spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 109
أسماء المواقع في عسفيا
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
القائد جوهر الصقلي يفتح مصر طباعة ارسال لصديق
بقلم د. سلمان حمود فلاح

القائد جوهر الصقلي، هو القائد المشهور في عهد الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، مؤسس الخلافة الفاطمية في الشرق والغرب، وهو فاتح مصر من أجل الفاطميين، وباني مدينة القاهرة. أصله من جزيرة صقليا، التي فتحها العرب، عام 827 م في عهد المأمون. وقد أسلم أكثر سكان الجزيرة، وبنوا فيها كثيرا من المساجد ودور العلم. وقد صادفت اللغة العربية في تلك البلاد، جواً صالحاً وأصبحت لغة رسمية، وتُرجمت فيها أهم مؤلفات الفلاسفة اليونانيين إلى اللغة العربية.لا تُعرف بالضبط السنة التي وُلد فيها جوهر، لكن من المعتقد، أنها كانت بين السنتين 298 هجرية إلى 300 هجرية.
شبََّ جوهر في كنف الدولة الفاطمية، في بلاد المغرب، بين موالي المعز، وكان المعز يحترمه ويقرِّبه، حيث توَسَّم فيه الإخلاص للدين والمواهب الفذّة والثقافة الواسعة، وقد اتخذه عام 923 م (341 ه) كاتباً له، وكان جوهر عند حسن ظن الخليفة، فرقّاه إلى منصب الوزارة، سنة 347 هجرية. وقد بعثه المعز فيما بعد، لفتح ما بقي من بلاد المغرب، على رأس جيش كبير، ففتح مدن تاهرت وفاس وسجلماسة، حتى وصل المحيط الأطلسي. وقد عاد منتصراً إلى القيروان، حيث صمّم المعز، أن يفتح بلاد مصر، وأراد أن يكون جوهر هو الفاتح. لكن جوهر مرض مرضاً شديداً، وأشرف على الموت, فحزن المعز وعاده بنفسه في بيته، وهو شرف لا يناله إلا المقرَّبون. وكأن نفس المعز كانت تحدِّثه، بأن مصر لن تُفتح إلا على يد جوهر، فلما عاد من زيارته قال : هذا لا يموت’ وستُفتح مصر على يديه. وقد تحققت نبوءة المعز، فشُفي جوهر من مرضه، وسرعان ما أُعدَّت معدّات الحملة، وخرج المعز لوداعه.
لقد رغب الفاطميون بفتح مصر، لتوسيع رقعة حكمهم، ومدّها إلى الشرق عن طريق مصر، وكان المهدي قد أرسل في السابق، ثلاث حملات فشلت جميعها. وكان المعز شديد الاهتمام بفتح هذه البلاد، ومد نفوذه إلى الشرق, فقام بإعداد جيش, بلغ أكثر من مائة ألف مقاتل، من شجعان قبائل البربر، وأنشأ في الطريق المنشآت، وحفر الآبار، ليسهِّل عملية الفتح. وقد رأى المعز في جوهر الرجل المناسب لقيادة الحملة، فقد برهن على شجاعته ومقدرته الحربية والإدارية. ومما يدل على مبلغ ثقة المعز به، قوله حين جاء لتوديع الجيوش الفاطمية : والله لو خرج جوهر وحده لفتحِ مصر، لدخلها من غير حرب، ولينزلن في خراباتها ويبني مدينة تُقهر الدنيا.
