spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 127
مقام سيدنا أبو عبد الله (ع) وزيارته
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129


 
كلمة العدد: عندما نشعر أن عقولنا هي أغلى ما نملك طباعة ارسال لصديق
وقف القائد يوليوس قيصر، أمام الآلاف من جنوده، في استعراض شامل لقوته، وذلك قبل ساعات من وقوع معركة حاسمة على شواطئ إفريقيا. وعندما هم بالنزول عن حصانه تعثر، ووقع على الأرض. وكان بإمكان هذا الحدث أن يظهر أمام جنوده كنذير شؤم، لكن قيصر الذي عُرف بحنكته وسرعة بديهته، سرعان ما فتح ذراعيه، واحتضن الأرض وقبّلها، ثم انتصب ورفع يديه للسماء شاكرا لله، وهكذا استطاع بذكائه، أن يحول عثرة إلى حركة تشجيع وحماس، حيث انتصر وجيشه بعد ذلك في المعركة.
وفي تاريخنا لحظات حاسمة كهذه، كان لها وقع في نفوس الحاضرين، وغيرت وجه التاريخ، مثل الشيخ الذي سد المدفع بعمامته، أو القائد من آل جنبلاط إبن التسعين سنة، الذي ضحى بنفسه لكي يستطيع وجيشه احتلال مدينة ليماسول في قبرص، ومواقف بطولية أخرى مشابهة. وقد ترنمنا على هذه القصص وتربينا عليها، وطاب لنا أن نذكرها، وأن نتعلم منها، وسوف نستمر بذلك، لكننا اليوم بدأنا نهجا جديدا في حياتنا كدروز، بدأنا نفكر في المشكلة، نستعرض الحلول، ونجد الحل المناسب بشكل عقلاني، ونحاول أن نطبقه بالمثابرة والمواظبة والصبر والإيمان بأننا قادرون. وبما أنه يوجد بيننا من لا يؤمن بنفسه وبقدرات طائفته، يتفشى لدينا التشكيك والنقد. لكن وقع في الآونة الأخيرة أمر أفحم كل المتشككين، وبعث الأمل في نفوس الأغلبية الساحقة من أبناء الطائفة الدرزية، ورفع من المعنويات الهابطة لدى الكثيرين، كما انه رفع الرؤوس والهامات. وهذا الأمر هو وصول مدرسة بيت جن الشاملة إلى المرتبة الثالثة في إسرائيل، في قائمة المدارس الثانوية للحاصلين على شهادات  بجروت كاملة.
يبرهن الإنجاز الكبير الذي حققته المدرسة الإعدادية الثانوية الشاملة - بيت جن، أن لا شيء مستحيل، وأن كل شيء ممكن، وبمقدور كل إنسان أو مؤسسة أن يحقق ما يريد، إذا تواجد لديه العزم، وإذا قرر أن يضحّي، وإذا استمرّ في نهجه هذا حتى تحقيق الهدف. والطائفة الدرزية اليوم، تتخبّط في عشرات ومئات المشاكل وتعاني من أزمات، مقتنعة أنه لا يمكن الوصول إلى حلول، وأن هذا الوضع كُتب من السماء، أو فُرض فرضا بقوة عليا، فيخيم اليأس على الجميع، وهم يؤمنون أن لا جدوى من المحاولة، وأنه من الصعب تحقيق أي انجاز، وهكذا تظل الطائفة الدرزية قابعة في أوضاع متأخرة غير مستحبَّة، بعد أن يئست من التقدم والتغيير. وجاء هذا النجاح الكبير لطلاب قرية بيت جن، يزرع الأمل في النفوس، ويؤكّد أنه مهما كانت الظروف قاسية وصعبة، على الإنسان أن لا ييأس، وأن يستمر في المحاولة دائما حتى ينجح. ومن يعرف أوضاع المدرسة الثانوية في بيت جن قبل عشر سنوات أو أكثر، يرى أنها كانت مثل غالبية المدارس الدرزية، تعاني الكثير الكثير من الركود والفشل والقنوط.  وفي عام  2000 بلغت نسبة الحاصلين على شهادة البجروت من بين الطلاب 13% فقط وكانت من النسب المنخفضة في البلاد، وفي عام 2012 بلغت   92.44 % مدرسيا وبعد وصول نتائج بجروت ال 2013  تبيّن مدى النجاح الكبير الذي وصلت إليه المدرسة إذ حصلت على 100% من النجاح، أي أن كل من تقدّم لامتحانات البجروت في المدرسة، اجتاز الامتحانات ونجح. وهذا التقدم حصل في فترة قصيرة نسبيا، وبواسطة نفس الطاقم من المعلمين، الذي كان في ذلك الوقت، لكن ما تغيّر هو جمع القوى وحشدها بواسطة مدير المدرسة والهيئة التدريسية، وحثّها على أن تؤمن بأنفسها وبقدراتها، وأن تعمل على استغلال وتنفيذ الإمكانيات المتوفرة لديها بالشكل الصحيح.
