، مع منظمات الشبيبة المختلفة، ومع المنظمات النسائية، التي تجمع في المقام، مئات النساء المتدينات، وغير المتدينات، من كافة القرى الدرزية، ليوم دراسي، أو لزيارة جماعية، تتخللها أناشيد دينية وإرشاد. ويظل المقياس، الذي يجب بموجبه، السماح بتنظيم عمل ما، في باحة المقام الشريف،هو مدى التقيد بالعادات والتقاليد المتبعة في الطائفة، فإن كان هذا العمل، لا يمسّ بالأمور المتبعة في المجتمع الدرزي، والمتفق عليها، فلا بأس من إجرائها في باحة المقام، لزيادة ارتباط الأجيال المختلفة بالواقع الدرزي، والتراث، والأصل المعروفي.
 
هذا، بالنسبة لكل ما يتعلق بمشاركة أبناء الطائفة الدرزية، فالمقام هو بيت لكل مواطن درزي، في كل مكان. يستطيع أن يزوره في الأوقات المعهودة، وأن يفعل كل ما يُسمح به، وما هو مألوف في المجتمع الدرزي المحافظ. أما بالنسبة لزوار المقام، من خارج الطائفة الدرزية، فالمقام في حلته الجديدة، يبعث على الاعتزاز والفخر والكرامة، لوجود مقام بهذا المستوى لدى الطائفة الدرزية، فالطائفة تساير الركب الحضاري العالمي، وهي في قراها، وبيوتها، وحياتها اليومية، تستعمل كل الوسائل الحديثة والتقنيات، وتبني لها البيوت الجميلة، وتجهزها بالأثاث والكماليات، وتحاول أن تعيش بمستوى راق، لذلك، لا يمكن أن تبقى المقامات مهملة وغير مطورة، بل يجب ترميمها، ولكن مع المحافظة عل المبادئ والأصول فيها، حسب القوانين المرعية المتبعة. 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.