spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 83
الأمـير الســـيــد جمال الدين عبد الله التنوخي (ق) - الجزء الثاني
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
زيارة فضيلة سيدنا المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف لجبل الدروز رئيسا لوفد مصالحة طباعة ارسال لصديق
لقد كان من الأعمال العظيمة، التي قام بها فضيلة المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف،في منتصف القرن العشرين، هو ترأسه للوفد الكبير الذي ضمّ مشايخ لبنان ومشايخ بلادنا، والذي سعى لإحلال الصلح في جبل الدروز عام 1947، بين ما سُمي الحركة الشعبية والطرشان. وقد قرر كبار المشايخ الذين اشتركوا في الوفد أن يترأس هذه المجموعة المبجّلة، فضيلة سيدنا المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف،  للمكانة الكبيرة التي كان يتمتع بها في كافة الأوساط الدرزية في ذلك الوقت، ولأن الأمور استفحلت ووصلت إلى درجة من الفتنة والاضطرابات في داخل الجبل، شكّلت خطرا على وحدة الدروز.
وكان الجبل ما زال يضمّد جروحه، ويرمّم ما خرب، ويستعيد قواه، بعد مرور عشرين سنة على نشوب الثورة السورية الكبرى عام 1925. وقد بادر، كما هو معروف، إلى الثورة ضد الانتداب البريطاني، عطوفة الزعيم سلطان باشا الأطرش، وقادة الدروز في الجبل والمناطق الأخرى وبعض الزعماء من الطوائف السورية، من أجل تحقيق الاستقلال، والحفاظ على كرامة الدولة السورية والطائفة الدرزية. واستمرّت الثورة لمدة سنتين، وكانت مليئة بالبطولات الدرزية الخارقة، ووقعت فيها معارك، انتصر فيها الثوار، وحققوا فيها أعمالا وإنجازات، ما زالت نقاطا مضيئة في تاريخ الطائفة والدولة السورية. لكن السكان عانوا من المطاردة، والدمار، والخراب، والقتل، والانتقام من سلطات الانتداب الفرنسي، التي وضعت كل قدراتها وإمكانياتها، من أجل القضاء على الثورة، وملاحقة ومطاردة الثوار خاصة، وكافة السكان في الجبل عامة. ومع أن الثورة شملت مناطق أخرى في سوريا، إلا أنها تميّزت بقيام أبناء الطائفة الدرزية في العبء الأساسي من أعباء هذه الثورة. فبالإضافة إلى معاناة الدروز في الجبل، اشتعلت الثورة في إقليم البلان، وفي وادي التيم، وفي أماكن أخرى، يسكنها دروز. ومع أن الثورة حظيت بدعم وتأييد من أوساط كثيرة في الشعب السوري، ومن تعاطف وتأييد من كافة الدول العربية، إلا أن الوحيدين الذين استمروا فيها حتى النهاية هم الدروز، وسكان الجبل من باقي الطوائف، وهم الذين اضطر زعماؤهم في النهاية إلى النزوح عن قرى الجبل، واللجوء إلى الدول المجاورة، والغياب عن البيت والأهل لعدة سنوات. وقد قامت الطائرات التابعة للانتداب الفرنسي، بتفجير وهدم البيوت في القرى الدرزية، وسبّبت وقوع آلاف الضحايا من النساء والشيوخ والأولاد، هذا عدا عن المحاربين الرجال الذين استشهدوا أثناء أداء الواجب في المعارك وفي ساحات القتال.
