spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 136
الشيخ فرحان طريف (1917-1976)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
أهمية السلطة المحلية لدى الطائفة الدرزية طباعة ارسال لصديق

الطائفة الدرزية، هي عادة قويّة بعقيدتها وإيمانها، وهي فخورة بماضيها وبتراثها وبقيّمها وبتقاليدها، لكن الطائفة الدرزية، بالرغم من كل ذلك، هي أقلية في الدول التي تعيش فيها، وهي تعاني من ظاهرة "الأقلية في مجتمع آخر"، والتي تفرض نمط تصرف معيّن، على الأقلية في بعض المواضيع والأمور، مقارنة بالأغلبية أو بالأكثرية. ومع أننا موجودون في القرن الواحد والعشرين، وهناك دول تُعتبر قمّة في الديمقراطية وفي المساواة، إلا أنه ما زالت هناك فروق بين حقوق الأكثرية وحقوق الأقلية، حتى في الدول الأكثر تقدما. فالمواطن الذي ينتمي إلى أقلية في دولة، يعرف أنه ليست جميع الأبواب مفتوحة أمامه، وأنه لا يمكن أن يصل إلى أعلى المراتب في الدولة التي يعيش فيها. فالمراكز العليا والوظائف الكبيرة الرائدة، تكون عادة محصورة على الأغلبية، حتى ولو كان الدستور لا يفرض ذلك، وهو عادة يذكر أن كل المناصب مفتوحة أمام جميع المواطنين، لكن الواقع العملي يثبت أن الأغلبية تحافظ على امتيازاتها، ولا تسمح بالطرق الديمقراطية والانتخابات، لأقلية أن تتجاوز الحقوق التي أُعِدّت لها. وهذا هو عُرف عالمي، يُطبَّق عمليا في كافة الدول المتقدّمة والمتأخرة، حيث ما زالت النزعة عند الإنسان، أن يرى في الحكم من يشعر أنه من فئته، لكي يستمر بالمحافظة على امتيازات يجنيها في تلك الظروف. وإذا تسلّم الحُكم ابن إحدى الأقليات فذلك بانقلاب عسكري أو بطريقة أخرى غير طريقة الانتخابات.
 وعندما تُحسّم المناصب العليا أمام أبناء الأقلية، ترتفع أهمية المناصب الأخرى الثانوية، التي تُمنح عادة للأقليات لمشاركتهم في الحُكم.   وكل دولة تمنح الحق بترشيح وانتخاب أعضاء من الأقليات في البرلمان لكي يكون لهم تمثيل ولو ظاهريا، وأحيانا يعيّنون قضاة وضباطا ومسئولين هنا وهناك من أبناء الأقليات، ليعطوا الأقلية الشعور بالمساواة وبالعدل، لكن الأمور الجوهرية والمراكز العالية تظل في أيدي الأغلبية الحاكمة.
  ولا شكّ أن الحكم المحلي، هو من أهم مصادر القوة التي يمكن أن يملكها جمهور معيّن، للتأثير على مجريات الأمور في المجتمع المحلي. وبطبيعة الحال يشكّل أبناء الأقليات أغلبية في قراهم. وإذا تواجدت هناك أقليات أخرى  في نفس القرية، فهذه الأقلية التي أصبحت هنا أغلبية، تتصرّف بالضبط مثلما تصرّفت معها الأغلبية في الدولة. وكل طائفة وكل فئة أو مجموعة في أي قرية أو مدينة يسكن فيها أقليات، تتشبّث بكل قواها بالحكم المحلي، معتبرة إياه قمّة أحلامها وذروة إمكانياتها، لأنه يعطيها الشعور بالقوة، وبأنها غير مهمّشة، وبأنه لديها تأثير على سير الأمور. وهذا صحيح بالنسبة للمواطنين العرب في البلاد، وهذا صحيح بالنسبة لأقليات تعيش في الدول العربية أو في أوروبا أو في أي مكان آخر. فمثلا لا يوجد خطر خارجي على وظيفة رئيس بلدية، أو مجلس، أو على وظيفة زعيم ديني، في تلك الطائفة والقرية، أو على أي وظيفة أخرى مشابهة، لأن هذه الوظائف مخصصة عادة للمحليين. لذلك درج مع الوقت، ترقّب الانتخابات للسلطة المحلية، حيث يكون استنفار عام لدى جميع السكان للترشيح والوصول إلى السلطة. ونلاحظ الفرق الشاسع في القرى العربية والدرزية في البلاد، في نسبة الذين يمارسون حق الاقتراع.  فإذا جرت انتخابات السلطة المحلية لوحدها، تصل نسبة الاقتراع إلى ما فوق التسعين بالمائة. وعندما تجري انتخابات الكنيست وتكون منفردة عن السلطات المحلية، تصل نسبة المصوتين بصعوبة إلى 60% وذلك عند  نفس الجمهور   فالأوضاع تختلف جذريا من انتخابات لأخرى، بسبب عدم الاكتراث بالانتخابات للكنيست، إلا إذا كان مرشّح من العائلة أو من الطائفة، واستطاع أن يثير غيرة السكان وحماسهم للتصويت من أجله. 
