spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 93
عائلة الأطرش فرع من آل معن المنقرضين
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129
العدد 128


 
كلمة العدد: نحن ضيوفٌ هنا, وإن طالَ المقام... طباعة ارسال لصديق
نحن ضيوفٌ هنا, وإن طالَ المقام...
عاش في أواسط آسيا, إنسان فاحش الغنى, يملك ثروات ضخمة, لكنه شديد البخل, حريص على كل كبيرة وصغيرة.وقد كبر وطال عمره, وهو لا يستفيد من ثروته الضخمة, لأنه لا ينفق منها إلا الضروري جدا.وقد طالت به السنين وانهارت صحته فشعر بدنو أجله, واقتراب ساعة رحيله. وفي أحد الأيام, توجّه إليه, خياطه الخاص قائلا, إن والده المتوفى, وهو خياط كذلك, يأتي إليه في الحلم كل ليلة, ويطلب منه أن يرسل إليه الإبرة التي استعملها كل حياته, مع أحد القادمين. فرح الغني، أنه يستطيع في آخر أيامه, أن يفعل عمل خير, وأخذ الإبرة منه. وفي الليل أخذ يفكر كيف ينقل الإبرة معه إلى العالم الآخر!! واحتار وسهر كل الليل يفكر ولم يصل إلى نتيجة. وعندما أشرقت الشمس, انتبه أن الإنسان يأتي إلى هذا العالم مجردا ويعود مجردا, ومهما جمع من ثروات لا يمكن أن يأخذ معه شيئا. فأمر حالا, بتوزيع كل أملاكه على الفقراء والمحتاجين, وقام ببناء المدارس والمؤسسات العامة, ونصح كل أقرانه الأغنياء, أن يفعلوا نفس الشيء, لأنهم لا يمكن أن يأخذوا معهم, حتى ولو إبرة صغيرة...
وفي هذه الأيام, وقد احتفلنا بعيد الأضحى المبارك, وقد مرت علينا ليالي العشر المباركة هي كذلك, والتي تفيض بالدعوة للتقوى, ومحاسبة النفس, ومراجعة الأعمال, والتفكير بمصير الإنسان وغايته في الحياة, وسلوكه مع الناس, هذه الأيام التي منحنا إياها مذهب التوحيد, قبل حلول عيد الأضحى من كل عام, لكي نتوقف هنيهة مع أنفسنا ومع ضميرنا, ولنراجع ما يمكن مراجعته, ولنأخذ عبرة مما يحدث لنا وحولنا, ولنتبحّر ونتعمّق بالتعاليم التوحيدية, التي تدعونا لعمل الخير, والشعور مع الآخرين, ومساعدة الفقير واليتيم والمنكوب, والتروّي في حكمنا على الناس, ورد الإساءة بالإحسان, والتعالي عن المصالح الشخصية, والتجاوز عن ذنوب وأخطاء الغير, والتسامح ورد الجميل بالجميل, والعفو عند المقدرة, وقبل كل شيء, محاسبة النفس, والتصرف بحكمة وتواضع, والنظر في ألف مرآة قبل أن نخرج إلى الناس, وقبل أن نتوجّه للآخرين, لربما ظلمنا أحدا, ولربما أسأنا لأحد ونحن لا ندري, والأهم من ذلك, أن لا نعمل هذه الإساءة ونحن ندري, فالمطلوب منا في ليالي العشر المباركة, أن نتقيّد بتعاليم التوحيد, وأن نتمسّك بأهداب المذهب القويم, وأن نستند على الأصول والقواعد الأدبية والأخلاقية, المتبعة عند سائر الأمم والشعوب المتحضرة, لأن قواعد الآداب العامة, هي واحدة في كل العالم, ولا توجد فروق وتغييرات, إلا في الحالات النادرة. ونحن عادة, نتحدث عن العام والشامل وليس عن الشواذ, فعلاقتنا مع الناس يجب أن تكون من منطلق نظرة إنسانية واضحة, وطالما هذا الإنسان الذي نتعامل معه, يقوم بواجباته اتجاهنا, ولا يضرنا, ولا يسيء إلينا, علينا أن نعتبره صديقا, مهما كان دينه أو مذهبه أو إيمانه. وفي نفس الوقت, عليه هو, أن ينظر إلينا بنفس المنظار, وأن يعاملنا نفس المعاملة.