ذكر ابن تغري بردي عن عملية غزو مصر قوله : "كان قد انخرم نظام مصر بعد موت كافور الإخشيدي، فقلّت الأموال عن الجند، فكتب جماعة منهم إلى المعز وهو بالمغرب، يطلبون قدومه ليسلموا إليه مصر، فجهّز المعز جوهرا بالجيوش والسلاح في نحو مائة ألف فارس، فسار جوهر حتى نزل بجيوشه إلى منطقة تروجة قرب الإسكندرية، وأرسل إلى أهل مصر، فطلبوا منه الأمان، فأجابهم جوهر إلى ذلك، وكتب لهم عهدا بذلك, فعمل الإخشيدية بهذا الاتفاق فتأهّبوا لقتال جوهر فجاءتهم من عند جوهر الكتب والعهود بالأمان، فاختلفت كلمتهم، ثم قرروا القتال وتوجّهوا نحو الجيزة، ووقع القتال بينهم، فقُتل كثير من الإخشيديين وانهزم الباقون ثم أرسلوا يطلبون الأمان من جوهر بعد انهزامهم فأمّنهم (ص 32.):
وعن هذا الحدث يقول المقريزي في اتعاظ الحنفاء ص 102 :" لما قربت عساكر جوهر من الإسكندرية جمع الوزير أبو الفضل جعفر ابن الفضل ابن الفرات الناس وشاورهم، فاتفقوا على مراسلة جوهر وأن يتشرطوا عليه شروطا، وأنهم يسمعون له ويطيعونه ثم اجتمعوا على محاربته، ثم انحلّ ذلك الاتفاق وعادوا إلى المراسلة بالصلح. وكانت رسل جوهر ترد سرا إلى ابن الفرات، ثم اتفقوا على خروج أبي جعفر مسلم الحسيني الطالبي، وأبي إسماعيل الرسي، ومعهما القاضي أبو طاهر وجماعة من الأعيان فبرزوا إلى الجيزة، ولم يتأخر عن تشييعهم أحد، لا قائد ولا كاتب ولا عالم ولا شاهد ولا تاجر. وساروا والتقوا جوهر ووافقوه واشترطوا عليه فأجابهم إلى ما التمسوه وكتب إليهم كتاب أمان.
 وعن أعمال جوهر الصقلي وشخصيته جاء في المصادر الإسلامية المختلفة:
" وبعد أن استتب وقوي الحكم الفاطمي في مصر، استأنف جوهر طريقه الحربي، وأرسل حملة عسكرية، بقيادة جعفر بن فلاح، أحد قواد المعز من قبيلة كتامة، فتوجهت إلى فلسطين وبلاد الشام، والتقت في الرملة، مع جيوش الإخشيديين, وتغلبت عليهم, واستأنفت طريقها إلى طبرية، واستولت عليها بدون مقاومة، ثم توجهت إلى حوران، ومنها قصدت دمشق، فدارت على مشارف الشام، معارك ضارية، تغلَّب فيها الفاطميون، وتم فتح فلسطين والشام، وضمهما إلى الإمبراطورية الفاطمية الكبرى. لكن هذه البلاد، تعرضت بعد فترة لهجوم القرامطة.فقام جوهر بنفسه، وصد القرامطة، قبل أن يصلوا إلى القاهرة، وقد كانوا يشكلون خطراً حقيقياً على الدولة الفاطمية. وفي هذه الفترة أرسل المعز قوة عسكرية، لدعم جوهر، وجاء بنفسه بعدها ليشرف على الأمور بنفسه.
كانت القيروان عاصمة الفاطميين الأولى، لا تصلح لتكون مركزا فاطميا، لبُعدها عن الولايات الإسلامية. ولما وصل جوهر إلى الفسطاط، بدأ رأساً بتخطيط مدينة جديدة، لتكون مقراً للخلافة الفاطمية. وقد قام بتشييد مدينة القاهرة، في برهة وجيزة، حيث ضمّتْ قصوراً للخليفة والحاشية ومساجد ومساكناً للجيش، وبيوت سكن وحدائق ومرافقاً عامة. وكان تأسيس القاهرة كي تصبح مقراً ومركزاً للإمبراطورية الفاطمية وللدعوة الشيعية. وحصل ذلك، وفاقت القاهرة بغداد ودمشق والقيروان والمدن الإسلامية الأخرى، وأصبحت محط أنظار الأدباء والشعراء في كل مكان. ولما استتب الأمر للمعز في عاصمته الجديدة، أذِن ببث الدعوة للقريب والبعيد، وكان المعز قد استعان في نشر المذهب الفاطمي، بالدعاة الذين كان يدمجهم في جيوشه. وقد ساهم جوهر بشكل ملحوظ، في هذا الموضوع. فقد نظّم جهاز الدعوة, بحيث عيّن لداعي الدعاة، اثني عشر نقيبا ونواباً له في سائر البلاد المصرية والعربية، وكان يحضر إليه فقهاء الدولة، يتلقّون منه الأوامر ويقدِّمون إليه, في يومي الاثنين والخميس، محاضرتهم عن المذهب الشيعي فيعرضها الداعي بنفسه، قبل إلقائها على الخليفة، فيقرُّ ما يقبله منها ويذيِّله بإمضائه، ثم يردها الداعي إليهم .