 وقد مرّت قرانا في الآونة الأخيرة، بعملية انتخابات كانت شديدة البأس، تجنّدت فيها كل القوى من أجل نقل المصوّتين إلى صناديق الاقتراع والتصويت لأحد المرشّحين، من أجل كسب مركز القوة هذا، والتحكم بمصير القرية في السنوات القريبة. بطبيعة الحال يجري التنافس في القرى على كرسي الرئاسة بين أشخاص وقوائم يمثلون، في مجتمعنا العائلات، وفي المجتمعات الأخرى يمثلون فئات أخرى مثل الأحزاب أو الطبقات أو مجالات مختلفة. وفي قرانا ما زال الإطار العائلي هو الذي يجمع غالبية سكان كل عائلة، ويحدد لهم هدفا واحدا يتقيّدون به ويسيرون بموجبه. ومع أننا بدأنا بالتنظيم لخلق أطر جديدة، تجمع شرائح معيّنة ومختلفة من الناس لتحقيق هدف معيّن، إلا أننا ما زلنا في غالبية قرانا نتحدث باسم العائلية، ونتصرّف حسب أهواء العائلة. ومن المتوقُع أن تتطور الأمور وأن تزيد الثقافة عند أبناء الطائفة الدرزية، وأن يتعلموا من المجتمعات الأخرى، عندها تنشأ لدينا فصائل بديلة للعائلة توحد مجموعات من الناس لتحقيق هدف معيّن مثل النساء، المثقفون، رجال الأعمال، مشجعي الرياضة، أصحاب البيوت المستأجرة وأي تنظيم آخر يجمع عددا من الناس حول موضوع يرغبون بتحقيقه.
 وقد برزت في الانتخابات الأخيرة ظاهرة العائلية، واستطاعت في حالات كثيرة، أن تتغلب على كل ظاهرة أخرى. ونحن لا نرى بذلك خللا أو شيئا سلبيا، وإنما نتمنى أن يتخذ المسئولون من هذه الانتخابات حكمة وعبرة لتطوير آليات جديدة في الانتخابات القادمة. ونحن نرى هذه الظاهرة وهذا التهافت والصراع كذلك في عملية انتخاب قضاة للمحكمة الدينية، وفي انتخاب أو اختيار موظفين في الوزارات المختلفة، يعالجون المواضيع المتعلقة بنا فتمسّكنا في الوظائف المُعدّة لنا هو كبير وشديد، ولا نتنازل عنه بسهولة، ونحاول دائما أن تظل في أيدينا، وهذا هو حق لنا. وكما قلنا، لا نرى في هذه الظاهرة أمرا سلبيا، طالما قام الشخص الفائز بالانتخابات بواجباته، وخدم جميع أبناء الطائفة أو القرية بالتساوي، ومن بينهم كذلك أولئك الذين لم ينتخبوه. وعندما يصل إلى سدة الحُكم بطريقة ديمقراطية إنسان ويقوم بواجبه كما يتوقّع منه الجميع، فإن عملية وصوله إلى الحكم وقضية من انتخبه، ولأي فئة هو ينتمي، تصبح لا أهمية لها، حيث أن الإنسان قام بواجبه، وخدم أبناء قريته جميعا، واستجاب لرغبات الأغلبية، وبرز كزعيم محلي على نطاق قطري، وأصبح له تأثير على الأقل في مؤسسات الطائفة، عندها نكون قد حققنا إنجازا كبيرا وهذا ما نتمناه. 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.