 
وقد عمّ الهدوء بعد ذلك، وعاد المهجّرون إلى بقايا بيوتهم عام 1936، وبدأ الجبل يستعيد أنفاسه، ويحاول أن ينهض من جديد بالحياة والنشاط، مثلما كان قبل الثورة. وتم انتهاء الانتداب، وحصلت الدولة السورية على استقلالها، وكان للثورة السورية الكبرى، التأثير الكبير في هذا الاستقلال.  وظل بريق الثورة السورية الكبرى، يتلألأ في سماء المنطقة كل الوقت، مشيرا إلى تضحيات أبناء الطائفة الدرزية، وإلى دورهم الكبير في الكيان السوري الجديد، بعد الحصول على الاستقلال. وقد سبب ذلك مخاوف وتحسبات لدى الزعماء والسياسيين في العاصمة السورية، دمشق، فقد أدت الثورة السورية الكبرى، إلى تضخيم للهالة العسكرية والنضالية المشرفة للدروز، التي بدأت في مستهل القرن التاسع عشر، ضد الحكم العثماني وإبراهيم باشا وغيرهم، فتكوّنت مع الوقت، صورة  فاخرة للدروز، تشير إلى بطولاتهم، وإلى قوتهم، ونفوذهم، وشجاعتهم، وإقدامهم على مجابهة الإمبراطوريات، دون خوف أو وجل، فأخذ السياسيون في العاصمة، يتحسّبون ويفكرون، كيف يمكن إبطال القوة الكامنة عند الدروز، ووجدوا أن لا مناص من تفكيك الوحدة الداخلية عندهم، وإضعافهم، عن طريق خلق نعرات عائلية داخلية، وزيادة الانشقاق والانفصال فيما بينهم، وبذلك يمكن تحديد قوتهم وسطوتهم وإمكانياتهم.
 وقد نجحوا في مساعيهم هذه، واستغلوا وجود بعض الأحداث الصغيرة، فخلقوا ما سُمي "ثورة الشعبيين" ضد عائلة الأطرش، هذه المحاولة التي كلفت الجبل غاليا، والتي نجح المغرضون في خلقها من أجل إضعاف الجبل. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يحدث أمر كهذا، ففي الثمانينات من القرن التاسع عشر، وقعت ثورات وقلاقل ضد عائلة الأطرش، التي استلمت زمام القيادة في قرى الجبل في الخمسينات من القرن التاسع عشر، بعد عزل عائلة الحمدان من هذه القيادة. وقد حصل في تلك الفترة الفلاحون على امتيازات وعلى حقوق، واستمر أبناء عائلة الأطرش في الحكم والنفوذ في القرى المختلفة في الجبل.
وعندما تم الاستقلال، وشُكّلت حكومة مركزية في دمشق، توقع سكان الجبل أن يحظى الجبل باهتمام الحكم المركزي، وبتخصيص الميزانيات والإمكانيات لقرى الجبل، لتعميرها وتقديم الخدمات لسكانها، أسوة بباقي المحافظات على الأقل. لكن الحكم المركزي هناك، أهمل كل هذه الأمور، ولم يعط الجبل حقه. وقد قام سكان الجبل بالمطالبة بمنحهم حقوقهم، خاصة وأنهم هم الذين ضحّوا بكل ما لديهم، من أجل حصول الدولة السورية على استقلالها. وكان هذا الطلب موجَّها من قِبل كافة الأوساط في الجبل، باعتبار أن ذلك حق شرعي للمواطنين الدروز في الجبل الأشم.
 
وقد مرّ جبل الدروز في النصف الأول من القرن العشرين، بتغيير معيّن، حيث ظهر فيه عدد من المثقفين، ومن الضباط، ومن الوجهاء من العائلات المختلفة، الذين شعر كل واحد منهم، أنه ساهم في الحصول على الاستقلال، وأنه يحق له المشاركة في الحكم، عن طريق الانتخابات أو التعيينات أو غيرها. ولما اقتربت الانتخابات النيابية للبرلمان السوري عام 1947، تفاقمت الخلافات حول التمثيل البرلماني، ومن سيترشح على المقاعد النيابية المخصصة للجبل. فانقسم الجبل إلى قسمين، الأطارشة وأنصارهم، مقابل الهيئة الشعبية. ووقع أول صدام بين الحزبين في السويداء عام 1947 عندما هاجم الشعبيون قصر المحافظ حسن الأطرش، لرفضه تسليم بطاقة الترشيح إلى جميل أبو عسلة، الذي كان قاضيا في شهبا، واستمر إطلاق