وكانت في قصر الخليفة، مجموعة عظيمة من الكتب، الغرض منها نشر عقائد الفاطميين وتلقينها للناس. ولا غرو فقد عُني الفاطميون عناية خاصة، بازدياد عدد الكتب في المذهب الشيعي، حتى كانت مكتبة القصر في القاهرة، تنافس غيرها من المكاتب في العالم الإسلامي.
كان جوهر ينوب عن الخليفة المعز، في إدارة شؤون البلاد، وكان في سياسته شيء كثير من الحكمة وبعد النظر. وكان أول ما اهتم به جوهر عقب الفتح، هو العمل على تخفيف وطأة القحط والمجاعة التي انتابت البلاد. فقد انشأ مخزناً عاماً للحبوب عُهد برقابته إلى المحتسب، وكانت مهمته منع احتكار الحبوب. 
لقد بنى جوهر عاصمة جديدة للدولة الفاطمية هي القاهرة، وكانت في أيامه مدينة صغيرة ليس بها سوى قصر الخليفة والجامع الأزهر وثكنات الجنود ودور المغاربة ورجال الحاشية وحرس الخليفة. وكان السكان جميعاً من الشيعة. وبنى الجامع الأزهر خلال سنتين، وتحوَّل إلى أشهر جامع في العالم الإسلامي، وأعظم جامعة إسلامية تدرَّس فيها العلوم الدينية والعقلية. وكان المعز يذهب إلى الجامع الأزهر كل يوم جمعة، في موكب حافل لإقامة الصلاة، وكان العزيز، أول من حوَّل المسجد إلى جامعة، كما كان أول من أجرى الأرزاق على طلاب العلم فيه، وبنى لهم المساكن للإقامة.
ظل جوهر يحكم مصر بنفسه أربع سنوات، منذ فتحها عام 358 إلى 362 هجرية، ولما وجد المعز، أن دعائم ملك الفاطميين قد توطدت في الشرق، خرج من شمال إفريقيا، حتى وصل إلى القاهرة، وغدت القاهرة بعد القيروان، مركز الإمبراطورية الفاطمية الشاسعة الأرجاء.
وعندما توفي المعز عام 365 هجرية، تولى الخلافة من بعده العزيز، فأمر بتولية جوهر قيادة جيش يزحف على دمشق ليخمد الثورات فيها، فسار جوهر واحتل الرملة ودمشق، وحاول كذلك بالسياسة واللين، التغلب على أعدائه. ومما يدل على حنكة جوهر وحكمته في السياسة، انه لم يلجأ إلى وسائل الشدة والعنف في نشر المذهب الفاطمي، وإنما لجأ إلى الوسائل العلمية، فاعتمد على المساجد التي اتخذها أشبه بمدارس، يتلقى فيها الأهالي تعاليم المذهب، دون أن يفرض على احد اعتناقه.على أن نفوذ جوهر لم يلبث أن تضاءل، إثر قدوم المعز إلى مصر، فأفل نجمه ودالت دولته. وفي شهر ذي القعدة من سنة 381 هجرية اعتل جوهر، فعاده العزيز بالله، وأرسل إليه خمسة آلاف دينار، ثم بعث له أيضا  الأمير منصور بن عبد العزيز ومعه خمسة آلاف دينار أخرى، وتوفي جوهر سنة 381 هجرية. وقد قام العزيز بإرسال الحنوط والكفن للمتوفى، فكُفن في سبعين ثوبا، ما بين مثقل وموشى بالذهب، ثم صلى عليه العزيز بالله، ودفن بالقرافة الكبرى، وقد خلع العزيز على ابنه الحسين، وجعله في رتبة أبيه، ولقبه بالقائد ابن القائد، ومكنه من جميع ما خلّفه أبوه.
وقد حظي جوهر برثاء الشعراء، على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم، حتى لم يبق بمصر شاعر، إلا رثاه وشاد بأدبه الجم، وعلمه الغزير، وشخصيته الكبيرة، وصفاته العالية ومواهبه النادرة. ". 
 


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.