spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 132
مرور 1000 سنة على بداية دعوة التوحيد
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
كلمة العدد: كي ننعم بثمار الديمقراطية وحلاوتها طباعة ارسال لصديق
دعا أحد الملوك، أفراد رعيته إلى يوم استقبال واحتفالات في العاصمة. وقرر أحد الفلاحين في الضواحي أن يشترك في هذا الاحتفال، فانتظر على قارعة الطريق مرور مركبة توصله، وبعد قليل مرت مركبة فيها الملك وبعض حاشيته، ولم يكن الفلاح يعرف ذلك، فأمر الملك باصطحابه معهم بجانبه. وسأل الفلاح الملك وهو لا يعرفه، كيف سيعرف أن الملك قادم، قال له الملك، عندما تشاهد جميع الناس وقوفا يحيون مركبة تمر، اعلم أنه الملك. وعندما وصلوا المدينة، لاحظ الفلاح أن جميع الحضور واقفون يصفقون ويحيون المركبة التي هو فيها، فتوجه الفلاح للملك قائلا: غريب، الجميع يصفقون ويرحبون، إلا أنا وأنت. وأنا محتار، هل التصفيق هو لي أو لك!!
نعم.
نحن ننعم في هذه البلاد بالديمقراطية، وقد ولّت إلى غير رجعة، تلك الأيام التي كانت تتحكم فيها الإقطاعية والعائلية وأصحاب النفوذ بمصائر البشر، وبلغنا اليوم في هذه البلاد، عهدا يشعر فيها كل إنسان بالتقدير والاحترام، لمجرد كونه إنسانا.ويعتمد مدى اهتمام الناس به على ثقافته ومناقبه ومركزه الاجتماعي ومعاملته مع الناس، وليس لكونه ينتمي إلى فئة أو عائلة أو أوساط مترفعة، كما كان في السابق. وباستطاعة كل إنسان اليوم، أن يتقدّم وأن يتطوّر وأن يصل إلى أعلى المراتب، سواء عن طريق ثقافة وتعليم، أو عن طريق تلقيه مناصب قيادية في الجيش، أو عن طريق جهده ومثابرته وحصوله على مبلغ من المال، أو عن طريق تضلعه في الدين والروحانيات وبلوغه منزلة رفيعة بسبب تقواه وتبحّره، أو عن طريق سلوكه الشخصي وترفعّه عن كافة الصغائر واحترامه للناس واحترام الناس له، أو بأي طريقة أخرى. والباب اليوم غير مسدود أمام أحد، وبإمكان كل إنسان مؤهّل في أي مجال، إذا كان ذا عزم وتصميم، وله قدرة على التفكير والتخطيط والتقدّم، بإمكانه أن يحقق كل ما يريد، وان يصل إلى أعلى الرتب. ونحن ما زلنا الآن في فترة انتقال بين العهد القديم، حيث ساد التجبر والإقطاع والتحكّم من قِبل فئات متسلطة في المجتمع للفئات الأخرى المستضعفة، وأصبح جميع الأفراد اليوم في حرية وراحة وشعور بالاستقلالية، طالما كان سلوكهم شريفا، وطالما كانت معاملتهم مع الناس مرتبة، وطالما حاولوا أن يكونوا أعضاء متساويين في هذا المجتمع.
وليس هذا الوضع، هو الأحسن والأنسب والأجمل دائما، فأحيانا يعاني بعض الناس من فائض في الديمقراطية والحرية، وهناك أناس وأشخاص كانوا مستعبدين، وبلحظة واحدة شعروا بالتحرر، ففقدوا كل الموازين والانضباطات، واعتقدوا إنه يُسمح لهم كل شيء، وأنه لا رادع، ولا قانون، ولا عُرف، ولا تقاليد، وإنما كل إنسان مَلك حتى ولو كان حثالة. وهذا الفائض من الديمقراطية، جعل البعض يسيء التصرّف، ويضرّ بمصالح بيته وأهله ومجتمعه، حيث لا يمكن لمجتمع أن يكون سليما، إلا إذا كان مبنيا على أسس وقوانين. وهذه الأسس والقوانين، تُلزم الكبير والصغير. ومثلما يكسب إنسان حريته، ويتمتع بحقوقه، ويزهو بكيانه واستقلاله، كذلك عليه أن يقوم بكل واجباته، وأن يتقيّد بالضوابط الاجتماعية والأخلاقية، وأن يعرف أن الحياة ليست فوضى، وإنما لها أسس وقوانين. ولأسفنا الشديد، هناك البعض الذي تشاهد تصرفاته، فتتحسّر على الأيام السابقة، عندما كانت الضوابط الاجتماعية مشدَّدة وحاسمة.
