spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 93
جـمـــعــيـات درزيـــــــة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133


 
العدالة والزهد في عهد الحاكم بأمر الله طباعة ارسال لصديق
 بقلم د. سلمان حمود فلاح
لقد عمل الحاكم بأمر الله، منذ تولى الحكم على انتهاج طريق العدل والإنصاف والمعاملة المتساوية للجميع، طالما الكل يتصرف حسب الأصول والقواعد والنظم المرعية، وبدون استغلال أو تسلط أو أي شذوذ. وجاء في كتاب محمد عبد الله عنان ص 158 قوله:
"وثمة خلة بارزة أخرى من خلال الحاكم هي العدالة، وربما كان غريبا أن تمثل العدالة، في معترك من الخلال يشوبه كثير من الشذوذ والتناقض، لكن الواقع أن هذا الذهن المضطرم، كان يرتفع بمعيار العدالة إلى حدود تحمل على التقدير والاحترام، وقد أشادت الروايات المعاصرة بهذه الخلة الرفيعة التي يدلل عليها الحاكم في مواطن كثيرة. وإليك ما يقوله مؤرخ نصراني وهو الأنطاكي:" وأظهر (أي الحاكم) من العدل ما لم يُسمع به، ولعمري إن أهل مملكته لم يزالوا في أيامه آمنين على أموالهم، مطمئنين على نفوسهم، ولم تمتد يده قط إلى أخذ من مال أحد،  بل كان له جود عظيم، وعطايا جزيلة، وصلات واسعة، ولقد قتل من رؤساء دولته وأهل مملكته ممن لهم الأموال العظيمة، ما لا يقع عليه الإحصاء لكثرته، فلم يتعرّض لأخذ مال أحد منهم، لا سيما من كان له وارث، ومن لا وارث لهم، كانت تركتهم تُستوهب منها فيهبها على الأكثر. وأسقط جميع الرسوم والمكوس التي جرت العادة بأخذها، وتقدّم إلى كل من قبض منه شيئا من العقار والأملاك بغير واجب، أو في مصادرة في أيامه وأيام أبيه وجده، أن يطلق ما قبض منه." وكان مما عُني به الحاكم مما يتصل بشؤون العدالة، إصلاح المكاييل والموازين وضبطها، والنهي عن البخس فيها، وقد صدر بذلك سجل سنة 395 هجري،1004 م. ونقلت إلينا الرواية الكنسية واقعة تدل على تقدير الحاكم لمعنى العدالة واحترامه القضاء، وهو أنه حينما صدر مرسوم تحريم النبيذ، وأمر بإتلاف الكروم والزبيب والعسل، تقدم إلى قاضي القضاة، شخص أُتلِفت بضاعته من الزبيب والعسل، وادعى على الحاكم بأنه أتلف ماله الحلال بغير حق، وأنه لم يحرز الزبيب والعسل لصنع الخمر، وإنما لصنع الحلاوة فقط، وطالب الحاكم بأن يعوّض له ما أتلف من ماله وقيمته ألف دينار. فقبل الحاكم الخصومة، وطلب أن يحلف التاجر على صدق دعواه، وأنه إنما أحرز هذه البضاعة لصنع الحلاوة فقط، فحلف التاجر وحكم له بماله، وأدى له الحاكم ما طلب. ونلاحظ إن أقوال الرواية النصرانية والكنسية في هذا الموطن، وهي أشد الروايات وطأة على الحاكم، قيمتها ومغزاها. بيد أن العدالة لم تكن لدى الحاكم عاطفة فقط، وإنما كانت مبدأ وركنا من أركان سياسته العامة. وقد عني الحاكم بتنظيم القضاء، وتوطيد أركان العدالة وتطهيرها من الرشوة، كما عني بتوطيد الأمن، واشتد في مطاردة الإجرام والضرب على أيدي المجرمين والعابثين بالأمن. وكان لسياسته أثرها المحمود إذا ارتفع معيار العدالة في عصره، وتوطدت أركان الأمن، وقلت الجرائم، ولا سيما السرقات قلة تُذكر.
وورد في كتاب د. الشيخ أنور أبو خزام ص 58 قوله:
 
