spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 87
من وحي زيارة النبي سبلان (ع)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كلمة العدد: ولهذا الغرض منحنا الله، سبحانه وتعالى، العقل... طباعة ارسال لصديق

حضر أحد الطلاب، محاضرة في الرياضيات في الجامعة، وكان متعباً جداً، فغلبه النوم ليستيقظ في نهاية المحاضرة، عندما بدأ الطلاب بالخروج من القاعة. عندها وجد الطالب السبورة  (اللوح) مليئة بالكتابة فانزعج وبدأ ينقل ما كتب عليها.
عاد الطالب إلى بيته، وبدأ يفكر في حل المسألة التي نقلها، وهو يتذمر من صعوبتها، كما اضطر إلى البحث عن بعض الكتب في المكتبة حتى توصل إلى الحل أخيراً بعد عدة أيام.
وفي محاضرة الرياضيات التالية، قدم الحل إلى الأستاذ، مفترضاً أنه بانتظاره، لكنه تفاجأ أن الأستاذ لم يطلب من الطلاب حل تلك المسألة. إذ قال له الأستاذ: “لم أطلب من أحد في القاعة أن يحل تلك المسألة، فما الذي دفعك إلى حلها؟”
تفاجأ الطالب وقال له: “يا إلهي! لقد قضيت أياماً وأنا أحاول حلها، والآن تقول لي أنها ليست مطلوبة!” فرد عليه الأستاذ قائلاً: “لقد كانت مثالاً قدمته للطلبة على المسائل التي عجز العلماء عن حلها.”
لو كان الطالب مستيقظاً أثناء تلك المحاضرة، لعلم أن تلك المسألة “غير قابلة للحل” ولما حاول حلها. فكم منا توقف عن المحاولة لمجرد أنه سمع كلمة “مستحيل".
ونحن اليوم نعيش في عصر زاخر بالتقدم العلمي، والإنجازات التكنولوجية، والاختراعات الخارقة، والقدرات العلمية الهائلة التي تراكمت على الإنسانية، درجة بعد درجة، ووصلنا اليوم إلى محصّلة نهائية، تثبت أن العقل الإنساني قطع شوطا خارقا كبيرا، ليحقق الإنجازات، وليؤمّن للجنس البشري حياة أفضل. وكل إنجاز، وكل اختراع نتيجة عمل عقلاني، استغرق سنوات كثيرة من البحث والفكر والتجارب. ولا ننكر أن هناك عشرات ومئات الاختراعات والاكتشافات ظهرت صدفة، وبدون تخطيط، لكن الأغلبية الساحقة كانت حصيلة بحوث وتجارب وأفكار، لعدد من بني البشر، تميّزوا بالجرأة والفكر الثاقب والعقل الرزين، والطموح الكبير والمثابرة حتى تحقيق الهدف.
لقد منح الله، سبحانه وتعالى، الإنسان قوة جسدية كبيرة، لكنه ليس هو أقوى المخلوقات من ناحية القدرات الجسدية، إلا أنه أقوى المخلوقات من ناحية قدراته العقلية، التي يتمكن بواسطتها أن يتحكّم بالقوى الخارقة التي يملكها غيره من المخلوقات، والتي يستطيع بتفكيره أن يتغلب عليها ويروّضها ويسخّرها لمصلحته. وعندما يريد الإنسان أن يحقق شيئا، ويقصد ذلك حقا، فهو في غالب الأوقات يتمكن من ذلك ويحققه. وإذا استعرضنا التاريخ والانجازات، وكيف تطورت الحضارة الإنسانية، نجد أن هناك الآلاف وحتى الملايين من الذين ارتفعوا درجة واحدة عن الآخرين، استطاعوا بسموّهم وفكرهم، أن يمنحوا الإنسانية اختراعات واكتشافات وإنجازات كبيرة. ولا شك أن هذه الاختراعات والانجازات انبثقت من المجتمعات الراقية المتعلمة المثقفة المنظمة، ولا يمكن للفوضى وللمعيشة على الطبيعة وللتخلف أن يحققوا إنجازات، فالانجاز هو عادة حصيلة لوضع تحقق فيه كل شيء، وبرزت الحاجة في إيجاد شيء جديد لدفع العجلة إلى الأمام. وهنا توقدّت الأفكار وشُحذت النفوس وتوالى الاختراع بعد الاختراع.
ولكي يستطيع أي مجتمع أن يفكّر وأن يخطو إلى الأمام، وأن يصبو إلى الترقي، عليه أن يكون منظما منسقا، يعرف ما يريد، وفي حال يقوم جميع أفراده بكل واجباتهم على أكمل وجه. وعندما يختل أي عنصر في المعادلة، تتأخر عملية التقدّم، ويظل هذا المجتمع قابعا بالركض الموضعي طوال حياته.
ونحن نقول كل هذا لأننا اليوم موجودون، كطائفة درزية، على مفترق طرق هام في تاريخنا. وبإمكاننا أن ننطلق من هذا المفترق إلى التقدّم والتطور والسطوع، أو أن نعود القهقرى إلى مجتمع بدائي. لقد جاهدت الطائفة الدرزية خلال مئات السنين من اجل المحافظة على كيانها، وضحت الكثير، وقدمت كل ما بوسعها من اجل المحافظة على الكيان والوجود، ونجحت، والحمد لله، بذلك واستطاعت أن تأخذ مكانها بين الطوائف المختلفة في هذه المنطقة من العالم، الواقعة على فوهة بركان، والتي تعصف بها المشاكل والحروب والقلاقل والأحداث بشكل مستمر، فلا يهدا بال للسكان، ولا تنعم الشعوب في المنطقة بالراحة لأمد طويل.