والأنسب والأجمل والمطلوب، هو الاعتدال في كل شيء، "فقد خُلق الناس جميعهم أحرارا"، لكن مع وجود هذه الحرية توجد أطر اجتماعية وتعاليم وأصول يجب مراعاتها، والتقيّد بها، والالتزام بوجودها. ولا يمكن أبدا التجرّد منها، والتنكر لها، والابتعاد عنها. ولكي يكون الإنسان محترما، عليه أن يحترم غيره، وأن يقدّر الكبير والصغير، وأن يراعي شؤون جاره وزميله، بغض النظر من هو وما هو أصله وما هي إمكانياته، فقط لمجرد أنه إنسان مثله.
 ونحن في داخل الطائفة الدرزية، ننعم دينيا بالمساواة الكاملة بين جميع المؤمنين، فيمتاز الناس عندنا بتقواهم، وبعلومهم الروحانية، وبسلوكهم الشريف، وبترفعهم عن الصغائر. وإذا تواجدت عندنا فروق اجتماعية وطبقية، فمصدرها البيئة الخارجية التي عشنا فيها، والمناخ الاجتماعي الذي كبرنا بداخله، والعادات القبلية التي لازمتنا طوال تاريخنا، وليس التعاليم الدينية الداخلية التي نؤمن بها. ففي داخل مكان العبادة، لا يوجد كبير وصغير، والكل على ارتفاع واحد، والكل في نفس اللباس. لكن يختلف المؤمنون، بتعمّقهم وإخلاصهم لدينهم فقط، ومن هذا المنطلق، فإن المجتمع التوحيدي مبني على الديمقراطية، وعلى المساواة، وعلى العدل، وعلى التواضع وعدم التكبر، لأن الكبير اليوم، ربما كان صغيرا في السابق، وربما كان أصغر من ذلك في المستقبل، ولا أحد يدري أين يكون وما هو مصيره.
وفي هذه الأيام، تمرّ كافة القرى الدرزية، ومعها باقي القرى والبلديات،  في عملية انتخابات، تكون أحيانا شرسة وحامية الوطيس، بسبب التنافس ومحاولة بعضهم الوصول للحكم والسلطة في القرية. وفي عمليات الانتخابات السابقة، كانت تصدر عن البعض، ظواهر غير أخلاقية وغير مستحبة، حيث مورست ضغوطات وتهديدات وأمور غير مقبولة، لكن قانون الانتخابات، يجعل ويحتّم أن تكون متساوية، سرية وشاملة، ولذلك على كل إنسان، إن كان مرشحا وطالبا أن يخدم بلده، أن يكون متواضعا محبا لأبناء قريته، يعرف أنه يريد أن يكسب ثقتهم، ليقوم بخدمتهم، وليس ليتحكم فيهم. وعليه أن يكون صاغيا دائما لطلباتهم ومشاكلهم، وأن يبذل كل جهده، من أجل راحتهم وتنفيذ المشاريع المفيدة لهم. وفي نفس الوقت، على الناخب أن يعلم، أن المرشّح الذي يريد أن ينتخبه، حتى ولو فاز، لا يستطيع أن يحقق كل شيء، لكل إنسان، في كل الأوقات, وهناك ظروف مالية وسياسية وتنظيمية تحدد من حرية الرئيس المنتخَب، وهو لا يستطيع أن يفعل كل ما يشاء، وعليه أن يأخذ بعين الاعتبار أمورا كثيرة أخرى. ولهذا، قد يصاب الناخب بخيبة أمل من ذلك الإنسان الذي انتخبه، ولم يستطع أن يحقق له كل طلباته. فعلى المرء أن يعلم، أن الأمور تتطلب وقتا، وتحتاج إلى عدة مراحل كي تُنفّذ، وهذا يحتاج إلى صبر، وإلى انتظار وعدم الضغط بالقوة على المرشَّح أو الفائز. لذلك على كل إنسان أن يراعي أمور الآخر، وعلى الجميع أن يكون رائدهم الصدق والإخلاص والنية الحسنة، لكي يستطيع كل إنسان أن ينجح في كل ما يريد، وأن يرضي الجماهير، وان يقوم بواجبه، وأن يثبت وجوده، كي تظل له شعبية وحظوة عند الذين انتخبوه ووضعوا ثقتهم به.  
ونحن نتمنى النجاح لكل مرشح ينوي أن يخدم بلده بصدق، وعليه أن ينظر إلى الجميع سواء انتخبوه أو لا، بنفس المنظار، كمواطنين. وما يهمنا هو، أن تنتخب كل قرية الإنسان الذي تشعر أنه سيقوم بحل مشاكلها وتسيير شئونها، وعندما نضع في اعتباراتنا، وفي مقدمة أفضلياتنا، مصلحة قريتنا ومجتمعنا وأهالينا، عندها ننعم جميعا، منتَخَبون ومنتَخِبون بثمار الديمقراطية وحلاوتها.

وكل عام وانتم بخير

سميح ناطور

دالية الكرمل
أيلول 2013

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.