spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 134
زوجات الزعماء
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كلمة العدد: بيت واحد من الشعر أكثر خلودا من كل البيوت والقصور.. طباعة ارسال لصديق
ذُكر في مسيرة حياة الشاعر العبري إمبر، والذي نظم النشيد الوطني "هتكفا" أنه عرض على الحركة الصهيونية، تبني القصيدة منذ التسعينات من القرن التاسع عشر ولم يبت في الأمر. وعندما عقد المؤتمر الصهيوني السادس في بازل عام 1903 في قاعة في المدينة، قدم إمبر إلى المكان، وطلب الدخول،  وبما أنه كان فقيرا، وكان يكثر من شرب الخمر، كان منظره الخارجي غير مرتب، فرفض الحراس الذين لم يعرفوا من هو السماح له بالدخول. فوقف عند مدخل القاعة وأخذ يشاهد زعماء الحركة الصهيونية، وجلهم من الأغنياء، يأتون على مراكب فخمة، ويدخلون بلا أي إشكال، وكان إمبر لا يعرف أحدا شخصيا كي يتوسط له بالدخول، لكنه ظل ينتظر أمام المدخل. وبعد ساعات من المباحثات الصاخبة، صدحت فجأة القاعة بالنشيد الوطني الذي كتبه هو. وتبين بعد ذلك أن نقاشا حادا وقع في الحضور، بين أنصار إقامة وطن قومي لليهود في أوغندا، وبين المعارضين، وعندما احتدم النقاش وتأزم، بادر بعضهم إلى النشيد بصوت عال، بالقصيدة التي كتبها إمبر، وفيها تمجيد بأرض إسرائيل. وكانت سخرية القدر، هذه القصيدة تحسم صراعا مصيريا، وصاحبها منبوذ خارج القاعة، ولا أحد يعرفه. وقد تم الاعتراف فيما بعد، بالقصيدة نشيدا وطنيا، واشتهر اسم الشاعر إمبر، وأصبح من كبار الأمة، بفضل قصيدته، أما غالبية أعضاء الكونغرس الصهيوني الأغنياء، الذين دخلوا القاعة في حينه، ولم ينتبهوا للشاعر المسكين، فقد انمحى ذكرهم، ولا أحد يعرف عنهم شيئا.
ونحن نورد هذه القصة، لنثبت أن العلوم الروحانية، هي أقوى بكثير من الماديات، وأن قصيدة أو كتاب أو قول مأثور واحد، يمكن أن يظل خالدا خلال آلاف السنين، تذكره الأجيال، وتتغنى به، بينما لربما توجد بهجة لقصر، أو لأي صرح أو إنجاز مادي، يزول مع الوقت، ولا يظل له ذكر، ولا يترك أي أثر، نقول ذلك، ونحن تحت أجواء حفلات التخرج التي تنظّمها المدارس عندنا، وتتباهى كل مدرسة بالتفخيم والمبالغة في البذخ، وفي سلب الأنظار في أعمال يمكن أن تكون مثيرة، لكن ليس لها أي معنى، ولا أي هدف تربوي، ولا أي قيمة باقية.
لقد تخرج مئات آلاف الجامعيين، ومن بينهم أطباء ومهندسون وغيرهم، من المعاهد العلمية، ولبس الواحد فيهم أحلى ما عنده، واشترك في احتفال أدبي راق، ضم كلمة أو كلمات، وحصل على شهادته، وعاد إلى بيته زاهيا فخورا، وبدأ حياته العملية، مستعملا اللقب الجامعي الذي حصل عليه، بعد أن اكتسب ثقافة أهّلته للعمل والإنتاج. وهذا الذي حصل على هذا اللقب، سهر الليالي وأفنى حياته ونظره في القراءة والمطالعة والدرس والفحص، لكي يستطيع أن يتعلم. وكان الهدف من التعليم اكتساب المعرفة والحصول على مهنة شريفة راقية، وكان الأهل والمجتمع ككل، يعتزون بكل جامعي، وبكل متعلم، لأنه يعلم أن الأمل في تقدم المجتمع موجود في أيدي وعقول هؤلاء. وكثيرا ما كانت الأسرة تضحي بوقتها وسعادتها، كي يستطيع الابن أو البنت أن يدرسا للامتحان، وأن ينجحا ويخرجا للحياة. وكان المجتمع يكاد أن يقدس كل متعلم مخلص عاد إلى أهله، وعاش في بيئته، ونهض وتقدّم بينهما ومعهما. وكثيرة هي القصص والحكايات عن أم أفنت حياتها ونظرها في الخياطة، لكي تبعث القسط الجامعي لابنها، وعن أسر حرمت بعض أفراد الأسرة من ملذات الحياة الأساسية، كي تعلم ابنا أو بنتا لها، وقد قام هؤلاء بعد ذلك بتعويض هذه الأسر، ورفع اسمها وشأنها بين الناس.