 لقد آمن الكثير من رجال التربية والتعليم حتى الآن، أنه بطبيعة الحال، يوجد طلاب متفوقون وطلاب متأخرون، وأنه من الميئوس محاولة دعم وتشجيع الطلاب المتأخرين، لأنه لا جدوى من ذلك. أما طاقم التدريس والإدارة في مدرسة بيت جن، فقد آمن بغير ذلك، قائلا إنه يجب عدم إهمال الطلاب المتأخرين، وعدم التخلص منهم بإبعادهم لمدارس صناعية، وإنما يجب التركيز على أن يستعيدوا ثقتهم بأنفسهم، وأن يحاولوا ويجرّبوا حتى يصلوا إلى تحقيق الهدف، وهذا ممكن. فطلاب مدرسة بيت جن، يأتون من بيوت غنية وفقيرة، من بيوت متفاوتة في الثقافة، ومن بيوت تعيش في ظروف اقتصادية واجتماعية غير سهلة، أي أن المدرسة هي مدرسة شاملة مفتوحة أمام الجميع، وتقبل الجميع وهي ليست انتقائية. والمدرسة التي تضم  600 طالبا في المرحلة الثانوية و660 طالبا في المرحلة الإعدادية، هي نفسها المدرسة القديمة التي بُنيت قبل حوالي أربعين سنة، ومن المُستغرَب كيف تستطيع هذه المدرسة القيام بواجباتها في هذه الظروف، بل بالعكس من المُستهجن أيضا إنها لم تقم بواجبها فحسب،  وإنما تألقت وحصلت على نتائج مذهلة.
مدرسة بيت جن هي مصدر فخر، ليس لأهالي بيت جن فحسب، وإنما لكل أبناء الطائفة الدرزية، وعلينا فقط أن نؤمن بأنفسنا، وأن نحاول أن نتعلم من تجربة بيت جن، وأن نعمل كل في قريته، أن يحقق هو الآخر النتائج التي حققها الإخوة في بيت جن، وليس في مجال التعليم فقط، وإنما في كافة المجالات. وهذا الإنجاز وهذا العمل الضخم، يُسجّل في تاريخ الطائفة الدرزية، كنقطة تحوّل إلى ألأفضل والأحسن، ويعبر عن  أمنيات أبناء الطائفة إلى بلوغ أبنائهم الدرجات العلمية المتقدمة، كي تواكب الطائفة الدرزية التحديات والأوضاع العلمية والتطورات السريعة في مجالات العلم، وكي تكيّف نفسها إلى منجزات القرن الواحد والعشرين. هذا وقد أثلج صدورنا أن نعلم أن بيت جن ليست القرية الوحيدة التي حققت هذا الإنجاز، وأن هناك قريتين درزيتين أخريين، حققتا إنجازا مماثلا، لكنهما لم تذكرا في تقرير وزارة المعارف، لأن التقرير شمل القرى والمدن التي يزيد عدد سكانها عن عشرة آلاف نسمة فقط، أما القريتين الدرزيتين فهما البقيعة وحرفيش، اللتين حصلتا على معدلات فوق التسعين مدرسيا. من هنا نرى أن نجاح بيت جن ليس صدفة، وإنما هو جزء من اتجاه كبير ذي أهمية بالغة تنتهجه الطائفة الدرزية، كي تواكب الأمم، كي لا تجعل أبناءها يشعرون بالضعف أو النقص أمام الشعوب الأخرى. وعلينا كطائفة  أن نحث باقي القرى لأن تسير في نفس الطريق، وأن تحاول بلوغ القمة، وأن تؤمن أنها قادرة على ذلك.