"..إذا كانت شجاعة الحاكم بأمر الله، وقوة بطشه بأعدائه، قد أعطته صفة المنتصر، فإن العدل كان خلة بارزة من خلاله الحميدة، أجمع عليها المؤرخون المعاصرون له كافة.,, فالحاكم بأمر الله، عادل، منتصر، متواضع، وراكب على أتان،" كما قال الكتاب المقدس.  وإذا كان الحاكم بأمر الله بطاشا بوزرائه وأعوانه في الدولة، لا يتساهل مطلقا، عاكسا نظرة مثالية إلى الحكم، فقد كان في الوقت نفسه، عطوفا، رؤوفا بالضعفاء والمساكين، فلا عجب أن مثاليته ألهمت الموحدين محبة لشخصه قاربت العبادة.".
الزهد
بالرغم من أن الكثيرين هاجموا شخصية الحاكم بأمر الله وسلوكه، إلا أنهم لم يستطيعوا أن ينكروا، انه كان عفيف النفس عن ملذات الحياة، مترفعا، بعيدا عن كل ما كان الحكام والخلفاء والمتقلدون لزمام السلطة يفعلونه، خاصة في مثل سنه. وجاء في كتاب محمد عبد الله عنان ص 159 قوله:
"إلى جانب هذا الجود الشامل، وهذا التعفف، على أموال الرعية، وهذا الجنوح إلى العدالة، كان الحاكم يتمتع بخلّة أخرى، أجمع المؤرخون على الإشادة بها، تلك هي زهده وتقشفه في مظاهره العامة وفي حياته الخاصة. ثم تواضعه المؤثر، واحتقاره للرسوم والألقاب الفخمة، التي كان يحيطه بها مُلك قوي وخلافة باذخة... وفي رجب سنة 403، اصدر الحاكم سجلا يتضمن الأمر بألاّ يُقبّل أحد له الأرض، ولا يقبّل أحد ركابه، ولا يده عند السلام عليه في المواكب، إذ لا يجوز الانحناء إلى الأرض لمخلوق، وإنما هي بدعة من صنيع الروم، لا يجمل أن يجيزها أمير المؤمنين، ويكفي في السلام الخلافي أن يقال: "السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته"... ومنع الحاكم أيضا ضرب الطبول والأبواق حول القصر، فصار الحرس يطوفون بلا طبل ولا أبواق.
وترك الحاكم ركوب العماريات، والخيل، والبغال المسومة، وترك معظم رسوم الفخامة، التي امتازت بها مواكب الخلفاء الفاطميين، وكان يدفعه لذلك، شغف حقيقي بالبساطة، كانت هذه النزعة إلى البساطة تسود معظم المواكب والاستقبالات الرسمية. وكان الحاكم يركب في المدينة في أبسط المظاهر، التي تذكّرنا بديمقراطية المسلمين الأوائل، فيرتدي ثيابا بسيطة، أو يرتدي دارعة صوف بيضاء، ويتعمم بفوطة، وفي رجله حذاء عربي ساذج، وقد يركب فرسا بلا زينة أو حمارا، وفي أحيان قليلة، يركب محفة يحملها الرجال، أو عشارية تشق به النيل، وكان أغلب طوافه بالقاهرة على الحمير، دون موكب ولا ضجة، ولا يصحبه من الخدم سوي بضع من الركابية... وكان طوال حياته يميل إلى الاتصال بالشعب والاختلاط به، ومع أن أبواب القصر كانت تُفتح دائما لكل قاصد من ذوي الحاجات والمتظلمين، فإنه كان أثناء طوافه يشغل بتلقي رقاع الكافة، والاستماع إلى ظلاماتهم بنفسه، وقضاء ما استطاع من حوائجهم، وربما حمل إليهم بنفسه السجلات والمراسيم المطلوبة.".  
 
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.