وما نراه ونلمسه اليوم، هو أن السباق المادي، والتهافت على المظاهر ساد مجتمعنا في العقدين الأخيرين، وهو ينخر به كالسرطان، وهو بعيد كل البعد عن التعليم، ونرى أنه استفحل فيه، واستحوذ عليه، وجعل موضوع التعليم الذي كان شبه مقدس، وسيلة أخرى للتباهي وإظهار الأنا والافتخار بالأمور الزائفة. فقد أرهقنا أنفسنا كي نملك السيارة الفخمة، ونبني الدار الفاخرة، ونغزو دول العالم، ونفرغ جيوبنا في دفع ثمن الملابس والعطور وأدوات الزينة، واليوم حوّلنا إحدى القيم السامية (الثقافة والتعليم) إلى سلعة لامعة كباقي السلع الأخرى. وهذا يبدو واضحا في تصرفات الطلاب اليومية، وفي الاحتفالات البراقة خلال أيام السنة في أعياد الميلاد المختلفة، وفي مناسبات أخرى، حيث أخذنا نخترع أعذارا وأسبابا، لكي نقيم احتفالا للبنت أو الولد، لنبرز إمكانياتنا وقدراتنا المادية الزائفة، وأدخلنا الأولاد والبنات في دوّامة وفي سباق وفي صراع مع الآخرين، لكي نرضي أنفسنا، ونقتنع أننا نملك ونستطيع أن نبذّر، وأننا نسبق الآخرين في التبذير.
كنا نعرف دائما، أن المعلم هو حامل رسالة سامية، وأن المدير هو القائد والموجّه في القرية، إلى رفع المستوى التعليمي والثقافي بها. وكنا نبتهج حين نسمع عن مدير دخل صفا، وأعطى الطلاب درسا في الأخلاق، أو عن تفوّق طالب في إبداع ما. واليوم احتلت مكان هذه الأمور التربوية، الحفلات الصاخبة، واللباس الصارخ، والفخفخة والتضخيم والمبالغة، وإرهاق جيوب الأهالي في أمور زائلة ليس لها أي قيمة تربوية وليس لها أي معنى، وليس فيها أي فائدة. 
نحن نقول كل هذا، ونحن أكثر من يؤيد التعليم والعلم، ويدعو إلى بذل الغالي والرخيص، من أجل التقدم والتعليم، لكننا نؤمن ونؤيد التعليم بالشكل الصحيح، وندعو لبذل المصروفات في التعليم في الأمور الجوهرية، وليس في المظاهر الخارجية الزائلة.
وكلنا أمل، أن نستغل العطلة الصيفية الحالية، في التفكير والتروي والتعقل، والهبوط من السلالم العالية التي تراكضنا للصعود عليها، بدون تفكير أو اتزان، فقط لمجرد أن هناك بعضا، من غير الواثقين بأنفسهم، يشعرون بالنقص، ولكي يعوضوا هذا النقص، فهم يستغلون إمكانياتهم المادية، للتباهي والافتخار والزهو بالمقتنيات والمشتريات.
وفي هذه الأشهر، نقوم بزيارات خاصة وعمومية للأماكن المقدسة، لنتبارك ونجدد إيماننا، وعلينا أن نذكر أن سيدنا الخضر (أبو ابراهيم) وسيدنا بهاء الدين عليهما السلام، والذين تجري الزيارة في مقاميهما، في شهر تموز من كل سنة، هذان النبيان هما من الأركان، ويدعوان دائما، للبساطة، والتعقل، والتعليم، والمعرفة، والتواضع، والسلوك الحسن، مثل كل أقطاب التوحيد، وفي تاريخنا الطويل، يوجد شعراء، اشتهر بعضهم وخلدت أسماؤهم، بفضل بيت واحد من الشعر، بينما يوجد ملوك وأغنياء، شيدوا القصور الفخمة، ولا أحد يذكرهم، لأن بيت واحد من  الشعر، أكثر خلودا من تلك البيوت والقصور..  


وكل عام وانتم بخير

سميح ناطور

دالية الكرمل
تموز 2013
 
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.