spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 57
آل بيراني في دالية الكرمل
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
الساعات الأخيرة في حياة سيدنا سلمان الفارسي (ر) طباعة ارسال لصديق
بقلم  القاضي ربيع زهر الدين.
عن كتابه : سلمان الفارسي (ر) جامع علم الأولين والآخرين
سيرة السيد سلمان الخيّر (ر) واضحة، جليلة، مليئة بما يشرح الصدر، ويرطّب الفؤاد، ويملأ القلوب غبطة وفرحة وبهجة وفخرا ومجدا. سلمان الخيّر، هو قائد المؤمنين الموحدين ومربيهم ومخرجهم من الظلمات إلى النور وإمامهم، والنور الذي يستضيئون به، يهذّب نفوسهم ويصفي أفئدتهم.. وذلك بعد أن رغب عن الدنيا ولم يرقْهُ زخرفها وحلاوتها وطلاوتها، ولن تغتر بنعيمها، فاستصغرها بفؤاده، وابتعد عنها بجوارحه، وكانت غايته حب الانفراد والانقطاع والعزلة إلى مراقبة الله والتعبّد بمناجاته... فسلمان الخيّر، كان زاهدا في الدنيا، متقللا منها، مبتعدا عن مباهجها، غير ناظر إلى زهرتها، متحليا بالعبادة، مستشعرا العفاف والطهارة، مختصرا من ملبسه ومأكله على ما تدعو إليه الضرورة، يرتدي الخشن من اللباس، يبيت جائعا طاويا، ويصبح هائما عابدا، لم يشبع من خبز الشعير يومين متتاليين، ما خلّف دينارا ولا درهما، ولم يترك إلا سلاحه ومصحفه الشريف... وسلمان الخيّر كان إلى الموت مشتاقا، وإلى ما بعده مرتجيا... ويبكي سلمان الخيّر (ر) فيعجب سعد بن أبي وقاص، لأنه يعلم أن لسلمان درجة رفيعة في الجنة، فيسأله، ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ فيجيب متوجّعا: والله لا أبكي خوفا من الموت، ولا حزنا على الدنيا، ولكني سمعت الرسول يقول: " إن في الآخرة عقبة لا يقطعها إلا المُخِفّون". وأرى هذه الأساود حولي. فنظروا، فلم يجدوا في البيت، إلا دواة وركوة ومطهرة. فقال له سعد: أعهد إلينا عهدا نأخذ به بعدك. فقال سلمان الخيّر: "أذكر ربك عند همّك إذا هممت، وعند لسانك إذا حكمت، وعند يدك إذا قسمت".  وعندما قارب على الانتقال من دار الدنيا الفانية إلى دار الآخرة الباقية، مرّ على المقابر فقال : السلام عليكم يا أهل القبور من المسلمين والمؤمنين، يا أهل الدار هل علمتم أن اليوم جمعة؟ وحين عاد إلى داره، تمدد على فراشه فنام . فأتاه آت فقال: وعليك السلام يا أبا عبد الله، تكلّمتَ فسمعنا وسلّمت فرددنا، وقلت هل تعلمون أن اليوم جمعة؟ وقد علمنا ما تقول الطير في يوم الجمعة: قدوس قدوس ربنا الرحمن الملك.
 وعندما حان وقت رحيله، رفع سلمان الخيّر بطرفه إلى السماء وبكى وقال : يا من بيده ملكوت كل شيء، وإليه ترجعون، وهو يجير ولا يُجار عليه، بك آمنتُ ولنبيّك اتبعت، ولكتابك صدقت، وقد أتاني ما وعدتني يا من لا يخلف الميعاد، أقبضني إلى رحمتك، وأنزلني دار كرامتك، فأنا اشهد أن لا إله الله وحده، لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله" فنادى خادمه قائلا: هلمّ خبيك الذي استخبأتك، فأتى به، وإذا هو صرة مسك فقال: آتني بقدح فيه ماء، ثم أنثر المسك فيه، ثم حاثه بيده وقال : انفحه حولي، فإنه يحضرني خلق من خلق الله يجدون الريحة ولا يأكلون الطعام، ثم أجفئ عليّ الباب وانزل. ففعل ما طلب منه، فيقول بعدما نزل: فجلست هنيهة فسمعت هسهسة (صوت خفي) فإذا هو قد رحل عن الدنيا، وكأنه نائم على فراشه، فخرجت روحه الطاهرة من جسدها الشريف، مؤمنة مخلصة مطمئنة موحّدة في جنات الخلد مستقرها...
لقد كتب الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه على كفن سلمان الطاهر:
وفدتُ على الكريم بغير زادٍ        من الحسنات والقلب السليم
وحَمْلُ الزاد أقبحَ كل شيء          إذا كان الوافد على الكريم
وقال الشيخ محمد بن مالك الأشرفاني: إنه عندما زار مقامه الشريف برفقة كوكبة من إخوانه المؤمنين الموحدين، كانوا يعانون في صداع في رؤوسهم من عناء السفر وشدة صعوبة الرحلة آنذاك، فمسح مع إخوانه الموحدين جباههم بزيت قنديل، كان على حافة مزاره الطاهر، فحصل لهم الشفاء ببركته، وقدرة رب العالمين كما قيل:
إذا تحدّتك من الأيام نازلة   وبتَّ في ضيق عيش ضيِّقٍ حرج
أقصد مقامي ولا تبغي به نذلا    وابسط يديك تجد نوعا من الفرج
ووارى جسده الطاهر ثرى مدينة المدائن، ويُطلق عليها الآن اسم "سلمان باك باك"، ومعناها الطاهر، ومنه اشتُق اسم باكستان. وما زال مسجده يُزار، وعليه بناء جدّده السلطان مراد الرابع عام 1623 _ 1660 م ورمّمه حديثا، السلطان عبد الحميد الثاني العثماني عام 1323 هجري 1904- 1905 م وما زال فيها إيوان كسرى، وقد سقط أحد جناحيه قبل مائة عام، وهو الآن قائم بجناح واحد. وللبغداديين تقليد موغل في القدم، وهو زيارة سلمان باك (الطاهر) في موسم الربيع، فإذا حلّ هذا الموسم، ترك الكثيرون أعمالهم وأشغالهم وجهّزوا أنفسهم بالخيام والفرش والأواني، ورحلوا إلى سلمان الطاهر على الظهر، أو انحدروا في الماء، فيجتمعون في المناطق المزروعة المحيطة بالقبر والإيوان ويمكثون أياما.
