spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 1
زيارات لرجالات الدين في لبنان
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
المنهج الاقتصادي في عهد الحاكم بأمر الله طباعة ارسال لصديق
 بقلم د. سلمان حمود فلاح
لقد كان الخليفة الحاكم بأمر الله حاكما لدولة مترامية الأطراف، وكان عليه أن يوفر الغذاء والمأكل والمشرب لجميع السكان، شأنه شأن كل حاكم. وكان عليه أن يهتم بكل النواحي الاقتصادية المختلفة التي ترافق وجود دولة بهذا الحجم. وعن المنهج الاقتصادي في عهد الحاكم بأمر الله، كتب الأستاذ يوسف سليم الدبيسي  في موسوعة أهل التوحيد، المجلد الثاني ص 40 قوله:
"كانت الحياة الاقتصادية في مصر قائمة على الزراعة بالدرجة الأولى، وتوقفت وفرة الإنتاج على نظام الري واستصلاح الأرض، لذلك انصبت عناية الفاطميين على العمل الدائم في صيانة الترع وتجفيف المستنقعات وبناء الجسور وترميم المتهدم منها، وضاعفوا اهتمامهم بمقاييس النيل التي كانت تُعتبر ميزانا دقيقا للرخاء أو القحط ونذيرا صادقا لكوارث الفيضان.  كان جني المحاصيل الزراعية في مصر وما يزال موزعا على مدار فصول السنة، فلم تكن محدودة المواسم، وقد اشتملت غلاتها على مختلف أنواع الحبوب والبقول، بالإضافة إلى محاصيل الصناعة الغذائية والكيماوية، كقصب السكر والنيلة والقرمز والزعفران، وعلى أشجار الفاكهة التي عُني بغرسها واستثمارها في أيام الفاطميين، كالكرمة والتين والتفاح والتوت والخوخ والمشمش والنخيل والموز واللوز والليمون. وكانت لهم عناية كبيرة أيضا في إنشاء البساتين التي غرسوا فيها أشتال الرياحين، كالورد والنرجس والبنفسج والفل والقرنفل والزنبق والياسمين.
وفي ميدان الصناعة، اشتهرت مدن الفيوم وتنيس ودمياط وشطا، بنسج أجود أنواع الكتان، واشتهرت دبيق بالمنسوجات الحريرية الفاخرة والعمائم المذهبة، كما كانت تُصنع فيها كسوة الكعبة المشرفة. وقد أنشا فيها المعز لدين الله دار الكسوة الشهيرة، وصنع الثياب الخاصة بأفراد الأسر الفاطمية   وكبار القادة والأعيان في الدولة. وهو الذي أسس أيضا دار الصناعة بالمقس لبناء السفن الحربية والتجارية.  ومن الصناعات المصرية المزدهرة في أيام الفاطميين أيضا صناعة الخزف والزجاج والجلود.  ومثلما كانت التجارة الداخلية ناشطة فإن التجارة الخارجية في غاية الازدهار أيضا، بسبب موقع القاهرة الممتاز الذي كان ملتقى لطرق التجارة العالمية، ونقطة تجميع وتوزيع لجميع أنواع البضائع والسلع الآتية من آسيا وأوروبا وأفريقيا... وكان التجار الأوروبيون، وفي مقدمتهم تجار المدن الإيطالية، ينزلون في فنادق خاصة بهم في بعض الموانئ والمدن، وكانت لهم فيها كنائسهم الخاصة وفنادقهم."
غير أن مصر الفاطمية شهدت أزمات اقتصادية حادة وتعرّضت لمجاعات رهيبة في تاريخها، بسبب التفاوت الكبير الذي كان يحصل على منسوب مياه النيل.
وحين كان الحاكم بأمر الله منشغلا بقتال الثائر أبي ركوة عام 396 هجرية، تضاعفت أثمان السلع والمواد التموينية في الأسواق، وأخذ شبح المجاعة يطل برأسه في الأحياء الفقيرة، غير أن هذه الحالة لم تدم طويلا، إذ أن الحاكم استطاع بصرامته وحسن تدبيره، أن يحقق النصر في آن واحد على أبي ركوة في ميدان القتال، وعلى طوائف المحتكرين والمستغلين في مجال الاقتصاد، وعادت الطمأنينة إلى القلوب وهدأت الخواطر والنفوس...
وقد أمر الحاكم بإضاءة الشوارع والأسواق والحوانيت ليلا في القاهرة والفسطاط، ولم يكن يُعمل بذلك من قبل، ولعله كان يهدف من هذا الإجراء أيضا تسهيل مهمة رجال الحسبة للحد من أعمال السرقة وحوادث الإجرام. وكذلك ترغيب أصحاب الحرف والصناعات في العمل الليلي، بدلا من العمل المرهق في حر النهار. لكنه سرعان ما وجد أن هذه التجربة الأخيرة فاشلة فأبطلها.