النار زهاء ساعة، وانتهى بتوسط رجال الدين والمصلحين، وأسفر عن وقوع قتلى وجرحى. فاهتم الدروز في الجبل وفي جبل لبنان لهذا الحدث، وقدمت وفود غفيرة، منها وفد لبنان برئاسة كمال جنبلاط، وقاضي المذهب المقدّم علي مزهر، فاتصلوا بالفريقين للحيلولة دون اتساع النزاع، لكنهم عادوا دون أن يتمكّنوا من إزالة الخلاف. وتأزّمت الأمور وانقسم الجبل إلى معسكرين، وعُقدت اجتماعات لكل معسكر على حدة، سبّبت في التعنت والعناد. وجرت الانتخابات، وفاز من فاز، لكن الوزارة لم تعترف بنيابتهم، لوقوع تلاعب في بعض مراكز الاقتراع، فقوي الخلاف بين الفريقين. وحصل تدخل من قادة دول مجاورة، حيث تم دعم هذا الفريق أو ذاك، لتحقيق أمنيات لهذه الدول، ليست في مصلحة سكان الجبل. كما أن الأحزاب المختلفة في دمشق، أخذت تكثف مساعيها على سكان الجبل، وتحرض أعوانها لتحقيق مآربها. واستمر وقوع الصدامات العسكرية، واشتدت الأزمة،
 وكان الدروز في لبنان وفي بلادنا يراقبون الأحداث بمرارة وألم وأسف شديدين،ورأى العقلاء في الطائفة والمسئولون أنه لا يمكن حل الأزمة في الجبل إلا إذا سعى للصلح وفد رفيع المستوى يضم قمة الطائفة الدرزية في حينه، فتشكل الوفد الرفيع من المشايخ، برئاسة فضيلة سيدنا المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف، وفضيلة المرحوم الشيخ أبو حسين محمود فرج، وعدد من المشايخ الكبار، وتوجه الوفد إلى الجبل، وعندما علم عطوفة سلطان باشا الأطرش بقدوم الوفد، وعرف من يترأسه، جمع معسكر الأطارشة، ووقف أمامهم قائلا:"  إن وفدا رفيع المستوى من المشايخ، لا يوجد أكبر منه، إلا الوفد الذي سوف يأتي في وقت ما من الصين، وهذا الوفد قادم إلى الجبل، لإحلال الصلح، فلنستقبله كما يجب ولنتجاوب معه". وطلب سلطان من جماعته احترام الوفد وتقبّل مساعيه، وتنفيذ ما يطلبه منهم.  هذا هو سلطان باشا الأطرش، الذي اتصف بالشجاعة والإقدام، وعدم الخوف، والإيمان العميق بالله وبالقدر، والذي كان كل من كان معه، يهرب عندما كانت الطائرات تلاحق الثوار، وتقذف عليهم الحمم والطلقات، وكان هو يظل في مكانه، لا يرمش له جفن، ولا يحسب حساب أحد،  سلطان الذي قام بإهداء المتحف الإسلامي في المسجد الأقصى عباءته المليئة بالثقوب، نتيجة اختراق الرصاص والشظايا لها، سلطان الذي لم يخشَ ولم يهب من الإمبراطورية الفرنسية بكاملها، سلطان، وبالرغم من شجاعته وأصالته وعراقته، يحسب حساب الوفد الدرزي المبجل، برئاسة فضيلة سيدنا المرحوم الشيخ  أمين طريف، ويطلب من جماعته الانصياع لتعاليم الوفد وأوامره.
 
 وقد حل الوفد، واجتمع بالأطارشة الذين عرضوا أمامه وجهة نظرهم ومواقفهم، وأعلنوا أنهم على استعداد لتقبل كل ما يطلبه منهم الوفد الكريم. انتقل الوفد إلى معسكر الشعبيين واجتمع به وحثه على الصلح والتعاون، فرفض الشعبيون في البداية، وتعنّتوا، إلا أن الجهود التي بذلها رؤساء الوفد في هذا المضمار، أعطت نتائج مرضية في وقت لاحق، فعُقدت راية الصلح بين الفريقين، وعاد الجبل إلى وحدته وإلى قوته، بعد أن قام الوفد الدرزي المبجّل، برئاسة فضيلة سيدنا  الشيخ المرحوم أبو يوسف أمين طريف، بزرع بذور الصلح والوفاق في الجبل وإعادة وحدته إليه، هذه البذور التي ظهرت نتائجها في الانتفاضة ضد الدكتاتور أديب الشيشكلي وإقصائه عن الحكم، بعد بضع سنوات فقط من ذلك التاريخ. 
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.