وقد مرّت علينا ليالي العشر المباركة, واحتفلنا بأيام عيد الأضحى, وشاهدنا ولمسنا جوانب وأبعاد وأعماق كثيرة ومختلفة لهذا العيد. فهناك ظواهر نفتخر ونعتز ونسمو بها, وهناك ظواهر أخرى كنا نود أن لا تكون في مجتمعنا, وأن نترفّع عنها, ولا نستعملها, فهي تقليد أعمى, وهي بِدَع خارجية, ومجتمعنا يظل في غنى عنها. ففي عيد الأضحى, برزت الميول الحقيقية عند أبناء التوحيد, بالتمسك بأصول المذهب والسلوك فيه, والعمل بموجبه, وخاصة عند المتدينين والملتزمين بالمعارف التوحيدية, والذين أخذوا على عاتقهم أن يحملوا هذه الجوهرة الثمينة عبر الأجيال. وقد غصّت في ليالي العشر المباركة, الخلوات وأماكن العبادة والأماكن المقدسة, بمئات المصلين والحاضرين, للاشتراك بالأمسيات التوحيدية, العابقة بالإيمان والصلاة والدعاء, والتقرّب من الخالق. وكل من يتفرّس بالأجواء التوحيدية التي تسود في قرانا في ليالي العشر المباركة, يشعر بالاطمئنان, أن الطائفة هي في رعاية ربّانية, وأن الجذور التوحيدية العميقة, متأصلة في قرارة نفوسنا, مهما حصلت شذوذ وتجاوزات عند المجتمع الدرزي الغير متدين. فمهما قلّت نسبة المتدينين في المجتمع الدرزي, لا بد أن تظل هناك نواة كبيرة أو صغيرة, تحمل أركان الدين, وتستمر في نقل الرسالة إلى الأجيال القادمة, وتزداد إصرارا بتمسكها بالتعاليم التوحيدية, إلى أن يفرجها الله سبحانه وتعالى, بحلول مناخ أكثر ملائمة, وأكثر انفتاحا لهذه التعاليم. وعندما تصدح الأناشيد الروحية من حناجر المؤمنين في ليالي العشر, تسري في العروق والأجسام, حرارة الإيمان الراسخ, والثقة الكاملة, بأن الطائفة ما زالت وستظل إن شاء الله بألف وألف خير.
لكن أوجها غير مستحبة, وأبعاداً غير لطيفة, ظهرت وتظهر في عيد الأضحى الأخير, وفي الأعياد السابقة. قبل سنوات, كان نهار عيد الأضحى, يوما مليئا بالحركة والنشاط, والتزاور بين الناس, وتناول الحلويات, وتبادل التحيات والمباركات, وإجراء الصلح بين المتخاصمين, وفض النزاعات, والقضاء على الخصومات والكراهيات, وخلق جو جديد من التعامل والإلفة والمودة بين الناس. وكان هذا الجو يستمر حتى ساعات متأخرة من أيام العيد, فالقرية تنبض بحركة دائمة, وتمتلئ بصياح الأولاد, وأهازيج المحتفلين, وضوضاء الحركة والتنقلات. أما اليوم, فمن يأتي إلى قرية درزية يوم العيد, يصطدم بواقع, وكأن القرية مهجورة, فلا حركة, ولا تنقلات, ولا لعب أولاد, ولا أهازيج, لأن غالبية السكان تركوا بيوتهم إلى المدن السياحية, وانتقل العيد معهم إلى هناك. وهذه الظاهرة جديدة, ولا تليق بمجتمعنا, الذي أوجد هذا العيد لكي يتعاون الناس فيما بينهم, ويتمسكون بتقاليدهم وعاداتهم, ويرجعون إلى تاريخهم, ويتزوّدون بالماضي, لكي يستطيعوا تحدّيات المستقبل. وهذه الأمور لا يمكن أن تتحقق على شاطئ البحر في إيلات, أو في فنادق طبريا والبحر الميت وغيرها. فالعيد يحقق