وفي هذه الأيام نحتفل بعيد الأضحى المبارك، بعد أن نجتاز ليالي العشر المباركة، ويلاحظ في كل سنة أن عددا كبيرا من غير المتدينين من الدروز، يجد في هذه الفترة فرصة للتقرب من الدين، إما عن طريق التوبة وسلوك النهج الديني، وإما عن طريق زيارة الخلوات والاشتراك في السهرات الدينية والمشاركة مع المشايخ في احتفالات العيد. ونلاحظ كذلك أن هذه المناسبة هي أكثر فترة خلال السنة، يتم فيها التحاور الصامت بين المتدينين وغير المتدينين، صامت لأن اللقاءات تجري بجو من الترحيب والبشاشة والأمل وتبادل عبارات الترحيب والشكر المتبادلة، وينتشر الحاضرون دون أن يجري أي حوار بينهما حول الأمور الجوهرية في الطائفة. بالرغم من كل ذلك، نرى أن غير المتدينين يحترمون الدين ورجال الدين، وهم بمجرد محافظتهم على دينهم وانتمائهم التوحيدي، بدون أن يعرفوا شيئا عن الدين يكسبهم موقفهم منزلة رفيعة عند الله، سبحانه وتعالى، ويسجل ذلك في ملفاتهم كنقاط مضيئة، ويشفع لهم عند الحساب. وإذا تمعنا، متدينين وغير متدينين في دين التوحيد، نجد أنه يضع العقل في المركز، والعقل هو الفكر، هو العلم، هو المعرفة، هو النور، هو إعطاء معنى للوجود والحياة، ومحاولة الارتقاء دائما إلى مراتب أعلى. التوحيد الدرزي يركز على العقل، أي على الإنسان، وهو الجوهر وهو غاية الوجود، وهو الذي يبني الكون، بعونه تعالى. فالكرة الأرضية هي مركز الكون لأن الإنسان يعيش فيها، والعقل والفكر هما محور الإنسان، وعلى العقل والفكر أن ينشغلا بالتفكير والخلق والإبداع لمصلحة الإنسان، وهذه الأمور لا تكتمل إلا بالعلم والدراسة والثقافة والعقيدة والإيمان,
وإذا استمرت طائفتنا بالنهج الجديد، الذي فتحته أمامنا مدرسة بيت جن الثانوية، ومعها مدارس البقيعة وحرفيش، فإننا سنصل، بعونه تعالى إلى تحقيق ما حلمنا به على مدى أجيال، وهو النهوض بمجتمعنا علميا، ثقافيا، فكريا، وتكنولوجيا. فحتى الآن، ضيعنا كل طاقاتنا على المظاهر والماديات والزخارف الملموسة، وأهملنا الإنسان، وأهملنا الفرد، ولم ننتبه، ولم نصغي، لأحد كبار حكمائنا الذي قال يوما:" لا تحاول أن تجعل ملابسك أغلى شيء فيك، حتى لا تجد نفسك يوما ً أرخص مما ترتدي.".
والآن تثبت لنا قرانا، بيت جن والبقيعة وحرفيش، أنه عندما نضع الإنسان في المركز، نجعله يشعر أنه أغلى وأثمن من كل ما يلبس ويملك، فهو غني بالعقل والفكر والمعرفة.

وكل عام وانتم بخير

سميح ناطور

دالية الكرمل
تشرين أول 2013
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.