spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 118
سياسة السُّكوت عند الدُّروز
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كلمة العدد: الذين يجدون في نور الشمس نعمة كبرى طباعة ارسال لصديق
يروى عن الفيلسوف الكبير ذيوجانس، أنه رأى يوما طفلا يشرب من راحة يده، فحدّق به مليا، وقام توّا، وكسر كل الأوعية التي كان يشرب ويأكل بها، وقال: هذا الولد، علّمني أنني ما زلت أحتفظ عندي بما يفيض عن حاجتي...
ونحن، إذا تمعّنا في هذا الحدث، ودققنا فيه، لتعلّمنا فلسفة عميقة، انتهجها الآباء والأجداد والأولياء، وهي أن نعمل ونتصرّف ونسلك بقدر إمكانياتنا، وبقدر ما تسمح لنا به ظروفنا، وما نستطيع بواسطته أن نفي بالتزاماتنا، وإذا سلكنا هذا الطريق، تظل الأمور في تحكّم من قِبلنا، ويستطيع كل منا أن يعيش بقناعة وباكتفاء وبمستوى رفيع، دون أن ينجرف، أو يفقد السيطرة، أو يكون مرتبطا ومتعلقا بالآخرين. وهذا الأمر لا ينطبق على الأمور المادية فقط، وإنما يمكن أن نستعمله في كافة نواحي الحياة. فنحن مجتمع حيّ نشيط فعّال، دائب الحركة، سريع التقدم والتطوّر، ويضم إمكانيات وقدرات وخامات وطاقات كثيرة. وكل مجتمع سليم يحتوي على هذه القدرات، تحصل فيه عملية انتقاء طبيعي، بحيث أن كل صاحب موهبة، يتوجّه إلى الناحية التي يشعر فيها بأنه قوي، فالميول والطبائع لا تتساوى عند كل بني البشر، فهناك إنسان يعمل شيئا ويجد به لذة كبيرة، في حين ترى إنسانا آخر لا يطيق هذا العمل ولا يمكن أن ينفذ منه شيئا. هكذا تتوزّع الأعمال والأشغال والمناصب والمهمات، على شرائح البشر المختلفة، فأحيانا كثيرة تجد أحدهم، يقف مستغربا مستهجنا، كيف يقوم شخص ما بعمل معيّن، وفي نفس الوقت، يستغرب هذا الشخص الآخرين، كيف يزاولون هم أعمالهم ويرضون بها. وهذه نعمة كبيرة من الله، سبحانه وتعالى، أنه منح القناعة لغالبية أبناء البشر، وجعلهم يصلون إلى اكتفاء ذاتي بما لديهم، دون أن يتطلعوا أو يتحسّروا أو يطمعوا بما ليس متوفرا عندهم. والعقائد الدرزية توصي وتنادي وتدعو إلى الاكتفاء وإلى القناعة، مثلما تدعو لذلك كل الأديان والمؤسسات، وكل من يسير حسب المنطق والعقل والتفكير والاتزان. لكن العالم لا يسير بالضبط بموجب هذه القوانين، فالطمع والحسد يستحوذان على الإنسان ويدفعانه إلى عمل أشياء كثيرة ليس له بها حاجة، وممكن أن تضره وتسبب له الإزعاج والمشاكل، لكنه يركب رأسه ويصر على ذلك. ومع أن كل النواميس والآداب تنادي بالقناعة، إلا أن التطبيق والاستجابة لذلك غير متوفرين دائما، عند أعداد عظيمة من البشر. فهناك أناس يعانون من نقص معيّن، أو من عاهة، وهم يحمدون الرب على الأمور الأخرى التي لم يحرمهم منها، ومنهم من هو مقعد، أو مشلول، أو مقطوع من أحد الأطراف، لكنه يظل دائما حامدا شاكرا، مبتهلا إلى الله، سبحانه وتعالى، أن لا تسوء الأحوال أكثر. وهناك أناس لا ينقصهم شيء من ناحية تركيب جسم الإنسان، ومن ناحية عقليتهم، ومن ناحية أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. لكنك تجدهم غير راضين، ساخطين، حاقدين، يتشككون ويتذمّرون ويئنون من هول الأوضاع، بالرغم من أن أوضاعهم أحسن بكثير من المئات والآلاف الذين يحمدون ويشكرون دائما. ونحن نرى أنه، إذا راقب إنسان إنسانا آخر، وابتهج لغناه وثروته، فهذا أمر طبيعي، أن يتعلم الواحد من الآخر، وأن تحصل منافسة في المجتمع، وأن تكون محفّزات عند العائلات وأرباب البيوت، للتقدم والتطور في الحياة، لكن أن يتحوّل ذلك إلى هوس، أو إلى مرض، بحيث يستعبد هذا الإنسان كل قدراته، ويجنّد كل إمكانياته، من أجل أن يحصل على أمور ليست في مقدور استطاعته، فهذا أمر غير طبيعي، ويؤدي إلى الخلل في المجتمع.