أهدافه في المكان المناسب له, والأجواء الدرزية لا يمكن أن تتحقق أو أن تُنفذ, إلا في أماكن درزية. والقرى الدرزية موجودة في أحلى البقع السياحية, وفي أجمل المناطق في البلاد, وحبّذا لو تقلص ذلك الهوس في نفوس عائلاتنا, وحتى حبذا لو انقرض وانعدم واختفى, على أن يظل الجميع, أو على الأقل, عدد أكبر منهم, في بيته وفي قريته في أيام العيد. ولو كانت هذه المشكلة هي الوحيدة في مجتمعنا, فيما يتعلق في العيد لتحملناها, ولغضضنا الطرف, واستوعبناها, وعشنا معها, ونظرنا إلى الأمام. لكننا نعاني من مشاكل أخرى, فمجتمعنا الفقير نسبيا, المخلص في عمله, والذي يكد ويجتهد من أجل الحصول على لقمة العيش، هذا الجزء من المجتمع, يفقد السيطرة على نفسه, وينقاد بشكل هستيري, وراء ظواهر فاسدة, ليس فيها جدوى, مثل ظاهرة المفرقعات التي غزت مجتمعنا في السنوات الأخيرة, والتي تفشّت, وأصبحت كارثة جماعية, أولا للتبذير الخارق المرتبط بها, وثانيا للإزعاج المخيف في الأصوات الشاذة المرعبة التي تصدر عنها, وثالثا للخطورة الكامنة في حدوث ووقوع إصابات نتيجة لانتشار هذه المفرقعات, ورابعا لتفاهتها. لقد كان إطلاق النار, جزءا من واقع المجتمع الدرزي, الذي كان محاصرا, والذي كان مطاردا وملاحقا, ويعيش كل أيامه بالقتال والحروب والدفاع عن النفس. فكان الدروز عندما تنفرج عنهم محنة ما, في قرية معينة, يطلقون النار, ليعلموا جيرانهم أنه حصل انفراج. وكان ذلك يقتصر على عدة طلقات ويتوقف. أما اليوم فمن يحضر إلى قرية درزية في أيام العيد, يشعر أنه ما زال يعيش أجواء الحرب العالمية الثانية, لكثرة التفجيرات المخيفة التي تحرق الأعصاب والأموال دون جدوى. ولا شك أن الضحالة الفكرية التي أصابتنا في العقود الأخيرة, والانحراف الأخلاقي الذي تفشى فينا, والتدهور السلوكي الذي يغمرنا, لا شك أن هذه العوامل وغيرها, جعلتنا نبتعد عن أصولنا وقيمنا, فأخذنا نتبنى ظواهر غير مألوفة, ونندمج في بدَع وفنون شاذة, ونترك الكثير من عاداتنا وأخلاقنا.
طبعا, ليست هذه هي المشاكل الوحيدة في حياتنا, فنحن نعاني, والحمد لله, من هموم ومعاص ٍ وتقصير وتجاوزات ومخالفات وعُقد لا حصر لها, وكلها مهم, وكلها يتطلب التوقف للحظة, والسيطرة على الأمور, وكبح جماح هذه الفوضى السارية فينا. والإنسان الدرزي المؤمن, الذي يتعمق في المثل العليا التي يرمز إليها عيد الأضحى المبارك, يعرف أن الإنسان , مهما كبر ومهما تقدّم ومهما تجبّر, يظل بالنسبة للكون والأجرام السماوية والخليقة ذلك المخلوق الصغير. فليع ِ كل إنسان ما يفعل, وليراقب كل مؤمن ما يجري, ولينتبه كل مخلوق لما يحدث, وليعلم الجميع أننا, حتى ولو طال بنا هنا المقام, نظل دائما وأبدا, ضيوفا ونزلاء مؤقتين في رحاب هذه الديار...


والله ولي التوفيق...


سميح ناطور

دالية الكرمل
آذار 2006
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.