spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 130
معهد الأمير السيد (ق) للدراسات التوحيدية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 148
العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144


 
الذكرى العشرون لرحيل شيخ الجزيرة طباعة ارسال لصديق
بقلم الأستاذ علي المن

يصادف في هذه الأيام، مرور عشرين سنة على وفاة فضيلة سيدنا المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف، ورحيله عنا. وما زلنا نذكر الجنازة الكبيرة التي واكبت تشييع جثمانه الطاهر، والتي لم يحدث مثلها حتى الآن في البلاد. فقد بلغ عدد المشيّعين أكثر من عدد أبناء الطائفة الدرزية، إذ أن الآلاف من المواطنين من غير الدروز، قدموا إلى قرية جولس في ذلك اليوم، للمشاركة في تشييع الجثمان الطاهر، ليكونوا شركاء في جنازة علم من أعلام البلاد، ورجل تاريخي من الدرجة الأولى، وشخصية دينية لها تقديرها واحترامها عند كافة الطوائف والمذاهب. ومنذ رحيله حتى اليوم، ما زال فضيلة المرحوم متواجدا في أذهان أبناء الطائفة الدرزية، وعند عدد كبير من غير الدروز، الذين تعرّفوا عليه أو سمعوا عنه. فهناك زعماء الدولة، الذين لم يكتمل مشوارهم، إلا إذا قدِموا إلى بيت فضيلته، ليدعو لهم وقد ذكروا ذلك في عدة مناسبات. وهناك زعماء الطوائف الدينية الأخرى، الذين كان فضيلته بالنسبة لهم أبا روحانيا ورمزا للتقوى والدين والعبادة. وهناك عموم أبناء الطائفة الدرزية، كبارا وصغارا، من مختلف الطبقات، كانوا وما زالوا يعترفون أن لفضيلته منزلة كبيرة لديهم، حيث أن صوره تزيّن كل بيت، وذلك تباركا وتفاؤلا. وبعد مرور عشرين سنة من رحيله، ما زالت شخصيته متواجدة في كل مكان، في حين نرى أن هناك زعماء وشخصيات دينية وغيرها من الدروز والطوائف الأخرى، رحلت قبل أقل من ذلك، وذهبت شخصيتها في طيّ النسيان. وهذا يدل على المكانة الرفيعة التي تمتّع بها فضيلته عند كل من عرفه وسمع به.
لقد كُتب الكثير عن شخصيته وأعماله، ومكانته ومواقفه وكراماته، وصدى أعماله في الجاليات الدرزية خارج البلاد، فقد كانت حياته زاخرة بالنشاط والسعي إلى المحافظة على كرامة الطائفة الدرزية، أمام مؤسسات الدولة، وأمام الطوائف الأخرى، بالإضافة إلى مداولاته ونهجه الروحاني الذي كان كذلك مفعما بالوعظ والإرشاد وذكر الأولياء الصالحين، والدعوة إلى المحبة والخير والتسامح والتعاون. وكل هذه الأمور تزيد من تراث الطائفة الدرزية، ومن الزخم الروحاني الكبير المتواجد فيها، فهو ينضم إلى مجموعة من الأولياء الصالحين الذين ظهروا في أماكن مختلفة، وفي مراحل متفاوتة، حماية وصونا لأبناء الطائفة الدرزية، الذين يرون فيهم الأمل والخير والتقوى والإيمان.
لقد نشأ وعاش فضيلة المرحوم الشيخ أمين، في فترة عاصفة في تاريخ الطائفة الدرزية في البلاد، وكانت الطائفة مهددة بأخطار جسيمة، وبمصاعب كبيرة، وذلك في الحرب العالمية الأولى والثانية، والفترة القاسية بينهما، وبعد ذلك في ظل الصراع العربي الإسرائيلي، الذي كان شديد الوطأة على كافة السكان في البلاد، والذي كانت له نتائج وخيمة بالنسبة لعدد من السكان، حيث اضطر قسم منهم إلى الرحيل والنزوح من البلاد. وقد يسّر الله سبحانه وتعالى، للطائفة الدرزية في البلاد، فضيلة المرحوم الشيخ أمين طريف، وعدد من الزعماء ذوي المسئولية، الذين اتخذوا قرارا تاريخيا حاسما، وهو البقاء في هذه البلاد، والانخراط في أجوائها، حماية للسكان وضمانا لسلامتهم. وكان هذا القرار حكيما فقد جعل المواطنين الدروز، يظلون في بيوتهم وقراهم، واستطاعوا حتى أن يقوموا بإيواء وحماية عدد كبير من جيرانهم المسلمين والمسيحيين الذين تركوا بيوتهم. وساهم فضيلة المرحوم في اندماج المواطنين الدروز في الدولة،  وفي تقدم القرى الدرزية، والمطالبة بمنح الدروز كامل الحقوق. وتمّ في عهده، الاعتراف بالطائفة الدرزية كطائفة مستقلة مذهبيا، وتأسيس المحاكم الدينية الدرزية وبقي رئيسا لهذه المحاكم حتى وفاته، والمحافظة على التراث والقيم والعادات.
وكان فضيلته من أقطاب الطائفة الدرزية في الشرق، فقد تعلم في خلوات البياضة في حداثته، والتقى هناك بالزعماء الروحانيين للطائفة الدرزية في ذلك الوقت. وفيما بعد قام بعدة جولات إلى سوريا ولبنان، قبل قيام الدولة وترأس وفدا رفيع المستوى لعقد الصلح بين الشعبية والطرشان في الجبل، وقام عام 1982 بزيارات لحاصبيا والشوف، ألهبت حماس المواطنين هناك، واستقبلوه أجمل استقبال، وهو الوحيد الذي حصل على لقب شيخ الجزيرة من كافة شيوخ الطائفة الدرزية في كل مكان، وهو الذي كان مرجعا دينيا ومصدر ثقة في كل ما يتعلق بالتوحيد ومسالكه، كما كانت له مكانة ومرتبة عظيمة لدى أبناء الطوائف الأخرى، فكان وهو الرئيس الروحي لطائفة صغيرة، يتقدم رجال الدين الذي يمثلون طوائف تعد مئات الآلاف والملايين، بقوة شخصيته ومكانته وهيبته.  
واليوم ما زال ذكره حيا في نفوس الجميع، وما زالت شخصيته ترافق أبناء الطائفة وتذود عنهم، وقد أصبح ضريحه محجا ومقصدا لعدد كبير من الزوار.
ومع مرور عشرين سنة على رحيله، نسترجع أيامه باشتياق، ونعتز بوجوده في حينه رئيسا روحيا لنا، وندعو له بالرحمة وسكون جنات الخلد، وندعو لحفيده، فضيلة الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي الحالي للطائفة الدرزية، بالعمر الطويل والسلامة وقيادة الطائفة إلى الرقي والمعالي وتحقيق الآمال.  
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.