كان مجتمعنا قبل عشرات السنين، قرويا، عفويا، بسيطا، يمتاز بطيبة القلب والعلاقات الطيبة بين الناس، والمحبة المتبادلة، والمساعدة والمشاركة، والدعم في الضيق. وكانت الأوضاع كلها مبنية على الطبيعة، وعلى المواد الأولية فقط، فلم تكن بيوت فخمة، ولا سيارات، ولا كل مباهج الحياة الموجودة اليوم، لكن الناس كانوا سعداء، ويشعرون بالغبطة وبطعم الحياة ومعناها. ويعتقدون أنهم قدموا إلى هذه الحياة، ليؤدوا رسالة اجتماعية اقتصادية فنية إنسانية دينية، أو أي أمر آخر، كل حسب مقدوره واختصاصه. وكان الجار يبتهج لنجاح جاره، والأخ يعتز في تقدم أخيه، وكان الأمن والاستقرار مستتبيْن،  بالرغم من بساطة الحياة، وعدم توفر أمور كثيرة موجودة اليوم. وكانت قوة الناس والمجتمع في البساطة، فقد كان في جو القرية، طاقة هائلة من القدرات والإمكانيات عند أفراد القرية، مختزنة إلى يوم يحدث شيء ما، يتطلب هذه الطاقة. وكانت كل قرية تقوم برعاية أبنائها من شيوخ عجزة إلى أطفال عمرهم أسبوع، بدون أي حاجة لمؤسسات ومنظمات وحكومة ووزارات. كانت القناعة سائدة على مستوى فردي، وعلى مستوى جماعي، وهذا لم يمنع أن تكون هناك طموحات وأمال ومخططات وبرامج للتقدم. لكن إن حصل ذلك، لا يطير الإنسان من الفرح، وإن لم يحصل، فلا يموت جزعا وفزعا. وكانت كل قرية تبتهج لنجاح كل فرد منها، وكأنه نجاح لكل بيت، ولم يسمح لشيخ أن يلجأ لبيت عجزة، ولم تنقل امرأة حامل لمستشفى ولادة، ولا يصل فقير إلى دائرة شؤون، بل كانت الأسرة المصغّرة، والعائلة الكبيرة، تزوّد كل فرد بما يحتاجه وفي أي مجال.
واليوم تغيرت الأحوال، وتبدّلت الأمور، وأصبح كل بيت يملك القصور، ويضم أسطولا من السيارات، ويمتلك أفخر الأثاث، ولا ينقصه أي شيء، ويتبارى الجميع في الحصول على أكثر وأكثر، لكنك تراهم جميعا غير سعداء. فالمنافسة أصبحت مرضا، والتقليد الأعمى أصبح آفة اجتماعية، والغيرة والحسد يقتلان أصحابهما أحيانا، وكلنا يرى ذلك، ولا يتعلم، ولا يرتدع، إنما نظل سائرين في الطريق الذي قد يؤدي بنا إلى الهلاك.
وفي هذا الصراع وراء المادة، ووراء الشهرة، ووراء البروز، فقدّنا أشياء كثيرة، وابتعدنا عن منابتنا، وتنكّرنا للوجه الحسن، الذي ميّزنا ورافقنا طوال مئات السنين. 
ونحن نكتب كل هذا، وأمام أعيننا، أوضاع إخواننا في سوريا، الذين يعانون من أزمة وجود حقيقية. فالحرب الأهلية، هي من أصعب أنواع الشرّ، الذي يمكن أن يلحق بالإنسان، فأنت تقاتل وتضحي، ولا تعرف لماذا ومتى وكيف وإلى أين ستصل. وإخوتنا في سوريا، والخطر قد يصل أيضا إلى إخوتنا في لبنان، كانوا قبل ثلاث سنوات، يعيشون برفاهية وبذخ وتبذير بلا حساب، ولم يفكّروا بأنهم قد يصلوا إلى الوضع الذي وصلوا إليه. ونحن هنا، ننعم، والحمد لله، بالديمقراطية وبالأمان وبالاستقرار، ونعتقد أن ما يحدث هناك، هو أفلام أو قصص أو أخبار من عالم آخر، وكأننا متأكدون أن ذلك لن يحدث لدينا أبدا.
وعندما نقف في باحة مقام سيدنا الخضر (ع) نبتهل ونصلي إلى الله سبحانه وتعالى، أن يديم الأحوال لدينا، وأن يحلّ مشاكل إخواننا في سوريا ولبنان، وأن يهدينا إلى الطريق السوي الصحيح، قبل فوات الأوان، وعلينا أن نذكر دائما قصة أخرى لسيدنا ذيوجانس الذي جلس في حفرة وجاء حاكم المدينة يتفقد أحواله، فطلب منه أن يترك بسرعة، لأنه يحجب عنه نور الشمس...

وكل عام وانتم بخير


سميح ناطور

دالية الكرمل
كانون ثاني 2014

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.