والذي يزور مشهد سلمان الطاهر في المدائن، يقف على قبره بخشوع وإجلال وإطراق وإكبار، ودموعه تنهمر من مقلتيه كحبات اللؤلؤ. وعندما تنتهي الزيارة يقف الزائر باحترام مودعا...
إن توحيد وهدي وعظمة سلمان الخير (ر) لا يشبع الموحد منها، ولا يرتوي العطشان من بحره العذب الزلال الصافي شربه زلا يملّ السامع والقارئ على اختلاف دينه ومذهبه وعرقه من حكمته ووصاياه وتعاليمه التوحيدية المشرقة والمشعّة نورا ودررا. وكان قبل رحيله رضي الله عنه، قد أوصى المؤمنين الموحدين بأن يصدقوا بالحديث، إذا حدّثوا ويوفوا بالوعد إذا وعدوا، ويدوموا محافظين متمسكين بأماناتهم ومواثيقهم بأن يحفظوا فروجهم ويكفّوا الأذى وهو يضمن لهم الجنة...
لقد كان سلمان الخير (ر) يتمتع بخصال وفضائل وشمائل توحيدية منها :
1- السكينة والهدوء الباعثان على الهيبة والتعظيم وخشيته من المولى عز وجل...
2- استحكام محبته في النفوس، حتى لم يقْلِهِ مصاحب، ولم يتباعد عنه مقارب، وكان أحب إلى أصحابه من الآباء والأبناء، حتى عُرف بالخيِّر، فهو منسوب إلى ما هو أصيل في نحيزته، أثيل في طبعه، وكل ما قيل في الخيّر صادق عليه ومتعلق به، وهو أبيّ النفس، وما كان يأكل من صدقات الناس وتلك شيمة الفضلاء.    
3- رجاحة عقله وصحّة منطقه، وصدق فراسته, وقد دلّ على وفور ذلك فيه صحة رأيه وصواب تدبيره وحسن تآلفه.
4- ثباته في الشدائد، وهو المطلوب وصبره على البأس والضراء وهو مكروب ومحروب (مطلوب)، ونفسه الشريفة في اختلاف الأحوال ساكنة هادئة.
5- زهده في الدنيا وإعراضه عنها وقناعته بالبلاغ منها، فلم يمِل إلى نضارتها ولم تُلهِهِ حلاوتها، وهو أزهد العُباد فيما يقتني ويدخر، وأعرضهم عما يُستفاد ومحتكر،  ولم يخلف عينا ولا دينا ولا حفر نهرا ولا شيّد قصرا، ولقد رحل سلمان الخيّر (ر) عن دار الدنيا الفانية إلى دار الخلود والبقاء معصوما دون أن يتزوج..
6- التواضع للناس وتقديره لهم، وخفض جناحه لهم، وهو مطاع يمشي في السواق ويجلس على التراب ويمتزج بأصحابه وجلسائه، فلا يتميز عليهم إلا بإطراقه وحيائه، فصار بالتواضع متميزا، وبالتذلل لله عز وجل متعززا، وهو المعروف لأسرة كريمة في النسب عريقة في الحسب.
7- حلم ووقار عن طيش يهزه أو منكر يستفزه، فقد كان أحلم في النفار من كل حليم، وأسلم في الخصام من كل سليم...
8- حفظه للعهد ووفاؤه للوعد، فإنه ما نقض لحافظ عهدا، ولا أخلف لمراقب وعدا، يرى الغدر من كبائر الذنوب والإخلاف من مساوئ الشيّم.
9- أوتي من الحكمة البالغة وأُعطي من العلوم الجمّة الباهرة، فأتى بما يبهر العقول، وأذهل الفطن من إتقان  ما أبان وأفصح، وما هذه الفطرة منه إلا من صفاء جوهره وخلوص معدنه، فأنار ما أظلم من القلوب، ورقّ ما غلظ من الطباع، ووجد سبيله إلى النفوس في عمقها، فسوّاها وألهمها من دقيق المعاني ورقيق المباني ورقائق المشاعر.
10- محفوظ اللسان من تحريف في قول أو استرسال في خبر يكون إلى الكذب منسوبا، فإنه لم يزل مشهورا بالصدق، حتى صار بالصدق مرموقا والأمانة مرسوما.
11- انتصابه لجهاد الأعداء، وقد أحاطوا بجهاته ومضى بالشجاعة في حروبه، والنجدة في مقارعة عدوه وليس له شغل، سوى الحرب وجهاد المشركين وتلاوة كتاب الله عز وجل. 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.