وكان الفاطميون قد نظموا الأوقاف، فجعلوا لها إدارة واحدة تشرف على وارداتها ونفقاتها، وأطلقوا على هذه الإدارة اسم ديوان الأحباس. أما ديوان المفرد فقد خصّه الحاكم بالأموال المصادرة من كبار رجال الدولة، أو ممن أدينوا وحُكم عليهم بالإعدام. ومن المشاريع الاقتصادية الهامة التي حققها الحاكم في أيامه، مشروع تطهير خليج الإسكندرية الذي كان له الأثر الكبير في تسهيل أعمال الري والمواصلات.
وجاء في كتاب الأستاذ فؤاد سليم أبو رسلان  " الحاكم بأمر الله" ص  63  عن الحياة الاقتصادية في عهد الحاكم بأمر الله قوله:
" شهدت مصر الفاطمية أزمات اقتصادية حادّة بسبب التفاوت الكبير الذي كان يحصل على منسوب مياه النيل، وتعرّضت مصر مرارا لمجاعات كثيرة في حياتها، مما أدّى إلى اختفاء الغلال الزراعية والمواد الغذائية من الأسواق، وفقدان الأمن وانتشار الفوضى. ومن الطبيعي في هذه الأحوال أن تشتد الأزمة في مؤسسات الدولة، إذ لم يكن زمام الأمور في يد قوية، وكانت القاهرة في زمن الحاكم بأمر الله، من أعظم الحواضر في العصر الوسيط وأكثرها ازدهارا وعمرانا. وقد تحدّث عن ازدهارها الرحالة الفارسي ناصر خصرو الذي زارها عام 437 هجري ... وكان عدد سكانها يربو على نصف مليون نسمة وكان الحاكم شغوفا بتلك المدينة واشتهر بكثرة تجواله في أحيائها وكان يشرف على مجمل نشاطها وشؤونها وخاصة الناحية التموينية، لمحاربة الاحتكار والتلاعب بالأسعار ومعاقبة المستغلين السماسرة والتجار، ولحماية المجتمع من موجة غلاء مصطنعة، وصون النظم الاقتصادية من عبث المستغلين الذين لا وازع لهم ولا ضمير. هذا ولم ينجُ التجار الجشعين من العقوبات الصارمة. "
"ويروى أنه وقع غلاء في زمن الحاكم في مصر، فاستغاث الناس به، فأرسل للتجار في اليوم التالي يدعوهم لأداء فريضة الصلاة في جامع راشدة. فكان إذا وجد في طريق عودته متجرا للحبوب خاليا، ضرب عنق صاحبه، فارتاع التجار من شدة بأس الحاكم وسطوته. وأخرجوا ما اختزنوه من الغلال حتى امتلأت بها الطرقات، ثم استدعاهم الحاكم إلى قصره، وقرر معهم ألاّ يدخروا في بيوتهم ما يفيض عن حاجة كل فرد منهم من المواد التموينية، وحدد أسعار المواد الغذائية. كان من نتيجة تلك التدابير الاقتصادية أن الحاكم حافظ على قوت الشعب ومنع التلاعب بأسعار المواد الغذائية، فعمّ الرخاء وانطفأ وجه التوتر والقلق عن احتكار المواد الغذائية.
"وحفاظا منه على الثروة الحيوانية، منع ذبح الأبقار في عيد الأضحى، وخاصة منع ذبح الإناث منها. ومنع كذلك اصطياد الأسماك الصغيرة للحفاظ على الثروة السمكية.
"إن هذه الإجراءات هي عينها الإجراءات التي تتخذها الحكومات الحديثة خلال الأزمات الاقتصادية،  ولم يعالج الحاكم الناحية الاقتصادية بوسائل الرقابة الشديدة فحسب، بل اتبع سياسة نقدية ساعدت على استقرار السوق، ومنعت عملية التلاعب بالعملة والأسعار. وبلغ من سطوته على التجار، أنهم كانوا يتركون أبواب متاجرهم ودكاكينهم مفتوحة ليلا ونهارا، دون أن يفقدوا منها شيئا. وبلغ الحاكم بمنهجه الاقتصادي أعلى المستويات، عندما أقرّ مبدأ توزيع الأرض بمصر على الفلاحين الذين كانوا يعملون بها. ولقد ألغى الكثير من الرسوم، ربما لتخفيف الأعباء عن الصناعة والتجارة، مما يؤدي إلى زيادة نشاطهما وانخفاض أسعار السلع، وهذا دليل ساطع على أن الحاكم كان سابقا لأوانه، لأنه أخذ ببعض مظاهر الحرية الاقتصادية. كان الحاكم زاهدا في أموال الدولة، كما اهتم بتنظيم القضاء وتطهيره من الرشوة وطارد العابثين بالأمن. ويجمع الرواة أن الحاكم كان جوادا وافر البذل والإحسان طوال عهده، وأنه اصدر عام 1013م نظاما خاصا بالبر والعطايا تُوزع بموجبه الأموال على الفقراء.   
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.