 وقد استطاعت الطائفة الدرزية خلال القرن العشرين أن تركز أمورها، وان تثبت وجودها في المناطق التي تعيش فيها وأصبحت مميزة بها. وأخذت الجموع الدرزية تفكر أنها وجدت المعادلة للعيش الكريم في الأطر التي تعيش فيها.
وفجأة هبت العواصف العاتية لدى إخواننا في سوريا، وأصبح كذلك إخوتنا في لبنان في أخطار جسيمة، نتيجة عدم الاستقرار في سوريا، والكل يتوقع ويترقب وينتظر تطور الأحوال إلى ما فيه كرامة الطائفة وسلامتها. ونستطيع الاطمئنان أننا في بلادنا هنا، ننعم بوضع مستقر، ولا نخشى الأخطار التي يعاني منها إخواننا في سوريا ولبنان. ونظل نبتهل إلى الله، سبحانه وتعالى، أن يرعاهم ويحميهم هناك، وعلينا أن نستمر في حياتنا العادية هنا، مع الاستعداد الكامل لعمل كل شيء من أجل الحفاظ على سلامة أشقائنا وراء الحدود.
 وهنا، وقبل أسابيع هدأت في قرانا أعاصير الانتخابات وعواصف المنافسة على كرسي الرئاسة أو العضوية في المجلس المحلي. وشعرنا أننا نمارس الحياة الديمقراطية بأحلى معانيها،حيث أن ورقة صغيرة، إذا استُعملت بالشكل الصحيح، يمكن أن تقرر مصير قرية أو طائفة أو شعب أو شخص. وقد جنّدنا كل القوى التي كانت متوفرة لدينا، لكي نحقق ما نريد، واستمتنا في تسخير كل الإمكانيات الموجودة لكي نستطيع ان نوصل مندوبنا لرئاسة المجلس أو عضويته.  وكانت قرانا تعج بالحركة والنشاط والفعاليات والعمل والجهود في كافة المجالات، كل ذلك، لكي نحقق الهدف المنشود. وطبعا هناك من نجح، وهناك من لم ينجح، لكن الدرس الذي يمكننا أن نتعلمه من الانتخابات، هو أن مجتمعنا هو مجتمع قدير، نشيط، واع، مثقف، يملك قدرات هائلة، وبإمكانه، إن أراد، أن يتغلب على كل مشكلة، وكل عقدة وكل حاجز، فإذا جندنا الطاقات التي استعملناها في الانتخابات في تحقيق أهداف أخرى في مجتمعنا، نستطيع أن نحقق ذلك لأننا نملك زمام المبادرة، ولدينا التفكير الصحيح، ونجيد استعمال وسائل الاتصال، ونعرف كيف نحدد الهدف. لكن ما ينقصنا أحيانا هو الثقة بأنفسنا، والاعتماد على قدراتنا الذاتية، وهذه الأمور متوفرة لدينا، ونستطيع دائما أن نجعلها وسيلة لتحقيق مشاريعنا ومخططاتنا.
لقد منحنا الله، سبحانه وتعالى، العقل لنفكر ونبني حياتنا بشكل عقلاني، بدون تسرع، وبمراقبة كل شيء، وفحص كل موضوع، والتدقيق في كل صغيرة وكبيرة. وفي ظروفنا اليوم، لا تنقصنا هنا تحديات ولا تواجهنا هنا جبهات وأزمات، وفي نفس الوقت لا تتوفر لدينا كل الإمكانيات، وعلينا أن نسعى دائما للعمل والتنفيذ والتضحية، لكي نستطيع العيش باحترام. وهذا صحيح على المستوى الفردي، وعلى المستوى الجماعي، حيث توجد لكل إنسان أحلام ومشاريع شخصية ينوي تنفيذها، ولديه في نفس الوقت مشاريع وأحلام تخص المجموعة، وهو شريك في صنعها وفي الاستفادة منها إن نجحت. وفي الحالتين، يجب أن نعلم أن كل أمر قابل للتحقيق إذا دُرس بالشكل الصحيح، وتم تنفيذه بالطريقة الملائمة، ورُصدت له الإمكانيات المطلوبة، وتم تطبيقه بمواظبة واستمرار بدون تردد.
والانتخابات هي أمر مهم في حياتنا، لكنها ليست أهم الأمور، ولا هي التي تقرر مصيرنا أكثر من غيرها، لكننا نلاحظ أن الانتخابات تجرف كل قطاعات مجتمعنا، وتجندهم وتجعلهم مشغولين بها لمدة أشهر، فإذا استطعنا أن نكتشف السر الكامن فيها، يمكننا أن نتحكم بكل هذه القدرات والجهود والمساعي في الوصول إلى تنفيذ أهداف وأمنيات ومشاريع في كل نواحي الحياة المختلفة. وهذا يعيد إلى أذهاننا قصة ذلك العالم الكبير، الذي قال يوما: أعطوني نقطة ارتكاز في الكون، استطيع أن ارفع الكرة الأرضية، ونحن لدينا الكثير من نقاط الارتكاز، لكن علينا أن نعرف أين ومتى نجدها، وكيف نستعملها، ولهذا الغرض منحنا الله، سبحانه وتعالى، العقل...

والله ولي التوفيق


سميح ناطور


دالية الكرمل
كانون أول 2013

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.